- الآيات ١–٦بلّغ عن خطأ
﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ (١) قَيِّمًۭا لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا (٢) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا (٣) وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا (٤) مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِءَابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا (٥) فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) ﴾
المجلد الخامس من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ الإمام العالم العلامة شيخنا عبد الرحمن الناصر بن سعدي غفر الله له آمين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأصلي وأسلم على محمد وآله وصحبه. أما بعد؛ فلما كان علم التفسير للقرآن أشرف العلوم على الإطلاق وأهمها وأحقها بتحقيق معانيه وفهم مبانيه؛ لكونه تنزيلا من حكيم حميد، أنزله هدى ورحمة للعباد وتبيانا لكل شيء وتفصيلا لكل ما يحتاجونه في دينهم ودنياهم وأخراهم، وكان من خاصة علم القرآن أن فهم بعضه وطائفة منه يعين على فهم جميعه؛ لأن القرآن من أوله إلى آخره يدور على تقرير الأصول النافعة والحقائق والشرائع الكبار والأحكام الحسنة والعقائد الصحيحة، ويوجه العباد إلى كل خير، ويحذرهم من كل شر، ويعيد تقرير لهذه الأمور ويبديها، بأساليب متنوعة وتصاريف مناسبة في غاية اليسر والسهولة والإحكام والشي الذي لا مزيد عليه. وقد تكرر عليَّ السؤال من كثير من الأصحاب في نشر تفسيرنا هذا جميعه، وألحوا لما يرونه من الفائدة الكبيرة، فاعتذر بأن ذلك يصعب جدًا؛ لأنه مبسوط، وأيضا في هذه الأوقات قلت رغبات الناس في الكتب المطولة؛ ولذلك أحببت إجابتهم لنشر بعض ما طلبوا، وهو الاقتصار على جزء واحد من أجزاء هذا التفسير ، ووقع الاختيار على الجزء الأوسط من سورة الكهف إلى آخر النمل؛ فما لا يحصل جميعه لا يترك جميعه. وأرجو الله وأسأله أن يجعل لك خالصًا لوجهه، نافعًا لنا ولإخواننا، وأن يمدنا بعونه وعنايته وتوفيقه؛ إنه جواد کريم رءوف رحيم. وأتبعته بكليات وأصول من كليات التفسير؛ لاستدراك ما لعله يفوت القارئ في غير هذا الجزء؛ فإن الأصول والكليات تبني عليها الفروع والجزئيات، ويحصل بها من النفع والفائدة على اختصارها ما لا يحصل في الكلام الطويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. المؤلف وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1}{الحمد}: هو الثناء عليه بصفاته التي هي كلُّها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينيَّة والدنيويَّة، وأجلُّ نعمه على الإطلاق إنزالُه الكتاب العظيم على عبده ورسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشادُ العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم. ثم وَصَفَ هذا الكتاب بوصفين مشتملين على أنَّه الكامل من جميع الوجوه، وهما: نفي العِوَج عنه، وإثباتُ أنَّه مقيمٌ مستقيمٌ: فنفي العِوَج يقتضي أنَّه ليس في أخباره كذبٌ، ولا في أوامره ونواهيه ظلمٌ ولا عَبَثٌ. وإثبات الاستقامة يقتضي أنَّه لا يخبر ولا يأمر إلاَّ بأجلِّ الإخبارات، وهي الأخبار التي تملأ القلوب معرفةً وإيماناً وعقلاً؛ كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدِّمة والمتأخِّرة، وأنَّ أوامره ونواهيه تزكِّي النفوس وتطهِّرها وتنمِّيها وتكمِّلها؛ لاشتمالها على كمال العدل والقِسْط والإخلاص والعبوديَّة لله ربِّ العالمين وحده لا شريكَ له. وحقيقٌ بكتابٍ موصوفٍ بما ذُكِر أن يَحْمَدِ الله نفسَه على إنزالِهِ، وأن يتمدَّح إلى عباده به. {2} وقوله: {لينذِرَ بأساً شديداً من لَدُنۡه}؛ أي: لينذر بهذا القرآن الكريم عقابَه الذي عنده؛ أي: قدره وقضاه على من خالف أمره، وهذا يشمَلُ عقاب الدُّنيا وعقاب الآخرة. وهذا أيضاً من نعمه أنْ خوَّف عباده وأنذرَهم ما يضرُّهم ويُهلكهم؛ كما قال تعالى لما ذَكَرَ في هذا القرآن وصف النار؛ قال:{ذلك يُخَوِّفُ الله به عبادَه يا عبادِ فاتَّقونِ}؛ فمن رحمته بعباده أن قيَّضَ العقوباتِ الغليظةَ على من خالف أمره وبيَّنها لهم وبيَّن لهم الأسباب الموصلة إليها. {ويبشِّر المؤمنين الذين يعملونَ الصَّالحاتِ أنَّ لهم أجراً حسناً}؛ أي: وأنزل الله على عبدِهِ الكتاب ليبشِّر المؤمنين به وبرسلِهِ وكتبِهِ الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي الأعمال الصالحة من واجبٍ ومستحبٍّ، التي جمعت الإخلاص والمتابعة:{أنَّ لهم أجراً حسناً}: وهو الثوابُ الذي رتَّبه الله على الإيمان والعمل الصالح، وأعظمُهُ وأجلُّه الفوز برضا الله ودخول الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر. وفي وصفه بالحُسْنِ دلالةٌ على أنَّه لا مكدِّر فيه ولا منغِّص بوجه من الوجوه؛ إذْ لو وُجِدَ فيه شيءٌ من ذلك؛ لم يكن حسنُهُ تامًّا. {3} ومع ذلك؛ فهذا الأجر الحسن {ماكثينَ فيه أبداً}: لا يزول عنهم ولا يزولون عنه، بل نعيمُهم في كلِّ وقت متزايدٌ. وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذِكْر الأعمال الموجبة للمبشَّر به، وهو أنَّ هذا القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح موصل لما تستبشرُ به النفوس، وتفرحُ به الأرواح. {4 ـ 5}{وينذرَ الذين قالوا اتَّخذ اللهُ ولداً}: من اليهود والنَّصارى والمشركين، الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة؛ فإنَّهم لم يقولوها عن علم ولا يقين؛ لا علم منهم ولا علم من آبائهم الذين قلَّدوهم واتَّبعوهم، بل إن يتَّبعون إلاَّ الظنَّ وما تَهْوى الأنفُسُ. {كَبُرَتۡ كلمةً تخرُجُ من أفواههم}؛ أي: عَظُمت شناعتُها واشتدَّت عقوبتُها، وأيُّ شناعة أعظم من وصفه بالاتِّخاذ للولد الذي يقتضي نقصه ومشاركة غيره له في خصائص الربوبيَّة والإلهيَّة والكذب عليه؟! {فمن أظلمُ ممَّن افترى على الله كذباً}؟! ولهذا قال هنا:{إن يقولون إلاَّ كَذِباً}؛ أي: كذباً محضاً ما فيه من الصدق شيء. وتأمَّل كيف أبطل هذا القول بالتدريج والانتقال من شيء إلى أبطل منه: فأخبر أولاً أنه {ما لهم به مِن علم ولا لآبائهم}: والقول على الله بلا علم لا شكَّ في منعه وبطلانه. ثم أخبر ثانياً أنَّه قولٌ قبيحٌ شنيعٌ، فقال:{كَبُرَتۡ كلمةً تخرج من أفواههم}. ثم ذكر ثالثاً مرتبته من القُبح، وهو الكذب المنافي للصدق. {6} ولما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على هداية الخلق، ساعياً في ذلك أعظم السعي، فكان - صلى الله عليه وسلم - يفرح