الجزء ١ من ٤التالي
- الآيات ١–٢بلّغ عن خطأ
﴿ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (٢) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقال بعضهم: عُنِيَ بالنجم: الثُّريا وعُنِي بقوله ﴿إِذَا هَوَى: إذا سقط، قالوا: تأويل الكلام: والثريا إذا سقطت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال: إذا سقطت الثريا مع الفجر. ⁕ حدثنا ابن حُميد. قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال: الثريا، وقال مجاهد: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال: سقوط الثريا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال: إذا انصبّ. وقال آخرون: معنى ذلك: والقرآن إذا نزل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب، قال: ثنا مالك بن سعير، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، في قوله ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال: القرآن إذا نزل. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ قال: قال عُتبة بن أبي لهب: كفرتُ بربّ النجم، فقال رسول الله ﷺ: "أمَا تَخَافُ أنْ يَأكُلَكَ كَلْبُ اللهِ" قال: فخرج في تجارة إلى اليمن، فبينما هم قد عرَّسوا، إذ سمعَ صوتَ الأسد، فقال لأصحابه إني مأكول، فأحدقوا به، وضرب على أصمخّتهم فناموا، فجاء حتى أخذه، فما سمعوا إلا صوته. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة "أن النبي ﷺ تلا ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقال ابن لأبي لهب حسبته قال: اسمه عُتبة: كفرت بربّ النجم، فقال النبي ﷺ: "احْذَرْ لا يأكُلكَ كَلْبُ الله"؛ قال: فضرب هامته. قال: وقال ابن طاوس عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "ألا تَخاف أنْ يُسلِّطَ اللهُ عَلَيْك كَلْبَهُ؟ " فخرج ابن أبي لهب مع ناس فى سفر حتى إذا كانوا في بعض الطريق سمعوا صوت الأسد. فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم، حتى إذا ناموا جاء الأسد فأخذه من بينهم. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: عنى بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ والنجوم. وقال: ذهب إلى لفظ الواحد، وهو في المعنى الجميع، واستشهد لقوله ذلك بقول راعي الإبل: فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُستَحيرَةٍ ... سَريعٌ بِأيْدي الآكلِينَ جُمُودُها والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عنى بالنجم في هذا الموضع: الثريا، وذلك أن العرب تدعوها النجم، والقول الذي قاله من حكينا عنه من أهل البصرة قول لا نعلم أحدا من أهل التأويل قاله، وإن كان له وجه، فلذلك تركنا القول به. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يقول تعالى ذكره: ما حاد صاحبكم أيها الناس عن الحقّ ولا زال عنه، ولكنه على استقامة وسداد. ويعني بقوله ﴿وَمَا غَوَى﴾ : وما صار غويًّا، ولكنه رشيد سديد؛ يقال: غَوَيَ يَغْوي من الغيّ، وهو غاو، وغَوِيّ يَغْوَى من اللبن إذا بَشِم. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ جواب قسم والنجم. - الآيات ٣–٧بلّغ عن خطأ
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ (٤) عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ (٥) ذُو مِرَّةٍۢ فَٱسْتَوَىٰ (٦) وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ (٧) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه (إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ : أي ما ينطق عن هواه ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ قال: يوحي الله تبارك وتعالى إلى جبرائيل، ويوحي جبريل إلى محمد ﷺ. وقيل: عنى بقوله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ بالهوى. * * وقوله ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ : يقول تعالى ذكره: عَلَّم محمدا ﷺ هذا القرآن جبريلُ عليه السلام، وعُنِي بقوله ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ شديد الأسباب. والقُوى: جمع قوّة. كما الجثى: جمع جثوة، والحبى: جمع حبوة. ومن العرب من يقول: القوى: بكسر القاف، كما تُجمع الرشوة رشا بكسر الراء، والحبوة حبا. وقد ذُكر عن العرب أنها تقول: رُشوة بضم الراء، ورشوة بكسرها، فيجب أن يكون جمع من جمع ذلك رشا بكسر الراء على لغة من قال: واحدها رشوة، وأن يكون جمع من جمع ذلك بضمّ الراء، من لغة من ضمّ الراء في واحدها وإن جمع بالكسر من كان لغته من الضمّ في الواحدة، أو بالضمّ من كان من لغته الكسر؛ فإنما هو حمل إحدى اللغتين على الأخرى. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ يعني جبريل. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ قال: جبرائيل عليه السلام. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. * * وقوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ فقال بعضهم: معناه: ذو خَلْق حسن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال: ذو منظر حسن. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ : ذو خَلْق طويل حسن. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو قوّة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ قال: ذو قوة جبريل. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران عن سفيان ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال: ذو قوّة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ قال: ذو قوّة، المرّة: القوّة. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ جبريل عليه السلام. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بالمرّة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات. والجسم إذا كان كذلك من الإنسان، كان قويا، وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المرة واحدة المرر، وإنما أُريد به: ذو مرة سوية. وإذا كانت المرّة صحيحة، كان الإنسان صحيحا. ومنه قول النبيّ ﷺ: "لا تَحِلُّ الصَّدقَةَ لِغَنِيّ، وَلا لذي مرةٍ سَويَّ". * * وقوله ﴿فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ يقول: فاستوى هذا الشديد القويّ وصاحبكم محمد بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري برسول الله ﷺ استوى هو وجبريل عليهما السلام بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وعطف بقوله: "وَهُوَ" على ما في قوله: "فاسْتَوَى" من ذكر محمد ﷺ، والأكثر من كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولوا: استوى هو وفلان، وقلَّما يقولون استوى وفلان، وذكر الفرّاء عن بعض العرب أنه أنشده: ألَمْ تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عودُهُ ... وَلا يَسْتَوي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ فرد الخروع على "ما" في يستوي من ذكر النبع، ومنه قوله الله ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ فعطف بالآباء على المكنّى في ﴿كنَّا﴾ من غير إظهار نحن، فكذلك قوله ﴿فَاسْتَوَى وَهُوَ﴾ ، وقد قيل: إن المستوي: هو جبريل، فإن كان ذلك كذلك، فلا مُؤْنة في ذلك، لأن قوله ﴿وَهُوَ﴾ من ذكر اسم جبريل، وكأن قائل ذلك وجَّه معنى قوله ﴿فَاسْتَوَى﴾ : أي ارتفع واعتدل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ جبريل عليه السلام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ والأفق: الذي يأتي منه النهار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله ﴿وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ قال: بأفق المشرق الأعلى بينهما. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ يعني جبريل. ⁕ قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ قال: السماء الأعلى، يعني جبريل عليه السلام. - الآيات ٨–١١بلّغ عن خطأ
﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (٩) فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ (١٠) مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ (١١) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه، وهذا من المؤخِّر الذي معناه القديم، وإنما هو: ثم تدلى فدنا، ولكنه حسن تقديم قوله ﴿دَنَا﴾ ، إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ، كما يقال: زارني فلان فأحسن، وأحسن إليّ فزارني وشتمني فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم: والشتم هو الإساءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ قال: جبريل عليه السلام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ يعني: جبريل. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ قال: هو جبريل عليه السلام. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم دنا الربّ من محمد ﷺ فتدلى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا يحيى بن الأمويّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ قال: دنا ربه فتدلّى. ⁕ حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ "أنه عرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة، وذكر الحديث". * * وقوله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ يقول: فكان جبرائيل من محمد ﷺ على قدر قوسين، أو أدنى من ذلك، يعني: أو أقرب منه، يقال: هو منه قاب قوسين، وقيب قوسين، وقيد قوسين، وقادَ قوسين، وقَدَى قوسين، كل ذلك بمعنى: قدر قوسين. وقيل: إن معنى قوله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أنه كان منه حيث الوتر من القوس. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: حيث الوتر من القوس. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: قِيد قوسين. وقال ذلك قتادة. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصِيف، عن مجاهد ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: قِيدَ، أو قدرَ قوسين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إبراهيم بن طهمان، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله فكان قاب قوسين أو أدنى: قال: دنا جبريل عليه السلام منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عاصم، عن أبي رزين ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى؛ والقاب: هو القيد. واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فقال بعضهم: في ذلك، بنحو الذي قلنا فيه. ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: ثنا زرّ بن حُبيش، قال: قال عبد الله في هذه الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيْتُ جبريلَ لَهُ سِتُّ مِئةِ جنَاحٍ". ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن زرّ، عن ابن مسعود في قوله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: رأى جبرائيل ست مئة جناح في صورته. ⁕ حدثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا قبيص بن ليث الأسدي، عن الشيباني، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: رأى النبيّ ﷺ جبريل عليه السلام له ستّ مئة جناح. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: كان أوّل شأن رسول الله ﷺ أنه رأى في منامه جبريل عليه السلام بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته، فصرخ به جبريل: يا محمد؛ فنظر رسول الله ﷺ يمينا وشمالا فلم ير شيئا ثلاثا؛ ثم خرج فرآه، فدخل في الناس، ثم خرج، أو قال: ثم نظر "أنا أشك"، فرآه، فذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ... إلى قوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ جبريل إلى محمد ﷺ، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ يقول: القاب: نصف الأصبع. وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الشيباني، عن زرّ بن حبيش، عن ابن مسعود ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: له ستّ مئة جناح، يعني جبريل عليه السلام. ⁕ حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا زكريا، عن ابن أشوع، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: ما قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرّة في صورته، فسدّ أفق السماء. وقال آخرون: بل الذي دنا فكان قاب قوسين أو أدنى: جبريل من ربه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: الله من جبريل عليه السلام. وقال آخرون: بل كان الذي كان قاب قوسين أو أدنى: محمد من ربه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن موسى بن عبيد الحميري، عن محمد بن كعب القرظي، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ قال: قلنا يا نبيّ الله: هل رأيت ربك؟ قال: "لَمْ أرَهُ بعَيْني، ورأيتُهُ بفُؤَادي مَرَّتَيْن"، ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ . ⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثيّ، عن كثير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: " لَمَّا عُرِجَ بي، مَضَى جِبْريل حتى جاءَ الجَنَّةَ، قالَ: فَدَخَلْتُ فأُعْطيتُ الكَوْثَر، ثُمَّ مَضَى حتى جاءَ السِّدْرَةَ المُنْتَهَى، فَدَنَا رَبُّكَ فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى". * * وقوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فأوحى الله إلى عبده محمد وحيه، وجعلوا قوله: ﴿مَا أَوْحَى﴾ بمعنى المصدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربه. وقد يتوجه على هذا التأويل "مَا" للوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى "الذي"، فيكون معنى الكلام فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربه. والآخر: أن يكون بمعنى المصدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي، عن قتادة ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ، قال الحسن: جبريل. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: على لسان جبريل. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبى جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: أوحى جبريل إلى رسول الله ﷺ ما أوحى الله إليه. وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربه، لأن افتتاح الكلام جرى في أوّل السورة بالخبر عن رسول الله ﷺ، وعن جبريل عليه السلام، وقوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ في سياق ذلك ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه. * * وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقول تعالى ذكره: ما كذب فؤاد محمد محمدا الذي رأى، ولكنه صدّقه. واختلف أهل التأويل في الذي رآه فؤاده فلم يكذبه، فقال بعضهم: الذي رآه فؤاده رب العالمين، وقالوا جعل بصره في فؤاده، فرآه بفؤاده، ولم يره بعينه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثني عمي سعيد عبد الرحمن بن سعيد، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه ﷺ. ⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبر عباد، يعني ابن منصور، قال: سألت عكرمة، عن قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: أتريد أن أقول لك قد رآه، نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه حتى ينقطع النفس. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، قال: سمعت عكرِمة، وسُئل هل رأى محمد ربه، قال نعم، قد رأى ربه. ⁕ قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا سالم مولى معاوية، عن عكرمة، مثله. ⁕ حدثنا أحمد بن عيسى التميمي، قال: ثنا سليمان بن عمرو بن سيار، قال: ثني أبي، عن سعيد بن زربى عن عمرو بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "رَأَيْتُ ربِّي فِي أَحْسَن صُورَةٍ، فَقالَ لي: يا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الأعْلَى؟ فَقُلْتُ: لا يا رَبّ فَوضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَّ فَعَلِمْت ما في السَّماء والأرض فَقُلْتُ: يا رَبِّ فِي الدَّرَجَاتِ والكَفَّارَاتِ وَنَقْلِ الأقْدَامِ إلى الجُمُعات، وَانْتَظارِ الصَّلاة بعْد الصَّلاة، فَقُلْتُ: يَا رَبّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إبْراهيم خَليلا وكَلَّمْتَ مُوسَى تَكليما، وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ؟ فقال: ألمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ ألَمْ أضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ ألَمْ أَفْعَلْ بِكَ؟ ألم أفْعَلْ. قال: "فَأفْضَى إليًّ بأشْياءَ لَمْ يُؤذَنْ لي أنْ أُحَدّثكُمُوها؛ قال: فَذلكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ يُحدّثْكُمُوهُ: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى،"فَجَعَل نُورَ بَصَري فِي فُؤَادِي، فَنَظَرْتُ إلَيْهِ بفُؤَادِي ". ⁕ حدثني محمد بن عمارة وأحمد بن هشام، قالا ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه مرّتين بفؤاده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلَّة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية صلوات الله عليهم. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان عن الأعمش، عن زياد بن الحصين، عن أبي العالية عن ابن عباس ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بفؤاده. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق عمن سمع ابن عباس يقول ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى محمد ربه. ⁕ قال ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ فلم يكذّبه ﴿مَا رَأَى﴾ قال: رأى ربه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال رأى محمد ربه بفؤاده. وقال آخرون: بل الذي رآه فؤاده فلم يكذبه جبريل عليه السلام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن بزيع البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. ⁕ حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم عن زرّ، عن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح، يَنْفضُ مِنْ رِيشهِ التَّهاويلَ الدُّرَّ والياقُوتَ ". ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، وإبراهيم بن يعقوب، قالا ثنا زيد بن الحباب، أن الحسين بن واقد، حدثه قال: حدثني عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح" زاد الرفاعيّ في حديثه، فسألت عاصما عن الأجنحة، فلم يخبرني، فسألت أصحابي، فقالوا: كلّ جناح ما بين المشرق والمغرب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى جبريل في صورته التي هي صورته، قال: وهو الذي رآه نزلة أخرى. واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة ﴿كَذبَ﴾ بالتخفيف، غير عاصم الجحدري وأبي جعفر القارئ والحسن البصري فإنهم قرءوه "كذب" بالتشديد، بمعنى: أن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقا وصدقا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك: ما كذّب صاحب الفؤاد ما رأى. وقد بيَّنا معنى من قرأ ذلك بالتخفيف. والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.
الجزء ١ من ٤التالي
تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.