- الآية ٧٧بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، يعنون أخاه لأبيه وأمه، وهو يوسف، كما:- ١٩٥٩٦- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، ليوسف. ١٩٥٩٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٩٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، قال: يعني يوسف. ١٩٥٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، قال: يوسف. * * وقد اختلف أهل التأويل في"السَّرَق" الذي وصفُوا به يوسف. فقال بعضهم: كان صنمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاء على الطريق. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٠٠- حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال، حدثنا الفيض بن الفضل قال، حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، قال: سرق يوسف صَنَمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاه في الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك. ١٩٦٠١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فقد سرق أخ له من قبل﴾ ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبي أمه، فعيَّروه بذلك. ١٩٦٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ : أرادوا بذلك عيبَ نبيّ الله يوسف. وسرقته التي عابوه بها، صنم كان لجده أبي أمه، فأخذه، إنما أراد نبيُّ الله بذلك الخير، فعابوه. ١٩٦٠٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، قال: كانت أمّ يوسف أمرت يوسف يسرق صنمًا لخاله يعبده، وكانت مسلمةً. * * وقال آخرون في ذلك ما:- ١٩٦٠٤- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذْ نظرَ يوسف إلى عَرْق فخبأه، فعيّروه بذلك ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ . * * وقال آخرون في ذلك بما:- ١٩٦٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد أبي الحجاج قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء، فيما بلغني أن عَمَّته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها [صارت] منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختانها ممن وليها كان له سَلَمًا لا ينازع فيه، يصنع فيه ما شاء. وكان يعقوب حين وُلِد له يوسف، كان قد حضَنه عَمَّتَهُ فكان معها وإليها، فلم يحبَّ أحدٌ شيئًا من الأشياء حُبَّهَا إياه. حتى إذا ترعرع وبلغ سنواتٍ، ووقعت نفس يعقوب عليه، أتاها فقال، يا أخيَّة سلّمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة! قالت: فوالله ما أنا بتاركته، والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة! قال: فوالله ما أنا بتاركه! قالت: فدعه عندي أيامًا أنظرْ إليه وأسكن عنه، لعل ذلك يسلّيني عنه= أو كما قالت. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنْطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت مِنْطقة إسحاق، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتُمِسَتْ، ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت! فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لسَلَمٌ، أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك، فهو سَلَمٌ لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ . = قال ابن حميد. قال ابن إسحاق: لما رأى بنو يعقوب ما صنع إخْوة يوسف، ولم يشكُّوا أنه سرق، قالوا= أسفًا عليه، لما دخل عليهم في أنفسهم تأنيبًا له: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ . فلما سمعها يوسف قال: ﴿أنتم شر مكانًا﴾ ، سِرًّا في نفسه ﴿ولم يبدها لهم﴾ = ﴿والله أعلم بما تصفون﴾ . * * وقوله: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون﴾ ، يعني بقوله: ﴿فأسرها﴾ ، فأضمرها. * * وقال: ﴿فأسرها﴾ فأنث، لأنه عنى بها"الكلمة"، وهي:" ﴿أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون. ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزًا، كما قيل: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [سورة هود:٤٩] ، و ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ ، [سورة هود:١٠٠] * * وكنى عن"الكلمة". ولم يجر لها ذكر متقدِّم. والعرب تفعل ذلك كثيرًا، إذا كان مفهومًا المعنى المرادُ عند سامعي الكلام. وذلك نظير قول حاتم الطائي: أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بهَا الصَّدْرُ يريد: وضاق بالنفس الصدر= فكنى عنها ولم يجر لها ذكر، إذ كان في قوله:"إذا حشرَجَت يومًا"، دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله:"وضاق بها". ومنه قول الله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النحل:١١٠] ، فقال:"من بعدها"، ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٠٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ ، أما الذي أسرَّ في نفسه فقوله: ﴿أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون﴾ . ١٩٦٠٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون﴾ ، قال هذا القول. ١٩٦٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ ، يقول: أسرَّ في نفسه قوله: ﴿أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون﴾ . * * وقوله: ﴿والله أعلم بما تصفون﴾ ، يقول: والله أعلم بما تكذبون فيما تصفون به أخاه بنيامين. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٠٩- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون﴾ ، يقولون: يوسف يقوله. ١٩٦١٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٩٦١١- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٩٦١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿والله أعلم بما تصفون﴾ ، أي: بما تكذبون. * * قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال: أنتم شرّ عند الله منزلا ممن وصفتموه بأنه سرق، وأخبث مكانًا بما سلف من أفعالكم، والله عالم بكذبكم، وإن جهله كثيرٌ ممن حضرَ من الناس. * * وذكر أن الصّواع لما وُجد في رحل أخي يوسف تلاوَمَ القوم بينهم، كما:- ١٩٦١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم، وقالوا: يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصوع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية! وضَع هذا الصواع في رحلي، الذي وضع الدراهم في رحالكم! فقالوا: لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها! فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقرَ فيه، ثم أدناه من أذنه، ثم قال، إن صواعى هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه. فلما سمعها بنيامين، قام فسجد ليوسف، ثم قال، أيها الملك، سل صواعك هذا عن أخي، أحيٌّ هو؟ فنقره، ثم قال، هو حيٌّ، وسوف تراه. قال، فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني. قال، فدخل يوسف فبكى، ثم توضَّأ، ثم خرج فقال بنيامين: أيها الملك إني أريد أن تضرب صُواعك هذا فيخبرك بالحقّ، فسله من سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني مَنْ صاحبي، وقد رأيتَ مع من كنت؟ قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقُوا، فغضب روبيل، وقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمصر امرأةٌ حامل إلا ألقت ما في بطنها! وقامت كل شعرة في جسد رُوبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسَّه. وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه، فمر الغلام إلى جنبه فمسَّه، فذهب غضبه، فقال روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لبَزْرًا من بَزْر يعقوب! فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب، فإنه سَرِيُّ الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله. قال يوسف: أنت إذًا كنت صادقًا. - الآية ٧٨بلّغ عن خطأ
﴿ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت إخوه يوسف ليوسف: ﴿يأيها العزيز﴾ ، يا أيها الملك ﴿إن له أبًا شيخًا كبيرًا﴾ كلفًا بحبه، يعنون يعقوب= ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ ، يعنون فخذ أحدًا منّا بدلا من بنيامين، وخلِّ عنه = ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، يقول: إنا نراك من المحسنين في أفعالك. * * وقال محمد بن إسحاق في ذلك ما:- ١٩٦١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، إنا نرى ذلك منك إحسانا إن فعلتَ. - الآية ٧٩بلّغ عن خطأ
﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) ﴾ قال أبو جعفر:- يقول تعالى ذكره: قال يوسف لإخوته: ﴿معاذ الله﴾ ، أعوذ بالله. * * وكذلك تفعل العرب في كل مصدر وضعته موضع"يفعل" و"تفعل"، فإنها تنصب، كقولهم:"حمدًا لله، وشكرًا له" بمعنى: أحمد الله وأشكره. * * والعرب تقول في ذلك:"معاذَ الله"، و"معاذةَ الله" فتدخل فيه هاء التأنيث. كما يقولون:"ما أحسن معناة هذا الكلام" = و"عوذ الله"، و"عوذة الله"، و"عياذ الله". ويقولون: اللهم عائذًا بك، كأنه قيل:"أعوذ بك عائذا"، أو أدعوك عائذًا. * * = ﴿أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده﴾ يقول: أستجير بالله من أن نأخذ بريئًا بسقيم، كما:- ١٩٦١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون﴾ ، يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده إنَّا إذًا نفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس. ١٩٦١٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون﴾ ، قال يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرئوه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى يعلمَ أنّ في أرض مصر صدِّيقين مثلَه. - الآية ٨٠بلّغ عن خطأ
﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ﴾ قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك. * * وقوله ﴿استيأسوا﴾ ،"استفعلوا"، من:"يئس الرجل من كذا ييأس"، كما:- ١٩٦١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره. * * وقوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ ، يقول بعضهم لبعض يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم. * * و"النجيّ"، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال:"رجل عدل، ورجال عدل"، و"قوم زَوْر، وفِطْر". وهو مصدر من قول القائل:"نجوت فلانا أنجوه نجيًّا"، جعل صفة ونعتًا. ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا، قول الله تعالى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [سورة مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في هذا الموضع: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ فوصف به الجماعة، ويجمع"النجيّ" أنجية، كما قال لبيد: وَشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفَاقَةِ عَاليًا ... كَعْبي وَأَرْدَافُ المُلُوكِ شُهُودُ وقد يقال للجماعة من الرجال:"نَجْوَى" كما قال جل ثناؤه: ﴿وإذْ هُمْ نَجْوَ ى﴾ [سورة الإسراء: ٤٧] وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ [سورة المجادلة: ٧] وهم القوم الذين يتناجون. وتكون" النجوى" أيضا مصدرًا، كما قال الله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة المجادلة: ١٠] تقول منه": نجوت أنجو نجوى" فهي في هذا الموضع، المناجاة نفسها، ومنه قول الشاعر بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ ... فَكُنْ عِنْدَ سرّكَ خَبَّ النَّجِيّ فـ"النجوى" و"النجي"، في هذا البيت بمعنى واحد، وهو المناجاة، وقد جمع بين اللغتين. * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَلَوْا بينهم نجيًّا، يتناجون بينهم. ١٩٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ خلصوا وحدهم نجيًّا. ١٩٦٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ : أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟ * * وقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ اختلف أهل العلم في المعنيِّ بذلك. فقال بعضهم: عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون. قالوا: وكان روبيل أكبر منه في الميلاد. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿قال كبيرهم﴾ قال: هو شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه=أو: أكبر منهم= في الميلاد، روبيل. ١٩٦٢٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾ :، شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه في الميلاد روبيل. ١٩٦٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٩٦٢٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾ ، قال: شمعون الذي تخلف، وأكبرهم في الميلاد روبيل. * * وقال آخرون: بل عنى به كبيرهم في السن، وهو روبيل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾ ، وهو روبيل، أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله. ١٩٦٢٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾ ، قال: روبيل، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه. ١٩٦٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿قال كبيرهم﴾ في العلم = ﴿إن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض﴾ ، الآية، فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبرَ، فبكى وقال: يا بنيّ ما تذهبون مرَّة إلا نقصتم واحدًا! ذهبتم مرة فنقصتم يوسف، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن فنقصتُم روبيل! ١٩٦٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ قال: ماذا ترون؟ فقال روبيل كما ذكر لي، وكان كبير القوم: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ ،الآية. * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم:"فلان كبير القوم"، مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا:"هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت. وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون= وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسةٌ وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا": روبيل كان أكبر القوم سنًّا"، فصح بذلك القول الذي اخترناه. * * وقوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله،﴾ يقول: ألم تعلموا، أيها القوم؛ أنَّ أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه: لنأتينه به جميعا، إلا أن يحاط بكم= ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ ، ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ = وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه، كانت"ما"حينئذ في موضع نصب. وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ خبرا مبتدأ، ويكون قوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله﴾ خبرًا متناهيًا فتكون"ما"حينئذ في موضع رفع، كأنه قيل:"ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف"= فتكون"ما" مرفوعة بـ"من"قبلُ. هذا ويجوز أن تكون"ما"التي هي صلة في الكلام، فيكون تأويل الكلام: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف. * * وقوله: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها، وهي مصر فأفارقها= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ بالخروج منها، كما:- ١٩٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها اليوم= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ ، بالخروج منها. ١٩٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قال شمعون: ﴿لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ . * * وقوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾ ، أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج= ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس. * * وكان أبو صالح يقول في ذلك بما:- ١٩٦٣١ - حدثني الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي،﴾ قال: بالسيف. * * =وكأنَّ أبا صالح وجّه تأويل قوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾ ، إلى: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه. - الآية ٨١بلّغ عن خطأ
