سورة الواقعة

مكية • ٩٦ آية • تبدأ في الصفحة ٥٣٤

الجزء ١ من ٤التالي
  1. الآيات ١–٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا (٤) وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّۭا (٥) فَكَانَتْ هَبَآءًۭ مُّنۢبَثًّۭا (٦) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ : إذا نزلت صيحة القيامة، وذلك حين يُنفخ في الصور لقيام الساعة. كما:- ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يعني: الصيحة. ⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب ولا مردودية ولا مثنوية، والكاذبة في هذا الموضع مصدر، مثل العاقبة والعافية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ : أي ليس لها مثنوية، ولا رجعة، ولا ارتداد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ عن قتادة، في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ قال: مثنوية. * * وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: الواقعة حينئذ خافضة، أقواما كانوا في الدنيا، أعزّاء إلى نار الله. * * وقوله: ﴿رَافِعَةٌ﴾ يقول: رفعت أقواما كانوا في الدنيا وُضعَاء إلى رحمة الله وجنته. وقيل: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. ذكر من قال في ذلك ما قلنا: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتَكِيّ، عن عثمان بن عبد الله بن سُراقة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ يقول: تخللت كلّ سهل وجبل، حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله، وخفضت أقواما في عذاب الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وقال: أسمعت القريب والبعيد، خافضة أقواما إلى عذاب الله، ورافعة أقواما إلى كرامة الله. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: خفضت وأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى؛ قال: فكان القريب والبعيد من الله سواء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: سمَّعت القريب والبعيد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ خفضت فأسمعت الأدنى ورفعت فأسمعت الأقصى، فكان فيها القريب والبعيد سواء. * * وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول تعالى ذكره: إذا زلزلت الأرض فحرّكت تحريكا من قولهم السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى: يهتزّ ويضطرب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلت زلزلة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت زلزالا. * * وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقول تعالى ذكره: فتتت الجبال فتا، فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ والبسيسة عند العرب: الدقيق والسويق تلتّ وتتخذ زادا. وذُكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز، فخاف أن يعجل عن الخبز قبل الدقيق وأكله عجينا، وقال: لا تَخْبِزَا خَبْزًا وبُسَّا بَسَّا مَلْسا بِذَوْدِ الحَلَسِيّ مَلْسا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقول: فتتت فتا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فتتت. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق. ⁕ حدثني أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرِمة ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتَّتْ فتا. ⁕ حدثني إسماعيل بن موسى ابن بنت السديّ، قال: أخبرنا بشر بن الحكم الأحمسيّ، عن سعيد بن الصلت، عن إسماعيل السديّ وأبي صالح ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتِّتت فتا. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: صارت كثيبا مهيلا كما قال الله. ⁕ حدثنا ابن حُميَد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتتت فتا. * * وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الهباء، فقال بعضهم: هو شعاع الشمس، الذي يدخل من الكوة كهيئة الغبار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: شعاع الشمس. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة. ⁕ قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس يدخل من الكوّة، وليس بشيء. وقال آخرون: هو رهج الدوابّ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: رهج الدوابّ. وقال آخرون: هو ما تطاير من شرر النار الذي لا عين له. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا. وقال آخرون: هو يبيس الشجر الذي تذروه الرياح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر، تذروه الرياح يمينا وشمالا. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: الهباء: ما تذروه الريح من حطام الشجر. وقد بيَّنا معنى الهباء في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: ﴿مُنْبَثًّا﴾ فإنه يعني متفرّقا.
