سورة يوسف

مكية • ١١١ آية • تبدأ في الصفحة ٢٣٥

الجزء ١ من ٣التالي
  1. الآيات ١–٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ (١) إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ (٣) ﴾

    المجلد الرابع من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرب المنان لجامعه الفقير إلى ربه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين وهي مكية {1} يخبر تعالى أن آيات القرآن هي {آياتُ الكتاب المُبين}؛ أي: البيِّن الواضحة ألفاظه ومعانيه. {2} ومن بيانه وإيضاحه أنَّه أنزله باللسان العربيِّ، أشرف الألسنة وأبينها، المبين لكلِّ ما يحتاجه الناس من الحقائق النافعة، وكلُّ هذا الإيضاح والتبيين {لعلَّكم تعقِلون}؛ أي: لتعقلوا حدوده وأصوله وفروعه وأوامره ونواهيه؛ فإذا عَقَلْتم ذلك بإيقانكم، واتَّصفت قلوبُكم بمعرفتها؛ أثمر ذلك عمل الجوارح والانقياد إليه، و {لعلَّكم تعقلون}؛ أي: تزداد عقولكم بتكرُّر المعاني الشريفة العالية على أذهانكم، فتنتقلون من حال إلى أحوال أعلى منها وأكمل. {3}{نحن نقصُّ عليك أحسن القصص}؛ وذلك لصدقها وسلاسة عبارتها ورَوْنق معانيها، {بما أوحَيۡنا إليك هذا القرآن}؛ أي: بما اشتمل عليه هذا القرآن الذي أوحَيْناه إليك وفضَّلناك به على سائر الأنبياء، وذاك محضُ منَّة من الله وإحسان. {وإن كنتَ من قبلِهِ لمن الغافلين}؛ أي: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي الله إليك، ولكنْ جَعَلْناه نوراً نهدي به مَن نشاءُ مِن عبادنا. ولما مدح ما اشتمل عليه هذا القرآن من القصص وأنها أحسن القصص على الإطلاق؛ فلا يوجد من القصص في شيء من الكتب مثل هذا القرآن؛ ذكر قصة يوسف وأبيه وإخوته، القصة العجيبة الحسنة فقال: واعلم أن الله ذكر أنه يقصُّ على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة، وبسطها وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامَّة كاملة حسنةٌ؛ فمَنْ أراد أن يكمِّلَها أو يحسِّنها بما يُذكر في الإسرائيليات التي لا يُعْرَفُ لها سندٌ ولا ناقلٌ، وأغلبُها كَذِبٌ؛ فهو مستدرِكٌ على الله، ومكمِّلٌ لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبُك بأمر ينتهي إلى هذا الحدِّ قبحاً؛ فإنَّ تضاعيف هذه السورة قد مُلِئَتْ في كثير من التفاسير من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصَّه الله تعالى بشيء كثيرٍ؛ فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصَّه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقل.
  2. الآيات ٤–٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ (٤) قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٥) وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ (٦) ﴾

    {4} فقوله تعالى: {إذ قال يوسُفُ لأبيه}: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، {يا أبتِ إنِّي رأيتُ أحد عشر كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين}: فكانت هذه الرؤيا مقدِّمة لما وصل إليه يوسفُ عليه السلام من الارتفاع في الدُّنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمراً من الأمور العظام؛ قدَّم بين يديه مقدِّمة توطئةً له وتسهيلاً لأمره، واستعداداً لما يَرِدُ على العبد من المشاق، ولطفاً بعبده وإحساناً إليه فأوَّلَها يعقوب بأن الشمسَ أمُّه والقمرَ أبوه والكواكبَ إخوتُه، وأنَّه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له ويسجُدون له إكراماً وإعظاماً، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدَّمه من اجتباء الله له واصطفائه له وإتمام نعمتِهِ عليه بالعلم والعمل والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب الذين سجدوا له، وصاروا تَبَعاً له فيها. {6} ولهذا قال: {وكذلك يَجۡتبيك ربُّك}؛ أي: يصطفيك ويختارك بما منَّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، {ويعلِّمُكَ من تأويل الأحاديث}؛ أي: من تعبير الرؤيا وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة كالكتب السماوية ونحوها، {ويتمُّ نعمَته عليك}: في الدنيا والآخرة؛ بأنْ يُؤتيك في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، {كما أتمَّها على أبويك من قبلُ إبراهيم وإسحاق}: حيث أنعم الله عليهما بنعم عظيمةٍ واسعةٍ دينيَّة ودنيويَّة. {إنَّ ربَّك عليمٌ حكيمٌ}؛ أي: عِلمه محيطٌ بالأشياء وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البرِّ وغيره، فيعطي كلاًّ ما تقتضيه حكمته وحمده؛ فإنَّه حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. {5} ولما تمَّ تعبيرُها ليوسف؛ قال له أبوه:{يا بنيَّ لا تَقۡصُصۡ رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً}؛ أي: حسداً من عند أنفسهم؛ بأن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم. {إنَّ الشيطانَ للإنسان عدوٌّ مبينٌ}: لا يفتر عنه ليلاً ولا نهاراً ولا سرًّا ولا جهاراً؛ فالبعدُ عن الأسباب التي يتسلَّط بها على العبد أولى. فامتثل يوسفُ أمر أبيه، ولم يخبِرْ إخوته بذلك، بل كَتَمَها عنهم.
  3. الآيات ٧–٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ (٨) ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ (٩) ﴾

    {7} يقول تعالى: {لقدۡ كان في يوسُفَ وإخوتِهِ آياتٌ}؛ أي: عبر وأدلَّة على كثير من المطالب الحسنة، {للسائلين}؛ أي: لكلِّ من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإنَّ السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرِضون؛ فلا ينتفعون بالآيات ولا بالقصص والبيِّنات. {8}{إذ قالوا}: فيما بينهم: {لَيوسُفُ وأخوه}: بنيامينُ؛ أي: شقيقه، وإلاَّ فكلُّهم إخوةٌ، {أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبةٌ}؛ أي: جماعة، فكيف يفضلهما [علينا] بالمحبة والشفقة. {إنَّ أبانا لفي ضلال مبين}؛ أي: لفي خطأٍ بيِّن حيث فضَّلهما علينا من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده. {9}{اقتُلوا يوسفَ أو اطرحوه أرضاً}؛ أي: غيِّبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكَّن من رؤيته فيها؛ فإنكم إذا فعلتُم أحد هذين الأمرين؛ {يَخۡلُ لكم وجهُ أبيكم}؛ أي: يتفرَّغ لكم، ويُقْبِلُ عليكم بالشفقة والمحبَّة؛ فإنَّه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلاً لا يتفرَّغ لكم. {وتكونوا من بعده}؛ أي: من بعد هذا الصنيع قوماً صالحين؛ أي: تتوبون إلى الله وتستغفرونه من بعد ذنبكم، فقدَّموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم؛ تسهيلاً لفعله، وإزالةً لشناعته، وتنشيطاً من بعضهم لبعض.
  4. الآية ١٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ ﴾

    {10} أي: {قال قائلٌ}: من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: {لا تقتُلوا يوسُفَ}: فإنَّ قتله أعظمُ إثماً وأشنعُ، والمقصود يحصُلُ بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصَّلوا إلى تبعيده بأن تلقوه {في غَيابَةِ الجُبِّ}: وتتوعَّدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنَّه عبدٌ مملوك آبقٌ [منكم] لأجل أن يلتقِطَه {بعضُ السيَّارة}: الذين يريدون مكاناً بعيداً فيحتفظون فيه، وهذا القائل أحسنهم رأياً في يوسف وأبرُّهم وأتقاهم في هذه القضية؛ فإنَّ بعضَ الشرِّ أهونُ من بعض، والضرر الخفيف يُدفع به الضررُ الثقيل. فلما اتفقوا على هذا الرأي:
  5. الآيات ١١–١٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ (١٣) قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ (١٤) ﴾

    {11} أي: قال إخوة يوسف متوصِّلين إلى مقصدهم لأبيهم: {يا أبانا ما لكَ لا تأمَنَّا على يوسُفَ وإنَّا له لناصحونَ}؛ أي: لأيِّ شيءٍ يَدْخُلُكَ الخوفُ منَّا على يوسف من غير سبب ولا موجب، والحال أنَّا {له لناصحونَ}؛ أي: مشفقون عليه نودُّ له ما نودُّ لأنفسنا. وهذا يدلُّ على أن يعقوب عليه السلام لا يترك يوسُفَ يذهب مع إخوته للبريَّة ونحوها. {12} فلما نَفَوا عن أنفسهم التُّهمة المانعة لعدم إرساله معهم؛ ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه الذي يحبُّه أبوه له ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا:{أرسِلۡه معنا غداً يَرۡتَعۡ ويلعبۡ}؛ أي: يتنزَّه في البريَّة ويستأنس، {وإنَّا له لحافظون}؛ أي: سنراعيه، ونحفظه من أذى يريده. {13} فأجابهم بقوله: {إنِّي ليحزُنُني أن تذهبوا به}؛ أي:مجرَّد ذهابكم به يحزنني ويشقُّ عليَّ؛ لأنني لا أقدر على فراقه، ولو مدة يسيرة؛ فهذا مانع من إرساله.{و} مانعٌ ثانٍ، وهو أني {أخاف أن يأكله الذئب وأنتُم عنه غافلون}؛ أي: في حال غفلتكم عنه؛ لأنه صغيرٌ لا يمتنع من الذئب. {14}{قالوا لئنۡ أكلَهُ الذئبُ ونحن عصبةٌ}؛ أي: جماعة حريصون على حفظه؛ {إنَّا إذاً لخاسرون}؛ أي: لا خير فينا ولا نفع يُرجى منَّا إن أكله الذئب وغلبنا عليه. فلما مهَّدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله وعدم الموانع؛ سَمَحَ حينئذ بإرساله معهم لأجل أنسه.
  6. الآيات ١٥–١٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ (١٧) وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (١٨) ﴾

    {15} أي: لما ذهب إخوةُ يوسف بيوسف بعدما أذن له أبوه، وعزموا أن يجعلوه في غيابة الجبِّ كما قال قائلُهم السابقُ ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجبِّ، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو بتلك الحال الحرجة:{لَتُنَبِّئَنَّهُم بأمرِهِم هذا وهم لا يشعُرونَ}؛ أي: سيكون منك معاتبة لهم وإخبارٌ عن أمرهم هذا وهم لا يشعرون بذلك الأمر. ففيه بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العزِّ والتمكين له في الأرض. {16}{وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون}: ليكون إتيانُهم متأخِّراً عن عادتهم، وبكاؤهم دليلاً لهم وقرينة على صدقهم. {17} فقالوا متعذرين بعذرٍ كاذب: {يا أبانا إنَّا ذهبنا نَسۡتَبِقُ}: إما على الأقدام أو بالرمي والنضال، {وتركۡنا يوسف عند متاعنا}: توفيراً له وراحة، {فأكله الذئبُ}: في حال غيبتنا عنه واستباقنا. {وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو كنَّا صادقينَ}؛ أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا؛ لما في قلبك من الحزن على يوسف والرقة الشديدة عليه، ولكن عدم تصديقك إيَّانا لا يمنعُنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي. وكلُّ هذا تأكيدٌ لعذرهم. {18}{و} مما أكَّدوا به قولهم أنهم: {جاؤوا على قميصه بدم كذبٍ}: زعموا أنَّه دمُ يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدِّقْهم أبوهم بذلك، و {قال بل سوَّلت لكم أنفسُكم أمراً}؛ أي: زينت لكم أنفسكم أمراً قبيحاً في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه ما دلَّه على ما قال. {فصبرٌ جميلٌ والله المستعانُ على ما تصفونَ}؛ أي: أمَّا أنا؛ فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبراً جميلاً سالماً من السخط والتشكي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر، وشكا إلى خالقه في قوله:{إنَّما أشكو بثِّي وحُزۡني إلى الله}: لأنَّ الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل؛ لأنَّ النبيَّ إذا وعد وفى.
  7. الآيات ١٩–٢٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ (٢٠) ﴾