﴿ ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل روبيل لإخوته، حين أخذ يوسف أخاه بالصواع الذي استخرج من وعائه: ارجعوا، إخوتي، إلى أبيكم يعقوب فقولوا له يا أبانا إن ابنك بنيامين سرق) . * * والقرأة على قراءة هذا الحرف بفتح السين والراء والتخفيف: ﴿إن ابنك سرق﴾ . * * ورُوي عن ابن عباس:"إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ"بضم السين وتشديد الراء، على وجه ما لم يسمَّ فاعله، بمعنى: أنه سَرَق= ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ . * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا بأن ذلك كذلك، لأن صواع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ارجعوا إلى أبيكم﴾ فإني ما كنت راجعًا حتى يأتيني أمرُه= ﴿فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ ، أي: قد وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر لا علم لنا بالغيب= ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ . * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال لهم يعقوب عليه السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم! فقالوا: ﴿ما شهدنا إلا بما علمنا﴾ ، لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذلك الذي علمنا. قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا فيسترقّ. * * وقوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ ، يقول: وما كنا نرى أن ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا ﴿ونحفظ أخانا﴾ مما لنا إلى حفظه منه السبيل. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٣٤ - حدثنا الحسين بن الحريث أبو عمار المروزي. قال، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ . قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق. ١٩٦٣٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ ، لم نشعر أنه سيسرق. ١٩٦٣٦- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: لم نشعر أنه سيسرق. ١٩٦٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: لم نشعر أنه سيسرق. ١٩٦٣٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد= وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: (وما كنا للغيب حافظين) قال: ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق. ١٩٦٣٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: ما كنا نرى أنه سيسرق. ١٩٦٤٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى. قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ ، قال: ما كنا نظن أن ابنك يسرق. * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب عندنا في قوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ قولُ من قال: وما شهدنا بأن ابنك سرق إلا بما علمنا من رؤيتنا للصواع في وعائه= لأنه عَقيِب قوله: ﴿إن ابنك سرق﴾ ؛ فهو بأن يكون خبرًا عن شهادتهم بذلك، أولى من أن يكون خبرًا عما هو منفصل. * * وذكر أن"الغيب"، في لغة حمير، هو الليل بعينه. - الآية ٨٢بلّغ عن خطأ
﴿ وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) ﴾ قال أبو جعفر: يقول: وإن كنتَ مُتَّهمًا لنا، لا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق: ﴿فاسأل القرية التي كنا فيها﴾ ، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها= ﴿والعير التي أقبلنا فيها﴾ ، وهي القافلة التي كنا فيها، التي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقِهِ، فإنك تَخْبُر مصداق ذلك = ﴿وإنّا لصادقون﴾ فيما أخبرناك من خبره. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ ، وهي مصر. ١٩٦٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ قال: يعنون مصر. ١٩٦٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قد عرف رُوبيل في رَجْع قوله لإخوته، أنهم أهلُ تُهمةٍ عند أبيهم، لما كانوا صنعوا في يوسف. وقولهم له: ﴿اسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾ ، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا= ﴿وإنا لصادقون﴾ . - الآية ٨٣بلّغ عن خطأ
﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) ﴾ قال أبو جعفر: في الكلام متروك، وهو: فرجع إخوة بنيامين إلى أبيهم، وتخلف روبيل، فأخبروه خبره، فلما أخبروه أنه سرق قال= ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا﴾ ، يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به وأردتموه ﴿فصبر جميل﴾ ، يقول: فصبري على ما نالني من فقد ولدي، صبرٌ جميل لا جزع فيه ولا شكاية = عسى الله أن يأتيني بأولادي جميعًا فيردّهم عليّ= ﴿إنه هو العليم﴾ ، بوحدتي، وبفقدهم وحزني عليهم، وصِدْقِ ما يقولون من كذبه = ﴿الحكيم﴾ ، في تدبيره خلقه . * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٩٦٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل﴾ ، يقول: زينت = وقوله: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا﴾ يقول: بيوسف وأخيه وروبيل. ١٩٦٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما جاءوا بذلك إلى يعقوب، يعني بقول روبيل لهم، اتَّهمهم وظن أن ذلك كفعلتهم بيوسف، ثم قال: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ أي: بيوسف وأخيه وروبيل. - الآية ٨٤بلّغ عن خطأ
﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) ﴾ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره، بقوله: ﴿وتولى عنهم﴾ ، وأعرض عنهم يعقوب = ﴿وقال يا أسفا على يوسف﴾ ، يعني: يا حَزَنا عليه. * * يقال: إن"الأسف" هو أشدُّ الحزن والتندم. يقال منه": أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا". * * يقول الله جل ثناؤه: وابيضَّت عينا يعقوب من الحزن= ﴿فهو كظيم﴾ ، يقول: فهو مكظوم على الحزن، يعني أنه مملوء منه، مُمْسِك عليه لا يُبينه. * * = صُرِف"المفعول" منه إلى"فعيل"، ومنه قوله: ﴿والكَاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٤] ، وقد بينا معناه بشواهده فيما مضى. * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: ﴿وقال يا أسفا على يوسف﴾ : ١٩٦٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وتولى عنهم﴾ ، أعرض عنهم، وتتَامَّ حزنه، وبلغ مجهودَه، حين لحق بيوسف أخوه، وهيَّج عليه حزنه على يوسف، فقال: ﴿يا أسَفَا على يوسف وابيضَّت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ . ١٩٦٤٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفَا على يوسف﴾ ، يقول: يا حزني على يوسف. ١٩٦٤٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء=، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، يا حَزَنَا. ١٩٦٤٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، يا جزعاه. ١٩٦٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، يا جَزَعاه حزنًا. ١٩٦٥٠- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، يا جَزَعَا. ١٩٦٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ أي: حَزَناه. ١٩٦٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يا أسفَا على يوسف﴾ ، قال: يا حزناه على يوسف. ١٩٦٥٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن قتادة، نحوه. ١٩٦٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿وقال يا أسفا على يوسف﴾ ..... ١٩٦٥٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن أبي حجيرة، عن الضحاك: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، قال: يا حَزَنَا على يوسف. ١٩٦٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿يا أسفَا﴾ ، يا حَزَنَاه. ١٩٦٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿يا أسفا﴾ يا حزنا= ﴿على يوسف﴾ . ١٩٦٥٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير قال: لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب: ﴿يا أسفَا على يوسف﴾ ؟ ١٩٦٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن سعيد بن جبير، نحوه. * * ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ . ١٩٦٦٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: كظيم الحزن. ١٩٦٦١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: كظيم الحزن. ١٩٦٦٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. ١٩٦٦٣- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: الحزن. ١٩٦٦٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فهو كظيم﴾ ، مكمود. ١٩٦٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: كظيمٌ على الحزن. ١٩٦٦٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال:"الكظيم"، الكميد. ١٩٦٦٧- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: كميد. ١٩٦٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿كظيم﴾ ، قال: كميد. ١٩٦٦٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وابيضت عيناه من الحرن فهو كظيم﴾ ، يقول: تردَّدَ حُزْنُه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء. ١٩٦٧٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فهو كظيم﴾ ، قال: كظيم على الحزن، فلم يقل بأسًا. ١٩٦٧١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا الحسين بن الحسن قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ قال: كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا. ١٩٦٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن يزيد بن زريع، عن عطاء الخراساني: ﴿فهو كظيم،﴾ قال: مكروب. ١٩٦٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدى: ﴿فهو كظيم﴾ قال: من الغيظ. ١٩٦٧٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ ، قال:"الكظيم" الذي لا يتكَّلم، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلِّمهم.
تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.