- الآية ١٩بلّغ عن خطأ
﴿ إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله ﷺ ببدر: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم، وأظلم الفئتين، وتستنصروه عليه، فقد جاءكم حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. ١٥٨٣٢-. . . . قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. ١٥٨٣٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد. ١٥٨٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تستفتحوا﴾ ، قال: إن تستقضوا القضاء= وإنه كان يقول: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا﴾ ، قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلا ذلك ١٥٨٣٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: كفار قريش في قولهم: "ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه"! ففُتح بينهم يوم بدر. ١٥٨٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. ١٥٨٣٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: استفتح أبو جهل فقال: اللهم = يعني محمدًا ونفسه = "أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم"! قال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ . ١٥٨٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: استفتح أبو جهل بن هشام فقال: "اللهم أيُّنا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه اليوم! " يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عز وجل: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوِّذ، وأجهزَ عليه ابن مسعود. ١٥٨٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العدوي، حليف بني زهرة، أن المستفتح يومئذ أبو جهل، وأنه قال حين التقى القوم: "أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة"! فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك: ﴿إن إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية. ١٥٨٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية، يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرةً لمن اعتبر. ١٥٨٤١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي ﷺ من مكة، أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: "اللهم انصر أعز الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين"! فقال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يقول: نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ. ١٥٨٤٢- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ إلى قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عِيرَهم، وإن أهلَ العير، أبا سفيان وأصحابه، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم، فقال أبو جهل: "أينا كان خيرًا عندك فانصره"! وهو قوله: ﴿إن تستفتحوا﴾ ، يقول: تستنصروا. ١٥٨٤٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستفتحوا العذاب، فعُذِّبوا يوم بدر. قال: وكان استفتاحهم بمكة، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، [سورة الأنفال: ٣٢] . قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أحد: ﴿وإن تعودوا نعد ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ . ١٥٨٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أهدى الفئتين، وخير الفئتين وأفضل" فنزلت: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ . ١٥٨٤٥ -. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: "اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه، فأحِنْه اليوم"! فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ . ١٥٨٤٦ -. . . . قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل، قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! ". وكان ذلك استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية. ١٥٨٤٧ -. . . . قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ . ١٥٨٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فكان هو المستفتح على نفسه= قال ابن إسحاق: فقال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، لقول أبي جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه للغداة! " قال: "الاستفتاح"، الإنصاف في الدعاء. ١٥٨٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان وغيره: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أحب الدينين إليك، دينَنا العتيق، أم دينهم الحديث"! فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، إلى قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ . * * وأما قوله: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ ، فإنه يقول: "وإن تنتهوا"، يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله، وقتال نبيه ﷺ والمؤمنين به= "فهو خير لكم"، في دنياكم وآخرتكم = ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال اتباعه المؤمنين= "نعد"، أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر. * * وقوله: ﴿ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت﴾ ، يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم، ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسَبْيكم وهزمكم " فئتكم شيئًا ولو كثرت"، يعني: جندهم وجماعتهم من المشركين، كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئًا= ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم، ينصرهم عليهم، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ ، قال: يقول لقريش= "وإن تعودوا نعد"، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر= ﴿ولئن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ ، أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئًا. وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم. * * وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، وإن تعودوا للاستفتاح، نعد لفتح محمد ﷺ. وهذا القول لا معنى له، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: "إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد"، لأن الله قد كان وعد نبيه ﷺ الفتح بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، [سورة الحج: ٣٩] ، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٥١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد ﷺ = ﴿ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين﴾ ، محمد وأصحابه. * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وإن الله مع المؤمنين﴾ . ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله لمع المؤمنين= فعطف ب"أن" على موضع "ولو كثرت"، كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع المؤمنين. ويكون موضع "أن" حينئذ نصبًا على هذا القول. * * وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: ﴿وأنّ الله موهن كيد الكافرين﴾ ، ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، عطفًا بالأخرى على الأولى. * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: "وَإِنَّ اللهَ"، بكسر الألف على الابتداء، واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: "وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ". * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من كسر "إن" للابتداء، لتقضِّي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ . - الآية ٢٠بلّغ عن خطأ