    {19} أي: مكث يوسف في الجبِّ ما مكث، حتى {جاءت سيَّارةٌ}؛ أي: قافلة تريد مصر، {فأرسلوا وارِدَهم}؛ أي: فرطهم ومقدَّمهم الذي يعسُّ لهم المياه ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، {فأدلى}: ذلك الواردُ {دَلۡوَهُ}: فتعلَّق فيه يوسف عليه السلام وخرج، فقال:{يا بُشرى هذا غلامٌ}؛ أي: استبشر وقال: هذا غلامٌ نفيسٌ، {وأسَرُّوه بضاعةً}. {20} وكان إخوته قريباً منه، فاشتراه السيارةُ منهم {بثمنٍ بخسٍ}؛ أي: قليل جدًّا، فسَّره بقوله:{دراهمَ معدودةٍ وكانوا فيه من الزَّاهدينَ}: لأنه لم يكن لهم قصدٌ إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصدٌ في أخذ ثمنه. والمعنى في هذا أنَّ السيارة لما وجدوه؛ عزموا أن يُسِرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته، فزعموا أنَّه عبدٌ أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهربَ. والله أعلم.
  8. الآية ٢١بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

    {21} أي: لما ذهب به السيارةُ إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيزُ مصر، فلما اشتراه؛ أعجبَ به ووصَّى عليه امرأتَه وقال:{أكرِمي مثواه عسى أن يَنفَعَنا أو نتَّخِذَه ولداَ}؛ أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعلَّ ذلك أنَّه لم يكن لهما ولدٌ. {وكذلك مكَّنَّا ليوسفَ في الأرض}؛ أي: كما يسَّرْنا أنْ يشترِيَه عزيز مصر ويكرِمَه هذا الإكرام؛ جَعَلْنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق. {ولِنُعَلِّمَهُ من تأويل الأحاديث}: إذا بقي لا شغل له ولا همَّ له سوى العلم؛ صار ذلك من أسباب تعلُّمه علماً كثيراً من علم الأحكام وعلم التعبير وغير ذلك. {والله غالبٌ على أمرِهِ}؛ أي: أمره تعالى نافذٌ لا يبطله مبطلٌ ولا يغلبه مغالبٌ. {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: فلذلك يجري منهم، ويصدُرُ ما يصدُرُ في مغالبة أحكام الله القدريَّة، وهم أعجز وأضعف من ذلك.
  9. الآية ٢٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾

    {22} أي: {لما بلغ} يوسف {أشُدَّه}؛ أي: كمال قوته المعنويَّة والحسيَّة وصَلَحَ لأن يتحمَّل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة؛ {آتَيۡناه حكماً وعلماً}؛ أي: جعلناه نبيًّا رسولاً وعالماً ربانيًّا. {وكذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الخالق ببذل الجهد والنُّصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم؛ نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علماً نافعاً. ودلَّ هذا على أن يوسف وَفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس والعلم الكثير والنبوة. هذه المحنة العظيمة أعظمُ على يوسفَ من محنة إخوته وصبره عليها، أعظمُ أجراً لأنه صبرُ اختيارٍ مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدَّم محبَّة الله عليها، وأمّا محنته بإخوته؛ فصبره صبر اضطرار؛ بمنزلة الأمراض والمكاره التي تُصيب العبد بغير اختياره، وليس له ملجأ إلاَّ الصبر عليها طائعاً أو كارهاً.
  10. الآيات ٢٣–٢٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٥) قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ (٢٩) ﴾