  2. الآيات ٧–١٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَٰثَةًۭ (٧) فَأَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ (٩) وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ (١٠) أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ (١١) فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (١٢) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وكنتم أيها الناس أنواعا ثلاثة وضروبا. كما:- ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة. * * وقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ، وهذا بيان من الله عن الأزواج الثلاثة، يقول، جلّ ثناؤه: وكنتم أزواجًا ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، فجعل الخبر عنهم، مغنيا عن البيان عنهم، على الوجه الذي ذكرنا، لدلالة الكلام على معناه، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعجِّب نبيه محمدا منهم، وقال: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، أيّ شيء أصحاب اليمين، ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: وأصحاب الشمال الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤمي؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فأنْحَى على شُّؤْمَي يَدَيه فَذادَها بأظْمأَ مِنْ فَرْع الذُّوَابَةِ أسْحَما * * وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وهم الزوج الثالث وهم الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله، وهم المهاجرون الأوّلون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العتكي، عن عثمان بن عبد الله بن سُراقة، قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: اثنان في الجنة وواحد في النار، يقول: الحور العين للسابقين، والعُرُب الأتراب لأصحاب اليمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . . . إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ سوى بين أصحاب اليمين من الأمم السابقة، وبين أصحاب اليمين من هذه الأمة، وكان السابقون من الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ : أي ماذا لهم، وماذا أعد لهم ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ : أي ماذا لهم وماذا أعد لهم ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : أي من كل أمة. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول: وجدت الهوى ثلاثة أثلاث، فالمرء يجعل هواه علمه، فيديل هواه على علمه، ويقهر هواه علمه، حتى إن العلم مع الهوى قبيح ذليل، والعلم ذليل، الهوى غالب قاهر، فالذي قد جعل الهوى والعلم في قلبه، فهذا من أزواج النار، وإذا كان ممن يريد الله به خيرا استفاق واستنبه، فإذا هو عون للعلم على الهوى حتى يديل الله العلم على الهوى، فإذا حسنت حال المؤمن، واستقامت طريقه كان الهوى ذليلا وكان العلم غالبا قاهرا، فإذا كان ممن يريد الله به خيرا، ختم عمله بإدالة العلم، فتوفاه حين توفاه، وعلمه هو القاهر، وهو العامل به، وهواه الذليل القبيح، ليس له في ذلك نصيب ولا فعل. والثالث: الذي قبح الله هواه بعلمه، فلا يطمع هواه أن يغلب العلم، ولا أن يكون معه نصف ولا نصيب، فهذا الثالث، وهو خيرهم كلهم، وهو الذي قال الله عزّ وجلّ في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: فزوجان في الجنة، وزوج في النار، قال: والسابق الذي يكون العلم غالبا للهوى، والآخر: الذي ختم الله بإدالة العلم على الهوى، فهذان زوجان في الجنة، والآخر: هواه قاهر لعلمه، فهذا زوج النار. واختلف أهل العربية في الرافع أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، فقال بعض نحويي البصرة: خبر قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ قال: ويقول زيد: ما زيد، يريد: زيد شديد. وقال غيره: قوله: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ لا تكون الجملة خبره، ولكن الثاني عائد على الأوّل، وهو تعجب، فكأنه قال: أصحاب الميمنة ما هم، والقارعة ما هي، والحاقة ما هي؟ فكان الثاني عائد على الأوّل، وكان تعجبا، والتعجب بمعنى الخبر، ولو كان استفهاما لم يجز أن يكون خبرا للابتداء، لأن الاستفهام لا يكون خبرا، والخبر لا يكون استفهاما، والتعجب يكون خبرا، فكان خبرا للابتداء. وقوله: زيد وما زيد، لا يكون إلا من كلامين، لأنه لا تدخل الواو في خبر الابتداء، كأنه قال: هذا زيد وما هو: أي ما أشدّه وما أعلمه. واختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ فقال بعضهم: هم الذين صلوا للقبلتين. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خارجة، عن قرة، عن ابن سيرين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الذين صلوا للقبلتين. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثنا عثمان بن أبي سودة، قال ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أوّلهم رواحا إلى المساجد، وأسرعهم خفوقا في سبيل الله. والرفع في السابقين من وجهين: أحدهما: أن يكون الأوّل مرفوعا بالثاني، ويكون معنى الكلام حينئذ والسابقون الأوّلون، كما يقال: السابق الأوّل، والثاني أن يكون مرفوعا بأولئك المقرّبون يقول جلّ ثناؤه: أولئك الذين يقرّبهم الله منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة. * * وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وهم الزوج الثالث وهم الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله، وهم المهاجرون الأولون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العتكي، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: اثنان في الجنة وواحد في النار، يقول: الحور العين للسابقين، والعرب الأتراب لأصحاب اليمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . . . إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "سَوَّى بَين أصَحاب اليمَين مِنَ الأمَمَ السَّابِقَةِ، وَبَيَنَ أصحَابِ اليَمِين مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ، وكانَ السَّابِقُونَ مِنَ الأمَمِ أكْثَرَ مِنْ سابِقي هَذِهِ الأمَّةِ". ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ : أي ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ : أي ماذا لهم وماذا أعدّ لهم ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : أي من كلّ أمة. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول: وجدت الهوى ثلاثة أثلاث، فالمرء يجعل هواه علمه، فيديل هواه على علمه، ويقهر هواه علمه، حتى إن العلم مع الهوى قبيح ذليل، والعلم ذليل، الهوى غالب قاهر، فالذي قد جعل الهوى والعلم في قلبه، فهذا من أزواج النار، وإذا كان ممن يريد الله به خيرا استفاق واستنبه، فإذا هو عون للعلم على الهوى حتى يديل الله العلم على الهوى، فإذا حسُنت حال المؤمن، واستقامت طريقته كان الهوى ذليلا وكان العلم غالبا قاهرا، فإذا كان ممن يريد الله به خيرا، ختم عمله بإدالة العلم، فتوفاه حين توفاه، وعلمه هو القاهر، وهو العامل به، وهواه الذليل القبيح، ليس له في ذلك نصيب ولا فعل. والثالث: الذي قبح الله هواه بعلمه، فلا يطمع هواه أن يغلب العلم، ولا أن يكون معه نصف ولا نصيب، فهذا الثالث، وهو خيرهم كلهم، وهو الذي قال الله عزّ وجلّ في سورة الواقعة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال: فزوجان في الجنة، وزوج في النار، قال: والسابق الذي يكون العلم غالبا للهوى، والآخر: الذي ختم الله بإدالة العلم على الهوى، فهذان زوجان في الجنة، والآخر: هواه قاهر لعلمه، فهذا زوج النار. واختلف أهل العربية في الرافع أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، فقال بعض نحويي البصرة: خبر قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ قال: ويقول زيد: ما زيد، يريد: زيد شديد. وقال غيره: قوله: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ لا تكون الجملة خبره، ولكن الثاني عائد على الأول، وهو تعجب، فكأنه قال: أصحاب الميمنة ما هم، والقارعة ما هي؟ والحاقة ما هي؟ فكان الثاني عائد على الأوّل، وكان تعجبا، والتعجب بمعنى الخبر، ولو كان استفهاما لم يجز أن يكون خبرا للابتداء، لأن الاستفهام لا يكون خبرا، والخبر لا يكون استفهاما، والتعجب يكون خبرا، فكان خبرا للابتداء. وقوله: زيد وما زيد، لا يكون إلا من كلامين، لأنه لا تدخل الواو في خبر الابتداء، كأنه قال: هذا زيد وما هو: أي ما أشدّه وما أعلمه. واختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ فقال بعضهم: هم الذين صلوا للقبلتين. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خارجة، عن قرة، عن ابن سيرين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الذين صلوا للقبلتين. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثنا عثمان بن أبي سودة، قال ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أوّلهم رواحا إلى المساجد، وأسرعهم خفوقا في سبيل الله. والرفع في السابقين من وجهين: أحدهما: أن يكون الأوّل مرفوعا بالثاني، ويكون معنى الكلام حينئذ والسابقون الأوّلون، كما يقال: السابق الأوّل، والثاني أن يكون مرفوعا بأولئك المقرّبون يقول جلّ ثناؤه: أولئك الذين يقرّبهم الله منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يقول: في بساتين النعيم الدائم.