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله= ﴿أطيعوا الله ورسوله﴾ ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه= ﴿ولا تولوا عنه﴾ ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله ﷺ مخالفين أمره ونهيه = "وأنتم تسمعون" أمرَه إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون، كما:- ١٥٨٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا وأنتم تسمعون﴾ ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه. - الآية ٢١بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله ﷺ: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله ﷺ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا= "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله ﷺ: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. * * وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:- ١٥٨٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرُّون المعصية. ١٥٨٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وهم لا يسمعون﴾ ، قال: عاصون. ١٥٨٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. * * قال أبو جعفر: وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، في سياق قَصَص المشركين، ويتلوه الخبر عنهم بذمّهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، فلأن يكون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم. - الآية ٢٢بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكُصون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٥٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن شر الدواب عند الله﴾ ، قال: "الدواب"، الخلق. ١٥٨٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، عن عكرمة قال: وكانوا يقولون: "إنا صم بكم عما يدعو إليه محمد، لا نسمعه منه، ولا نجيبه به بتصديق! " فقتلوا جميعًا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء. ١٥٨٥٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "الصم البكم الذين لا يعقلون"، قال: الذين لا يتّبعون الحق. ١٥٨٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ ، وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم، ولكن صمّ القلوب وبُكمها وعُميها! وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: ٤٦] . * * واختلف فيمن عني بهذه الآية. فقال بعضهم: عُني بها نفرٌ من المشركين. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس: "الصم البكم الذين لا يعقلون"، نفرٌ من بني عبد الدار، لا يتبعون الحق. ١٥٨٦١ -. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الصم البكم الذين لا ينقلون﴾ ، قال: لا يتبعون الحق= قال، قال ابن عباس: هم نَفرٌ من بني عبد الدار. ١٥٨٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. * * وقال آخرون: عُني بها المنافقون. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٦٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ ، [أي المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بُكمٌ عن الخير، صم عن الحق، لا يعقلون] ، لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتِّباعة. * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال بقول ابن عباس: وأنه عُني بهذه الآية مشركو قريش، لأنها في سياق الخبر عنهم. - الآية ٢٣بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، وفي معناها. فقال بعضهم: عني بها المشركون. وقال: معناه: أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنزله على نبيه ﷺ، لم يؤمنوا به، لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو اسمعهم﴾ ، لقالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ ، [سورة يونس: ١٥] ، ولقالوا: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٣] ، ولو جاءهم بقرآن غيره= ﴿لتولوا وهم معرضون﴾ . ١٥٨٦٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ ، قال: لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون. ١٥٨٦٥ - وحدثني به مرة أخرى فقال: "لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم"، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به. * * وقال آخرون: بل عني بها المنافقون. قالوا: ومعناه ما:- ١٥٨٦٦- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم﴾ ، لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، ما وفَوا لكم بشيء مما خرجوا عليه. * * قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين. * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، معاندون للحق بعد العلم به. - الآية ٢٤بلّغ عن خطأ
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ . فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: أمّا "ما يحييكم"، فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم. * * وقال آخرون: للحق. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٦٨- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿لما يحييكم﴾ ، قال: الحق. ١٥٨٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٥٨٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: الحق. ١٥٨٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: للحق. * * وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. * * وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٧٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم. * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها. * * وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له. لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان. * * وبَعْدُ، ففيما:- ١٥٨٧٤- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ على أبيٍّ وهو يصلي، فدعاه: أيْ أُبَيّّ! فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه. ثم إن أبيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك، أي رسول الله! قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي! قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؟ قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود. ١٥٨٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ على أبيّ وهو قائم يصلي، فصرخ به [فلم يجبه، ثم جاء] ، فقال: يا أبيّ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ؟ قال أبيّ: لا جَرَم يا رسول الله، لا تدعوني إلا أجبتُ وإن كنت أصلي! * * =ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم، لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين. * * القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٧٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر. ١٥٨٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه. ١٥٨٧٨ - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله. ١٥٨٧٩ - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ١٥٨٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله. ١٥٨٨١ -. . . . قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. ١٥٨٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك في قوله: (يحول بين المرء وقلبه) ، قال: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته. ١٥٨٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبى روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه. ١٥٨٨٤ -. . . . قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر، وبين الكافر وبين أن يؤمن. ١٥٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله. ١٥٨٨٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا بن أبي رواد، عن الضحاك، نحوه. ١٥٨٨٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه. ١٥٨٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته. ١٥٨٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان. ١٥٨٩٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته. ١٥٨٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ١٥٨٩٢ -. . . . قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي رواد، عن الضحاك: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته. ١٥٨٩٣ -. . . . قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان. ١٥٨٩٤-. . . . قال، حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بينه وبين المعاصي. * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل. ذكر من قال ذلك: ١٥٨٩٥- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المرء وعقله. ١٥٨٩٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، حتى تركه لا يعقل. ١٥٨٩٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٥٨٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: هو كقوله "حال"، حتى تركه لا يعقل. ١٥٨٩٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل. ١٥٩٠٠ - قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرًا. * * وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه. ذكر من قال ذلك: ١٥٩٠١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه. * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره. ذكر من قال ذلك: ١٥٩٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: هي كقوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، [سورة ق: ١٦] . * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن "الحول بين الشيء والشيء"، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: "يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان"، وقول من قال: "يحول بينه وبين عقله"، وقول من قال: "يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه"، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ. غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: ﴿ولعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له. * * وأما قوله: ﴿وأنه إليه تحشرون﴾ ، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة، فيوفّيكم جزاء أعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، فيوجب ذلك سَخَطَه، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه. - الآية ٢٥بلّغ عن خطأ
﴿ وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: "اتقوا"، أيها المؤمنون= "فتنة"، يقول: اختبارًا من الله يختبركم، وبلاء يبتليكم = "لا تصيبن"، هذه الفتنة التي حذرتكموها "الذين ظلموا"، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله، إما إجْرام أصابوها، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها. يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية، أو يأتوا مأثمًا يستحقون بذلك منه عقوبة. * * وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم الذين عُنوا بها. ذكر من قال ذلك: ١٥٩٠٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن الحسن في قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: نزلت في علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، رحمة الله عليهم. ١٥٩٠٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال قتادة: قال الزبير بن العوام: لقد نزلت وما نرى أحدًا منا يقع بها. ثم خُلِّفْنا في إصابتنا خاصة. ١٥٩٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أن الزبير بن العوام قال: نزلت هذه الآية: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، وما نظننا أهلها، ونحن عُنِينا بها. ١٥٩٠٦ -. . . . قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن الصلت بن دينار، عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ . ١٥٩٠٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه﴾ ، قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، وأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا. ١٥٩٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، قال: أصحاب الجمل. ١٥٩٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب. ١٥٩١٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: هى أيضًا لكم. ١٥٩١١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: "الفتنة"، الضلالة. ١٥٩١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة الأنفال: ٢٨] ، فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن. ١٥٩١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خُوِّفنا بها= يعني قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ . * * واختلف أهل العربية في تأويل ذلك. فقال بعض نحويي البصرة: ﴿اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، قوله: "لا تصيبن"، ليس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابًا ما دخلت "النون". * * وقال بعض نحويي الكوفة قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، أمرهم ثم نهاهم. وفيه طرَفٌ من الجزاء، وإن كان نهيًا. قال: ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ، [سورة النمل: ١٨] ، أمرهم ثم نهاهم، وفيه تأويل الجزاء. وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة، إن لم تتقوها أصابتكم. * * وأما قوله: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، فإنه تحذير من الله، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ ، يقول: اعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم شديد عقابه لمن افتُتن بظلم نفسه، وخالف أمره، فأثم به.
تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.