    {23 ـ 24} وذلك أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرَّماً في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك أن {راوَدَتۡه التي هو في بيتها عن نفسه}؛ أي: هو غلامها وتحت تدبيرها والمسكن واحدٌ يتيسَّر إيقاع الأمر المكروه من غير شعور أحدٍ ولا إحساس بشرٍ. {و} زادتِ المصيبةُ بأن {غَلَّقَتِ الأبوابَ}: وصار المحلُّ خالياً، وهما آمنان من دخول أحدٍ عليهما بسبب تغليق الأبواب. وقد دعتْه إلى نفسها، فقالتْ:{هَيۡتَ لك}؛ أي: افعل الأمر المكروه وأقبلْ إليَّ! ومع هذا؛ فهو غريبٌ لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسيرٌ تحت يدها، وهي سيدتُه، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شابٌّ عَزَبٌ، وقد توعدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم، فصبر عن معصية الله مع وجود الداعي القويِّ فيه؛ لأنَّه قد همَّ فيها همًّا تَرَكَهُ لله، وقدَّم مراد الله على مراد النفس الأمَّارة بالسوء، ورأى من برهان ربِّه ـ وهو ما معه من العلم والإيمان الموجب لِتَرْكِ كلِّ ما حرَّم الله ـ ما أوجب له البعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، و {قال معاذَ الله}؛ أي: أعوذ باللَّه أن أفعل هذا الفعلَ القبيح؛ لأنَّه مما يُسْخِطُ الله ويُبْعِدُ عنه، ولأنَّه خيانةٌ في حقِّ سيِّدي الذي أكرم مثواي؛ فلا يَليقُ بي أن أقابِلَه في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظُّلم، والظالم لا يفلحُ. والحاصل أنَّه جعل الموانع له من هذا الفعل: تَقْوى الله، ومراعاة حقِّ سيِّده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظُّلم الذي لا يفلح مَن تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه يقتضي منه امتثالَ الأوامر واجتنابَ الزواجر، والجامعُ لذلك كلِّه أنَّ الله صرف عنه السوءَ والفحشاءَ؛ لأنَّه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم واختصَّهم لنفسه، وأسدى عليهم من النِّعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه. {25} ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة؛ ذهب ليهربَ منها ويبادِرَ إلى الخروج من الباب ليتخلَّص ويهرب من الفتنة، فبادرتْه إليه وتعلَّقت بثوبِهِ، فشقَّت قميصَه، فلمَّا وصلا إلى الباب في تلك الحال؛ ألْفَيا سيِّدَها ـ أي: زوجها ـ لدى الباب، فرأى أمراً شقَّ عليه، فبادرتْ إلى الكذب، وأن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت:{ما جزاءُ مَنۡ أراد بأهلك سوءاً}: ولم تقلْ: من فعل بأهلك سوءاً؛ تبرئةً لها وتبرئةً له أيضاً من الفعل، وإنما النِّزاع عند الإرادة والمراودة، {إلاَّ أن يُسۡجَنَ أو عذابٌ أليم}؛ أي: أو يعذَّب عذاباً أليماً. {26} فبرَّأ نفسه مما رمته به، و {قال هي راوَدَتۡني عن نفسي}: فحينئذٍ احتملتِ الحالُ صدقَ كلِّ واحد منهما، ولم يعلم أيهما، ولكنَّ الله تعالى جعل للحقِّ والصدق علاماتٍ وأماراتٍ تدلُّ عليه، قد يعلَمُها العبادُ وقد لا يعلمونَها؛ فمنَّ الله [تعالى] في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما تبرئةً لنبيِّه وصفيِّه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهدُ بقرينةٍ مَنْ وجدت معه فهو الصادق، فقال:{إن كان قميصُهُ قُدَّ من قُبُل فصَدَقَتۡ وهو من الكاذبين}؛ لأن ذلك يدلُّ على أنه هو المقبل عليها المراوِدُ لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقَّت قميصه من هذا الجانب. {27}{وإن كان قميصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فكذبتۡ وهو من الصادقين}: لأنَّ ذلك يدلُّ على هروبه منها؛ وأنَّها هي التي طلبتْه، فشقَّت قميصَه من هذا الجانب. {28}{فلما رأى قميصَه قُدَّ من دُبُرٍ}: عَرَفَ بذلك صدق يوسف وبراءته وأنَّها هي الكاذبة، فقال لها سيدها:{إنَّه مِن كيدِكُنَّ إنَّ كَيۡدَكُنَّ عظيمٌ}: وهل أعظم من هذا الكيد الذي برَّأت به نفسها ممَّا أرادتْ وفعلتْ ورمتْ به نبيَّ الله يوسف عليه السلام؟! {29} ثم إنَّ سيدَها لما تحقَّق الأمر؛ قال ليوسف:{يوسُفُ أعرِضۡ عن هذا}؛ أي: اترك الكلام فيه وتناسَهُ ولا تذكُره لأحدٍ طلباً للستر على أهله. {واستغفِري}: أيتها المرأة، {لذنبِكِ إنَّك كنتِ من الخاطئين}: فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفارِ والتوبة.
  11. الآيات ٣٠–٣٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ (٣١) قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ (٣٣) فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ (٣٥) ﴾