  3. الآيات ١٣–٢١بلّغ عن خطأ

    ﴿ ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌۭ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ (١٤) عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّوْضُونَةٍۢ (١٥) مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَٰبِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍۢ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۢ (١٨) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (١٩) وَفَٰكِهَةٍۢ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره: جماعة من الأمم الماضية، وقليل من أمة محمد ﷺ، وهم الآخرون وقيل لهم الآخرون: لأنهم آخر الأمم ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ يقول: فوق سُرر منسوجة، قد أدخل بعضها في بعض، كما يوضن حلق الدرع بعضها فوق بعض مضاعفة؛ ومنه قول الأعشى: وَمِنْ نَسْج دَاوُدَ مَوْضُونَةً تُساقُ مَعَ الحَيّ عِيرًا فعِيْرًا ومنه وضين الناقة، وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كالحلق حلق الدرع: وقيل: وضين، وإنما هو موضون، صرف من مفعول إلى فعيل، كما قيل: قتيل لمقتول: وحُكي سماعا من بعض العرب أزيار الآجرّ موضون بعضها على بعض، يراد مشرج صفيف. وقيل: إنما قيل لها سُرر موضونة، لأنها مشبكة بالذهب والجوهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: مرمولة بالذهب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحصين، عن مجاهد ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: مرمولة بالذهب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: يعني الأسرة المرملة. ⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن مجاهد، قال: الموضونة: المرملة بالذهب. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرِمة قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: مشبكة بالدّر والياقوت. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ قال: مرمولة بالذهب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ والموضونة: المرمولة، وهى أوثر السرر. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، في قوله: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ قال مرمولة. ⁕ حدثنا ابن عيد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: مرملة مشبكة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ الوضن: التشبيك والنسج، يقول: وسطها مشبك منسوج. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ الموضونة: المرمولة بالجلد ذاك الوضين منسوجة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها مصفوفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ يقول: مصفوفة. * * وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ يقول تعالى ذكره متكئين على السُّرر الموضونة، متقابلين بوجوههم، لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. كما:- ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، في قراءة عبد الله، يعني ابن مسعود ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ﴾ . وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وذكرنا ما فيه من الرواية. * * وقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: يطوف على هؤلاء السابقين الذين قرّبهم الله في جنات النعيم، ولدان على سنّ واحدة، لا يتغيرون ولا يموتون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ قال: لا يموتون. وقال آخرون: عني بذلك أنهم مقرّطون مسوّرون. والذي هو أولى بالصواب في ذلك قول من قال معناه: إنهم لا يتغيرون، ولا يموتون، لأن ذلك أظهر معنييه، والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإنما هو مفعل من الخلد. * * وقوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ والأكواب: جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه، ولم يكن له خرطوم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ قال: الأكواب: الجرار من الفضة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قال: الأباريق: ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذان. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الأكواب ليس لها آذان. ⁕ حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سئل الحسن عن الأكواب، قال: هي الأباريق التي يصبّ لهم منها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، قال: مر أبو صالح صاحب الكلبي قال: فقال أبي، قال لي الحسن وأنا جالس: سله، فقلت: ما الأكواب؟ قال: جرار الفضة المستديرة أفواهها، والأباريق ذوات الخراطيم. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ قال: ليس لها عرى ولا آذان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ والأكواب التي يغترف بها ليس لها خراطيم، وهي أصغر من الأباريق. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قال: الأكواب التي دون الأباريق ليس لها عُرًى. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: الأكواب جرار ليست لها عرى، وهي بالنبطية كوبا، وإياها عنى الأعشى بقوله: صَرِيفيٌَّةٌ طَيِّبٌ طَعْمُها لَهَا زَبَدٌ بَينَ كُوب ودَنٌ وأما الأباريق: فهي التي لها عرى. * * وقوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ وكأس خمر من شراب معين، ظاهر العيون، جار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ : قال الخمر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر جارية. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ الكأس: الخمر. ⁕ حدثنا أبو سنان، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال: الخمر الجارية. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، مثله. * * وقوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يقول: لا تصدع رءوسهم عن شربها فتسكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني إسماعيل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ قال: لا تصدّع رءوسهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ ليس لها وجع رأس. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) قال: لا تصدع رءوسهم. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يقول: لا تصدّع رءوسهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يعني: وجع الرأس. * * وقوله: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأت عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿يُنزفُونَ﴾ بفتح الزاي، ووجهوا ذلك إلى أنه لا تنزف عقولهم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة ﴿لا يُنزفُونَ﴾ بكسر الزاي بمعنى: ولا ينفد شرابهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيها الصواب. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء فيه. وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في ذلك، وبيَّنا الصواب من القول فيه في سورة الصافات، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا سنذكر قول بعضهم في هذا الموضع لئلا يظنّ ظانّ أن معناه في هذا الموضع مخالف معناه هنالك. ذكر قول من قال منهم: معناه لا تنزف عقولهم: ⁕ حدثنا إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تنزف عقولهم. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تنزف عقولهم. ⁕ وحدثنا ابن حُميد، مرة أخرى فقال: ولا تذهب عقولهم. ⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ لا تنزف عقولهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (وَلا يُنزفُونَ) قال: لا يغلب أحد على عقله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، في قوله: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ قال: لا يغلب أحد على عقله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تغلب على عقولهم. * * وقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ويطوف هؤلاء الولدان المخلدون على هؤلاء السابقين بفاكهة من الفواكه التي يتخيرونها من الجنة لأنفسهم، وتشتهيها نفوسهم ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ يقول: ويطوفون أيضا عليهم بلحم طير مما يشتهون من الطير الذي تشتهيه نفوسهم.