ويسرُّ بهداية المهتدين، ويحزن ويأسفُ على المكذِّبين الضالِّين؛ شفقةً منه - صلى الله عليه وسلم - عليهم، ورحمةً بهم؛ أرشده الله أن لا يَشْغَلَ نفسه بالأسف على هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا القرآن؛ كما قال في [الآية] الأخرى: {لعلَّك باخعٌ نفسَكَ أن لا يكونوا مؤمنين}، وقال:{فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ}، وهنا قال:{فلعلَّك باخعٌ نفسَك}؛ أي: مهلكها غمًّا وأسفاً عليهم، وذلك أنَّ أجرك قد وَجَبَ على الله، وهؤلاء لو عَلِمَ اللهُ فيهم خيراً لهداهم، ولكنَّه علم أنهم لا يَصْلُحون إلا للنار؛ فلذلك خَذَلَهم فلم يهتدوا؛ فإشغالك نفسك غمًّا وأسفاً عليهم ليس فيه فائدةٌ لك. وفي هذه الآية ونحوها عبرةٌ؛ فإنَّ المأمور بدعاء الخلق إلى الله عليه التبليغ والسعي بكلِّ سبب يوصِلُ إلى الهداية، وسدِّ طرق الضَّلال والغواية، بغاية ما يمكِنُه، مع التوكُّل على الله في ذلك؛ فإن اهتدوا؛ فبها ونعمت، وإلاَّ؛ فلا يحزنْ ولا يأسفْ؛ فإنَّ ذلك مضعفٌ للنفس، هادمٌ للقُوى، ليس فيه فائدةٌ، بل يمضي على فعلِهِ الذي كُلِّف به وتوجَّه إليه، وما عدا ذلك؛ فهو خارجٌ عن قدرته. وإذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ الله له:{إنَّك لا تَهۡدي مَنۡ أحببتَ}، وموسى عليه السلام يقول:{ربِّ إني لا أملِكُ إلاَّ نَفۡسي وأخي ... } الآية؛ فمن عداهم من باب أولى وأحرى؛ قال تعالى:{فذكِّرۡ إنَّما أنتَ مُذَكِّرٌ لست عليهم بمصيطرٍ}. - الآيات ٧–٨بلّغ عن خطأ
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧) وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا (٨) ﴾
{7} يخبر تعالى أنه جعل جميع ما على وجه الأرض من مآكل لذيذةٍ ومشاربَ وملابسَ طيبةٍ وأشجارٍ وأنهارٍ وزروع وثمارٍ ومناظرَ بهيجةٍ ورياضٍ أنيقةٍ وأصواتٍ شجيَّةٍ وصورٍ مليحةٍ وذهبٍ وفضةٍ وخيلٍ وإبلٍ ونحوها؛ الجميع جعله الله زينةً لهذه الدار فتنةً واختباراً؛ {لِنَبۡلُوَهم أيُّهم أحسنُ عملاً}؛ أي: أخلصه وأصوبه. {8} ومع ذلك سيجعلُ الله جميع هذه المذكورات فانيةً مضمحلَّةً وزائلةً منقضيةً، وستعود الأرض {صعيداً جُرزاً}: قد ذهبت لذَّاتها وانقطعتْ أنهارُها واندرستْ آثارُها وزال نعيمُها. هذه حقيقة الدُّنيا، قد جلاَّها الله لنا كأنَّها رأي عين، وحذَّرنا من الاغترار بها، ورغَّبنا في دارٍ يدوم نعيمها ويسعدُ مقيمها، كلُّ ذلك رحمةً بنا، فاغترَّ بزُخْرُفِ الدُّنيا وزينتها مَنْ نَظَرَ إلى ظاهر الدُّنيا دون باطنها، فصحبوا الدُّنيا صحبة البهائم، وتمتَّعوا بها تمتُّع السوائم، لا ينظُرون في حقِّ ربِّهم، ولا يهتمُّون لمعرفته، بل همُّهم تناول الشهوات من أيِّ وجهٍ حصلت وعلى أيِّ حالةٍ اتَّفقت؛ فهؤلاء إذا حضر أحدَهم الموتُ، قلق لخراب ذاتِهِ وفوات لذَّاتِهِ، لا لما قدَّمت يداه من التفريط والسيئات. وأمَّا من نَظَرَ إلى باطن الدُّنيا وعلم المقصود منها ومنه؛ فإنَّه تناول منها ما يستعين به على ما خُلِقَ له، وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدُّنيا منزل عبورٍ لا محلَّ حبور، وشُقَّة سفرٍ لا منزل إقامةٍ، فبذل جهدَهُ في معرفة ربِّه وتنفيذ أوامره وإحسان العمل؛ فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيقٌ منه بكلِّ كرامة ونعيم وسرورٍ وتكريم، فنظر إلى باطن الدُّنيا حين نظر المغترُّ إلى ظاهرها، وعمل لآخرتِهِ حين عملَ البطَّال لدُنياه، فشتَّان ما بين الفريقين! وما أبعد الفرقَ بين الطائفتين! - الآيات ٩–١٢بلّغ عن خطأ
﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟ أَمَدًۭا (١٢) ﴾
{9} وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي؛ أي: لا تظنَّ أنَّ قصَّة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبةٌ على آيات الله وبديعةٌ في حكمته، وأنَّه لا نظير لها ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثيرٌ من جنس آياتِهِ في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يُري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبيَّن به الحقُّ من الباطل والهدى من الضلال. وليس المراد بهذا النفي عن أن تكون قصَّة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنَّما المرادُ أن جنسها كثيرٌ جدًّا؛ فالوقوف معها وحدها في مقام العَجَبِ والاستغراب نقصٌ في العلم والعقل، بل وظيفةُ المؤمن التفكُّر بجميع آيات الله التي دعا الله العبادَ إلى التفكُّر فيها؛ فإنَّها مفتاحُ الإيمان وطريقُ العلم والإيقان. وإضافتهم إلى الكهف الذي هو الغارُ في الجبل، {والرقيم}؛ أي: الكتاب الذي قد رُقِمَتْ فيه أسماؤهم وقصَّتُهم لملازمتهم له دهراً طويلاً. {10} ثم ذكر قصَّتهم مجملةً فصَّلها بعد ذلك فقال: {إذ أوى الفتيةُ}؛ أي: الشباب {إلى الكهف}: يريدون بذلك التحصُّن والتحرُّز من فتنة قومهم لهم، {فقالوا ربَّنا آتنا من لدُنك رحمةً}؛ أي: تُثَبِّتنا بها وتحفظُنا من الشرِّ وتوفِّقنا للخير، {وهيِّئ لنا من أمرِنا رَشَداً}؛ أي: يسِّر لنا كلَّ سببٍ موصل إلى الرشد، وأصلحْ لنا أمر ديننا ودُنيانا؛ فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محلٍّ يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرُّعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم وعدم اتِّكالهم على أنفسهم وعلى الخلق. {11} فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيَّض لهم ما لم يكن في حسابهم؛ قال:{فضَرَبۡنا على آذانهم في الكهف}؛ أي: أنمناهم {سنينَ عدداً}: وهي ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظٌ لقلوبهم من الاضطراب والخوف وحفظٌ لهم من قومهم، [وليكون آية بينة]. {12}{ثم بعثۡناهم}؛ أي: من نومهم، {لنعلم أيُّ الحزبينِ أحصى لما لَبِثوا أمداً}؛ أي: لنعلم أيُّهم أحصى لمقدار مدَّتهم؛ كما قال تعالى:{وكذلك بَعَثۡناهم ليتساءلوا بينهم ... } الآية، وفي العلم بمقدار لَبْثِهِم ضبطٌ للحساب، ومعرفةٌ لكمال قدرة الله تعالى وحكمتِهِ ورحمتِهِ؛ فلو استمرُّوا على نومهم؛ لم يحصُل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم. - الآيات ١٣–١٤بلّغ عن خطأ
﴿ نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَٰهُمْ هُدًۭى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا (١٤) ﴾