    {30} يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدَّث به النسوة، فجعلن يَلُمْنها ويَقُلْنَ:{امرأةُ العزيز تراوِدُ فتاها عن نفسه قد شغفها حبًّا}؛ أي: هذا أمرٌ مستقبَحٌ! هي امرأةٌ كبيرةُ القدر وزوجها كبيرُ القدر ومع هذا لم تزلْ تراوِدُ فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا؛ فإنَّ حبَّه قد بلغ من قلبها مبلغاً عظيماً. {قد شَغَفَها حبًّا}؛ أي: وصل حبُّه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب. {إنَّا لنراها في ضلال مبينٍ}: حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا ينبغي منها، وهي حالة تحطُّ قدرها وتضعه عند الناس. {31} وكان هذا القول منهنَّ مكراً ليس المقصودُ به مجردَ اللَّوم لها والقدح فيها، وإنَّما أرَدْنَ أن يتوصَّلْن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فُتِنَتْ به امرأة العزيز لتَحْنَقَ امرأةُ العزيز وتريهنَّ إيَّاه ليعذِرْنها، ولهذا سمَّاه مكراً، فقال:{فلما سمعتۡ بمكرِهِنَّ أرسلت إليهنَّ}: تدعوهنَّ إلى منزلها للضيافة، {وأعتدتۡ لهن متَّكأ}؛ أي: محلاًّ مهيئاً بأنواع الفرش والوسائد وما يُقصد بذلك من المآكل اللَّذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعامٌ يحتاجُ إلى سكينٍ: إمَّا أُترُجٌّ أو غيره. {وآتت كلَّ واحدة منهنَّ سكِّيناً}: ليقطِّعْن فيها ذلك الطعام، {وقالتۡ} ليوسفَ: {اخرجۡ عليهنَّ }: في حالة جماله وبهائه، {فلما رأيۡنَهُ أكۡبَرۡنَهُ}؛ أي: أعظمنه في صدورهنَّ ورأين منظراً فائقاً لم يشاهِدْنَ مثله؛ {وقطَّعۡن}: من الدَّهَش {أيدِيَهُنَّ}: بتلك السكاكين اللاتي معهن، {وقلنَ حاش لله}؛ أي: تنزيهاً لله، {ما هذا بشراً إنۡ هذا إلاَّ مَلَكٌ كريمٌ}: وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آيةً للناظرين وعبرةً للمتأملين. {32} فلما تقرَّر عندهنَّ جمالُ يوسف الظاهر، وأعجبهنَّ غايةً، وظهر منهنَّ من العذر لامرأة العزيز شيءٌ كثيرٌ؛ أرادت أن تُرِيَهُنَّ جماله الباطن بالعفة التامَّة، فقالت معلنة لذلك ومبيِّنة لحبِّه الشديد غير مبالية ولأن اللَّوم انقطع عنها من النسوة:{ولقد راودتُه عن نفسه فاستعصمَ}؛ أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم تزدها مرور الأوقات إلاَّ محبَّةً وشوقاً وقلقاً لوصاله وتوقاً، ولهذا قالت له بحضرتهنَّ:{ولئن لم يفعلۡ ما آمرُهُ ليسجننَّ وليكونًا من الصَّاغرينَ}: لتلجِئَه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه. {33} فعند ذلك اعتصم يوسف بربِّه، واستعان به على كيدهِنَّ و {قال ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه}: وهذا يدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرْن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يَكِدْنَه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّة حاضرة توجب العذاب الشديد. {وإلاَّ تصرِفۡ عنِّي كيدَهُنَّ أصبُ إليهنَّ}؛ أي: أَمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفعْ عنِّي السوء؛ صبوتُ إليهنَّ، {وأكن من الجاهلينَ}: فإنَّ هذا جهلٌ؛ لأنَّه آثر لذَّة قليلة منغَّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَنْ آثر هذا على هذا؛ فمن أجهلُ منه؟! فإنَّ العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثِرُ ما كان محمودَ العاقبة. {34}{فاستجابَ له ربُّه}: حين دعاه، {فصرف عنه كَيۡدَهُنَّ}: فلم تزلْ تراوِدُه وتستعين عليه بما تقدِرُ عليه من الوسائل حتى أيَّسَها وصَرَفَ الله عنه كيدها. {إنَّه هو السميع}: لدعاء الداعي، {العليمُ}: بنيَّته الصالحة وبنيَّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولطفه، فهذا ما نجَّى اللهُ به يوسفَ من هذه الفتنة الملمَّة والمحنة الشديدة. {35} وأما أسيادُه؛ فإنَّه لما اشتهر الخبر وبان وصار الناس فيها بين عاذرٍ ولائم وقادح، {بدا لهم}؛ أي: ظهر لهم {من بعد ما رأوا الآيات}: الدالَّة على براءته، {لَيَسۡجُنُنَّه حتى حين}؛ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع؛ لم يزلْ يذكر، ويشاع مع وجود أسبابه؛ فإذا عدمت أسبابه؛ نُسِي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.
  12. الآيات ٣٦–٤١بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ (٣٧) وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) ﴾

    {36} أي: {و} لما دخل يوسف السجن؛ كان في جملة من {دخل معه السجنَ فتيانِ}؛ أي: شابان، فرأى كلُّ واحدٍ منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، {قال أحدُهما إني أراني أعصِرُ خمراً، وقال الآخرُ إنِّي أراني أحمل فوقَ رأسي خبزاً}: وذلك الخبز {تأكُلُ الطيرُ منه نبِّئۡنا بتأويلِهِ}؛ أي: بتفسيره وما يؤول إليه أمرهما. وقولهما:{إنا نراك من المحسنين}؛ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق؛ فأحسِنْ إلينا في تعبيرك لرؤيانا كما أحسنتَ إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه. {37} فَـ {قَالَ} لهما مجيباً لطلبهما: {لا يأتِيكما طعامٌ ترزقانِهِ إلاَّ نبأتُكما بتأويله قبلَ أن يأتيكما}؛ أي: فلتطمئنَّ قلوبُكما فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما أول ما يجيء إليكما؛ إلاَّ نبأتُكما بتأويله قبل أن يأتِيكما، ولعلَّ يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتُهما إليه؛ ليكون أنجعَ لدعوته وأقبل لهما. ثم قال:{ذلِكما}: التعبير الذي سأعبره لكما، {مما علَّمني ربي}؛ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به. وذلك {إنِّي تركتُ مِلَّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرونَ}: والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخُلْ فيه أصلاً؛ فلا يُقال: إنَّ يوسف كان من قبلُ على غير ملَّة إبراهيم. {38}{واتَّبعت مِلَّةَ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوبَ}: ثم فسَّر تلك الملة بقوله: {ما كان لنا}؛ [أي: ما ينبغي ولا يليق بنا]{أن نُشۡرِكَ بالله من شيءٍ}: بل نُفْرِدُ الله بالتوحيد ونُخْلِصُ له الدين والعبادة. {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس}؛ أي: هذا من أفضل [مننِه] وإحسانه وفضله علينا وعلى مَنْ هداه الله كما هدانا؛ فإنَّه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فمن قبله وانقاد له؛ فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النعم وأجلُّ الفضائل. {ولكنَّ أكثرَ الناس لا يشكرونَ}: فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان فلا يقبلونَها ولا يقومون لله بحقِّه. وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى؛ فإنَّ الفتيين لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال وأنه محسنٌ معلِّم؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلّها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتباع ملة آبائي ؛ فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تَسْلُكا ما سلكتُ. {39} ثم صرح لهما بالدعوة فقال: {يا صاحبي السجنِ أأربابٌ متفرِّقونَ خيرٌ أم الله الواحد القهار}؛ أي: أأربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضرُّ ولا تعطي ولا تمنع وهي متفرِّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتَّخذها المشركون، أتلك خيرٌ أم الله الذي له صفات الكمال الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله؟ فلا شريكَ له في شيء من ذلك، القهَّار الذي انقادت الأشياء لقهرِهِ وسلطانِهِ؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكنْ، ما من دابَّة إلاَّ هو آخذٌ بناصيتها. {40} ومن المعلوم أنَّ مَن هذا شأنه ووصفه خيرٌ من الآلهة المتفرِّقة التي هي مجرَّد أسماء لا كمال لها ولا فعال لديها، ولهذا قال:{ما تعبُدون من دونِهِ إلاَّ أسماءً سمَّيۡتُموها أنتم وآباؤكم}؛ أي: كسوتُموها أسماءً [و] سمَّيتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهيَّة شيء. {ما أنزل الله بها من سلطانٍ}: بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطاناً؛ لم يكنْ طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها. لأن الحكمَ {لله}: وحدَه؛ فهو الذي يأمُرُ وينهى ويشرِّعُ الشرائع ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم {أن لا تعبُدوا إلاَّ إيَّاه ذلك الدين القيِّمُ}؛ أي: المستقيم الموصل إلى كلِّ خير، وما سواه من الأديان؛ فإنَّها غير مستقيمة، بل معوجَّة توصل إلى كلِّ شرٍّ. {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمونَ}: حقائق الأشياء، وإلاَّ؛ فإنَّ الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له وبين الشرك به أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حَصَلَ منهم ما حصل من الشرك. فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجنِ لعبادة الله وحده وإخلاص الدِّين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا فتمَّت عليهما النعمة، ويُحتمل أنَّهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة. {41} ثم إنه عليه السلام شَرَعَ يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال:{يا صاحبي السجن أما أحَدُكُما}: وهو الذي رأى أنه يعصِرُ خمراً؛ فإنَّه يخرج من السجن، ويسقي {ربَّه خمراً}؛ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمراً، وذلك مستلزم لخروجه من السجن. {وأما الآخر}: وهو الذي رأى أنَّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، {فيُصۡلَبُ فتأكلُ الطير من رأسه}: فإنَّه عبر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه وما فيه من المخِّ، وأنَّه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يُصلب ويُجعل في محلٍّ تتمكَّن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنَّ هذا التأويل الذي تأوَّله لهما أنَّه لا بدَّ من وقوعه، فقال:{قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان}؛ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
  13. الآية ٤٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾

    {42} أي: {وقال} يوسفُ عليه السلام {للذي ظنَّ أنَّه ناج منهما}: وهو الذي رأى أنه يعصِرُ خمراً: {اذۡكُرۡني عند ربِّك}؛ أي: اذكر له شأني وقصَّتي لعله يَرقُّ لي فيخرجني مما أنا فيه، {فأنساه الشيطانُ ذِكۡرَ ربِّه}؛ أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذكر الله تعالى وذكر ما يُقَرِّبُ إليه ومن جملة ذلك نسيانه ذِكْرَ يوسف الذي يستحقُّ أن يُجازى بأتمِّ الإحسان، وذلك ليتمَّ الله أمره وقضاءه. {فلَبِثَ في السجن بضعَ سنين}: والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين. ولما أراد الله أن يُتِمَّ أمره ويأذن بإخراج يوسف من السجن؛ قدَّر لذلك سبباً لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قَدْره وهو رؤيا الملك. لمَّا أراد الله تعالى أن يخرِجَ يوسف من السجن؛ أرى الله الملكَ هذه الرؤيا العجيبة التي تأويلها يتناولُ جميع الأمَّة؛ ليكونَ تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله ويبين من علمه ما يكون له رفعةً في الدارين. ومن التقادير المناسبة أنَّ الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها؛ لارتباط مصالحها به، وذلك أنَّه رأى رؤيا هالته، فجمع علماء قومه وذوي الرأي منهم وقال:
  14. الآيات ٤٣–٤٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ (٤٤) وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) ﴾