  4. الآيات ٢٢–٢٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَحُورٌ عِينٌۭ (٢٢) كَأَمْثَٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًۭا سَلَٰمًۭا سَلَٰمًۭا (٢٦) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا (٢٦) ﴾ اختلف القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ فقرأته عامة قراء الكوفة وبعض المدنيين ﴿وحُورٍ عِينٍ﴾ بالخفض إتباعا لإعرابها إعراب ما قبلها من الفاكهة واللحم، وإن كان ذلك مما لا يُطاف به، ولكن لما كان معروفا معناه المراد أتبع الآخر الأوّل في الإعراب، كما قال بعض الشعراء. إذَا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْما وَزَجَّجْن الْحَوَاجِبَ والعُيُونا فالعيون تكَحَّل. ولا تزجَّج إلا الحواجب، فردّها في الإعراب على الحواجب، لمعرفة السامع معنى ذلك وكما قال الآخر: تَسْمَعُ للأحَشْاءِ مِنْهُ لَغَطَا وللْيَدَيْنِ جُسأةً وَبَدَدَا والجسأة: غلظ في اليد، وهي لا تُسمع. وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة ومكة والكوفة وبعض أهل البصرة بالرفع ﴿وحُورٍ عِينٍ﴾ على الابتداء، وقالوا: الحور العين لا يُطاف بهنّ، فيجوز العطف بهنّ في الإعراب على إعراب فاكهة ولحم، ولكنه مرفوع بمعنى: وعندهم حور عين، أو لهم حور عين. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء مع تقارب معنييهما، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب. والحور جماعة حَوْراء: وهي النقية بياض العين، الشديدة سوادها. والعين: جمع عيناء، وهي النجلاء العين في حُسن. * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ يقول: هنّ في صفاء بياضهنّ وحسنهن، كاللؤلؤ المكنون الذي قد صين في كِنٍّ. * * وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثوابا لهم من الله بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، وعوضا من طاعتهم إياه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن عيينة، عن عمرو عن الحسن ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قال: شديدة السواد: سواد العين، شديدة البياض: بياض العين. ⁕ قال ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قال: بيض عين، قال: عظام الأعين. ⁕ حدثنا ابن عباس الدوريّ، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: الحُور: سُود الحَدَق. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا إبراهيم بن محمد الأسلميّ، عن عباد بن منصور الباجيّ، أنه سمع الحسن البصريّ يقول: الحُور: صوالح نساء بني آدم. ⁕ قال ثنا إبراهيم بن محمد، عن ليث بن أبي سليم، قال: بلغني أن الحور العين خُلقن من الزعفران. ⁕ حدثنا الحسن بن يزيد الطحان، قال: حدثتنا عائشة امرأة ليث، عن ليث، عن مجاهد قال: خلق الحُور العين من الزعفران. ⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا عمرو بن سعد، قال: سمعت ليثا، ثني عن مجاهد، قال: حور العين خُلقن من الزعفران. وقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿حُورٌ﴾ أنهنّ يحار فيهنّ الطرف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قال: يحار فيهنّ الطرف. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ قال أهل التأويل، وجاء الأثر عن رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أحمد بن الفرج الصَّدفيّ الدِّمْياطيّ، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أمّ سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قال: "صفاؤُهُن كَصَفاء الدُّرّ الَّذيِ فِي الأصْدَافِ الَّذيِ لا تَمُسُّهُ الأيْدي". * * وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ يقول: لا يسمعون فيها باطلا من القول ولا تأثيما، يقول: ليس فيها ما يُؤثمهم. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ والتأثيم لا يُسمع، وإنما يُسمع اللغو، كما قيل: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يُؤكل، فجازت إذ كان معه شيء يؤكل. * * وقوله: ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ يقول: لا يسمعون فيها من القول إلا قيلا سلاما: أي أسلم مما تكره. وفي نصب قوله: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ وجهان: إن شئت جعلته تابعا للقيل، ويكون السلام حينئذ هو القيل؛ فكأنه قيل: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا سلاما سلاما، ولكنهم يسمعون سلاما سلاما. والثاني: أن يكون نصبه بوقوع القيل عليه، فيكون معناه حينئذ: إلا قيلَ سلامٍ فإن نوّن نصب قوله: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بوقوع قِيلٍ عليه.
الجزء ١ من ٤التالي

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.