    {43}{إني أرى سبعَ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهُنَّ سبعٌ}؛ أي: سبعٌ من البقرات {عجافٌ}: وهذا من العجب أنَّ السبع العجافَ الهزيلات اللاتي سقطتْ قوَّتُهن يأكُلْنَ السبع السمان التي كنَّ نهايةً في القوة. {و} رأيتُ {سبعَ سُنۡبُلاتٍ خضرٍ} يأكلهن سبعُ سنبلاتٍ يابساتٍ؛ {يا أيُّها الملأ أفتوني في رؤيايَ}: لأنَّ تعبير الجميع واحدٌ وتأويلهنَّ شيءٌ واحدٌ، {إن كنتُم للرؤيا تَعۡبُرون}. {44} فتحيَّروا ولم يعرفوا لها وجهاً؛ {وقالوا أضغاثُ أحلام}؛ أي: أحلام لا حاصلَ لها ولا لها تأويلٌ. وهذا جزمٌ منهم بما لا يعلمون وتعذُّرٌ منهم بما ليس بعذرٍ. ثم قالوا:{وما نحنُ بتأويل الأحلام بعالِمينَ}؛ أي: لا نَعْبُرُ إلا الرؤيا وأمَّا الأحلام التي هي من الشيطان أو من حديث النفس فإنَّا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام والإعجاب بالنفس بحيثُ إنَّهم لم يقولوا: لا نعلمُ تأويلها! وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحِجا. وهذا أيضاً من لطف الله بيوسف عليه السلام؛ فإنَّه لو عَبَرَها ابتداءً قبل أن يعرِضَها على الملأ من قومه وعلمائهم فيعجزوا عنها؛ لم يكنْ لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم، فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتمًّا لها غايةً، فعبرها يوسفُ؛ وقعتْ عندهم موقعاً عظيماً. وهذا نظيرُ إظهار الله فضلَ آدم على الملائكة بالعلم بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم فعلَّمهم أسماء كلِّ شيءٍ، فحصل بذلك زيادة فضله. وكما يُظْهِرُ فضلَ أفضل خلقِهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في القيامة أن يُلْهِمَ اللهُ الخلقَ أن يتشفَّعوا بآدم ثم بنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذِرون عنها، ثم يأتون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فيقول:«أنا لها، أنا لها» ، فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقامَ المحمودَ الذي يغبِطُه به الأولون والآخرون؛ فسبحان من خَفِيَتْ ألطافُه ودقَّت في إيصاله البر والإحسان إلى خواصِّ أصفيائه وأوليائه. {45}{وقال الذي نجا منهما}؛ أي: من الفتيين، وهو الذي رأى أنَّه يعصِرُ خمراً، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكُرَه عند ربِّه، {وادَّكَرَ بعد أُمَّةٍ}؛ أي: وتذكَّر يوسف وما جرى له في تعبيره لرؤياهما وما وصَّاه به وعلم أنه كفيلٌ بتعبير هذه الرؤيا بعد مدَّةٍ من السنين، فقال:{أنَا أنبِّئكم بتأويلِهِ فأرسلونِ}: إلى يوسفَ لأسأله عنها. {46} فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنِّفْه يوسفُ على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك، فقال:{يوسفُ أيُّها الصديقُ}؛ أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله، {أفۡتِنا في سبعِ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهُنَّ سبعٌ عجافٌ وسبعِ سنبلات خضرٍ وأخَرَ يابساتٍ لعلِّي أرجِعُ إلى الناس لعلَّهم يعلمونَ}: فإنَّهم متشوِّفون لتعبيرها، وقد أهمَّتْهم. {47} فعبر يوسفُ السبعَ البقراتِ السمانَ والسبعَ السنبلاتِ الخضر بأنهنَّ سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف والسبع السنبلات اليابساتِ بأنَّهنَّ سنين مجدباتٌ، ولعلَّ وجهَ ذلك ـ والله أعلم ـ أنَّ الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيًّا عليه، وأنَّه إذا حصل الخصبُ؛ قويتِ الزروع والحروثُ وحَسُنَ منظرُها وكثُرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك، وكانت البقر هي التي تُحرث عليها الأرض وتُسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلاتُ هي أعظم الأقوات وأفضلها؛ عبرها بذلك لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه ويستعدُّون به من التدبير في سني الخصب إلى سني الجَدْب، فقال:{تزرعونَ سبعَ سنينَ دأباً}؛ أي: متتابعاتٍ، {فما حصدتُم}: من تلك الزروع، {فذَروه}؛ أي: اتركوه {في سُنبُلِهِ}: لأنَّه أبقى له وأبعد من الالتفات إليه، {إلاَّ قليلاً مما تأكلون}؛ أي: دبِّروا [أيضًا] أكلكم في هذه السنين الخصبة، وليكن قليلاً؛ ليكثر ما تدَّخرون، ويعظُم نفعُه ووقعه. {48}{ثم يأتي من بعد ذلك}؛ أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات، {سبعٌ شِدادٌ}؛ أي: مجدباتٌ، {يأكُلۡن ما قدَّمتم لهنَّ}؛ أي: يأكلن جميع ما ادَّخرتموه ولو كان كثيراً، {إلاَّ قليلاً مما تُحۡصِنونَ}؛ أي: تمنعونه من التقديم لهنَّ. {49}{ثم يأتي من بعد ذلك}؛ أي: السبع الشداد {عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يعصِرونَ}؛ أي: فيه تكثُر الأمطار والسيول، وتكثُر الغلاتُ، وتزيد على أقواتهم حتَّى إنَّهم يعصِرون العنب ونحوه زيادةً على أكلهم، ولعلَّ استدلاله على وجودِ هذا العام الخصب مع أنه غير مصرَّح به في رؤيا الملك؛ لأنَّه فهم من [التقدير] بالسبع الشِّداد أنَّ العام الذي يليها يزولُ به شدَّتُها، ومن المعلوم أنَّه لا يزولُ الجَدْبُ المستمرُّ سبع سنين متوالياتٍ إلا بعام مُخْصِبٍ جدًّا، وإلاَّ؛ لَمَا كان للتقدير فائدة. فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا؛ عجبوا من ذلك، وفرِحوا بها أشدَّ الفرح.
  15. الآيات ٥٠–٥٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ (٥١) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ (٥٢) ۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٥٣) وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ (٥٤) قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ (٥٥) وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ (٥٧) ﴾

    {50} يقول تعالى: {وقال المَلِكُ} لمن عنده: {ائتوني به}؛ أي: بيوسف عليه السلام بأن يخرِجوه من السجن ويحضِروه إليه. فلمَّا جاء يوسفَ الرسولُ، وأمره بالحضور عند الملك؛ امتنع عن المبادرة إلى الخروج حتَّى تتبيَّن براءتُه التامَّةُ، وهذا من صبره وعقله ورأيه التامِّ، فقال للرسولِ:{ارجعۡ إلى ربِّك}؛ يعني به: الملك، {فاسۡألۡه ما بالُ النسوةِ اللاتي قطَّعۡن أيدِيَهُنَّ}؛ أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن؛ فإنَّ أمرهن ظاهرٌ متَّضح. {إنَّ ربِّي بكيدِهِنَّ عليمٌ}. {51} فأحضرهنَّ الملك وقال: {ما خطبُكُنَّ}؛ أي: شأنكُن، {إذ راودتُنَّ يوسفَ عن نفسِهِ}: فهل رأيتُن منه ما يريب؟! فبرَّأنَه و {قلن حاشَ لله ما علِمۡنا عليه من سوءٍ}؛ أي: لا قليل ولا كثير؛ فحينئذ زال السببُ الذي تُبْنَى عليه التُّهمة، ولم يبقَ إلاَّ ما عند امرأة العزيز، فقالتِ {امرأة العزيز الآنَ حَصۡحَصَ الحقُّ}؛ أي: تمحَّص وتبيَّن بعدما كنَّا نُدْخِل معه من السوء والتُّهمة ما أوجب السجن ليوسف ، {أنا راودتُه عن نفسِهِ وإنَّه لمن الصادقينَ}: في أقواله وبراءته. {52}{ذلك}: الإقرارُ الذي أقررتُ أني راودتُ يوسفَ ، {ليعلم أني لم أخُنۡهُ بالغيبِ}: يُحتمل أنَّ مرادها بذلك زوجها؛ أي: ليعلم أني حين أقررتُ أني راودتُ يوسف أنِّي لم أخُنْهُ بالغيبِ؛ أي: لم يَجْرِ منِّي إلاَّ مجرَّد المراودة، ولم أفسِدْ عليه فراشه. ويُحتمل أنَّ المراد بذلك: ليعلم يوسفُ حين أقررتُ أنِّي أنا الذي راودتُه، وأنَّه صادقٌ أني لم أخُنْه في حال غيبته عنِّي. {وأنَّ الله لا يَهۡدي كيد الخائنين}: فإنَّ كلَّ خائنٍ لا بدَّ أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بدَّ أن يتبيَّن أمره. {53} ثم لما كان في هذا الكلام نوعُ تزكيةٍ لنفسها وأنه لم يجر منها ذنبٌ في شأن يوسف استدركت فقالت: {وما أُبَرِّئُ نَفۡسِي}؛ أي: من المراودة والهمِّ والحرص الشديد والكيد في ذلك. {إنَّ النفس لأمارةٌ بالسوءِ}؛ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء؛ أي: الفاحشة وسائر الذنوب؛ فإنَّها مركَبُ الشيطان، ومنها يدخُلُ على الإنسان. {إلاَّ ما رَحِمَ ربي}: فنجَّاه من نفسه الأمَّارة حتى صارت نفسُهُ مطمئنةً إلى ربِّها منقادة لداعي الهدى متعاصية عن داعي الرَّدى؛ فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. {إنَّ ربِّي غفورٌ رحيم}؛ أي: هو غفور لمن تجرَّأ على الذُّنوب والمعاصي إذا تاب وأناب، رحيمٌ بقَبول توبته وتوفيقه للأعمال الصالحة. وهذا هو الصوابُ أنَّ هذا من قول امرأة العزيز لا من قول يوسُفَ؛ فإنَّ السياق في كلامها، ويوسُفُ إذ ذاك في السجن لم يحضُرْ. {54} فلما تحقق الملك والناس براءة يوسف التامَّة؛ أرسل إليه الملك، وقال:{ائتوني به أستَخۡلِصۡه لنفسي}؛ أي: أجعله خصيصة لي ومقرَّباً لديَّ. فأتَوه به مكرماً محترماً، {فلمَّا كلَّمه}؛ أعجبه كلامه، وزاد موقعُه عنده، فقال له:{إنَّك اليوم لدينا}؛ أي: عندنا {مكينٌ أمينٌ}؛ أي: متمكِّن أمينٌ على الأسرار. {55} فقال يوسف طلباً للمصلحة العامة: {اجعلۡني على خزائن الأرض}؛ أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها وكيلاً حافظاً مدبِّراً. {إنِّي حفيظٌ عليمٌ}؛ أي: حفيظ للَّذي أتولاَّه؛ فلا يضيعُ منه شيءٌ في غير محلِّه، وضابطٌ للداخل والخارج، عليمٌ بكيفيَّة التدبير والإعطاء والمنع والتصرُّف في جميع أنواع التصرُّفات. وليس ذلك حرصاً من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبةٌ منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه؛ فلذلك طلب من الملك أن يجعلَه على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاَّه إيَّاها. {56 ـ 57} قال تعالى: {وكذلك}؛ أي: بهذه الأسباب والمقدّمات المذكورة، {مَكَّنَّا ليوسفَ في الأرض يتبوَّأ منها حيثُ يشاء}: في عيش رغدٍ ونعمة واسعةٍ وجاه عريض، {نصيبُ برحمتنا مَن نشاءُ}؛ أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدَّرها له، وليست مقصورةً على نعمة الدنيا. فإن الله لا يضيعُ أجر المحسنينَ، ويوسف عليه السلام من سادات المحسنين؛ فله في الدُّنيا حسنةٌ وفي الآخرة حسنةٌ، ولهذا قال:{ولأجرُ الآخرة خيرٌ} ـ من أجر الدُّنيا ـ {للذين آمنوا وكانوا يتَّقونَ}؛ أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان؛ فبالتَّقوى تُتْرَكُ الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التامِّ يحصُلُ تصديق القلب بما أمر الله بالتصديق به وتتبعُهُ أعمال القلوب وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبَّات. أي: لما تولَّى يوسف عليه السلام خزائن الأرض؛ دبَّرها أحسنَ تدبيرٍ، فزرع في أرض مصرَ جميعها في السنين المخصبة زروعاً هائلةً، واتَّخذ لها المحلاَّتِ الكبارَ، وجبا من الأطعمة شيئاً كثيراً، وحفظه وضبطه ضبطاً تامًّا، فلما دخلتِ السنونَ المجدبةُ، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوبُ بنيه لأجل الميرة إلى مصر.
الجزء ١ من ٣التالي

تفسير السعدي — عبد الرحمن بن ناصر السعدي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.