{13} هذا شروعٌ في تفصيل قصَّتهم، وأنَّ الله يقصُّها على نبيِّه بالحقِّ والصدق الذي ما فيه شكٌّ ولا شبهةٌ بوجه من الوجوه. {إنَّهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم}: وهذا من جموع القلَّة، يدلُّ ذلك على أنَّهم دون العشرة، آمنوا بالله وحدَه لا شريك له من دون قومهم، فشكر اللهُ لهم إيمانَهم، فزادهم هدىً؛ أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان زادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح؛ كما قال تعالى:{ويزيدُ الله الذين اهتَدَوۡا هدىً}. {14}{وربطنا على قلوبهم}؛ أي: صبَّرناهم وثبَّتناهم وجعلنا قلوبهم مطمئنَّة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفِهِ تعالى بهم وبرِّه أنْ وفَّقهم للإيمان والهدى والصبر والثبات والطمأنينة. {إذۡ قاموا فقالوا ربُّنا ربُّ السمواتِ والأرض}؛ أي: الذي خَلَقَنا ورَزَقَنا ودبَّرنا وربَّانا هو خالق السماواتِ والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام، التي لا تَخْلُق ولا ترزُقُ ولا تملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فاستدلوا بتوحيد الربوبيَّة على توحيد الإلهيَّة. ولهذا قالوا:{لن نَدۡعُوَ من دونِهِ إلهاً}؛ أي: من سائر المخلوقات، {لقد قُلۡنا إذاً} ـ أي: إن دَعَوْنا معه آلهةً بعدما علمنا أنَّه الربُّ الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلاَّ له ـ {شططاً}؛ أي: ميلاً عظيماً عن الحقِّ، وطريقاً بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبيَّة وتوحيد الإلهيَّة والتزام ذلك وبيان أنَّه الحقُّ وما سواه باطلٌ، وهذا دليلٌ على كمال معرفتهم بربِّهم وزيادة الهدى من الله لهم. - الآية ١٥بلّغ عن خطأ
﴿ هَٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴾
{15} لما ذكروا ما مَنَّ الله به عليهم من الإيمان والهدى والتقوى؛ التفتوا إلى ما كان عليه قومُهم من اتِّخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، وبيَّنوا أنهم ليسوا على يقينٍ من أمرهم، بل هم في غاية الجهل والضلال، فقالوا:{لولا يأتونَ عليهم بسلطانٍ بيِّن}؛ أي: بحجَّة وبرهان على ما هُمْ عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلاً إلى ذلك، وإنَّما ذلك افتراءٌ منهم على الله وكذبٌ عليه، وهذا أعظم الظُّلم، ولهذا قال:{فمن أظۡلَمُ ممَّنِ افترى على الله كَذِباً}. - الآية ١٦بلّغ عن خطأ
﴿ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴾
{16} أي: قال بعضهم لبعض: إذ حَصَلَ لكم اعتزالُ قومكم في أجسامكم وأديانكم؛ فلم يَبْقَ إلاَّ النجاء من شرِّهم والتسبُّب بالأسباب المفضية لذلك؛ لأنَّه لا سبيل لهم إلى قتالهم ولا بقائهم بين أظهرهم وهم على غير دينهم. {فأوُوا إلى الكهفِ}؛ أي: انضمُّوا إليه واختفوا فيه، {يَنۡشُرۡ لكم ربُّكم من رحمتِهِ ويهيِّئۡ لكم من أمرِكُم مِرۡفَقاً}: وفيما تقدَّم أخبر أنهم دَعَوْه بقولهم: {ربَّنا آتنا من لَدُنۡكَ رحمةً وهَيِّئ لنا من أمرنا رَشَداً}؛ فجمعوا بين التبرِّي من حولهم وقوَّتهم والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جَرَمَ أنَّ الله نَشَرَ لهم من رحمتِهِ وهيَّأ لهم من أمرهم مِرْفَقاً؛ فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن ما هو من رحمته بهم، ويسَّر لهم كلَّ سبب، حتَّى المحلَّ الذي ناموا فيه كان على غايةِ ما يمكنُ من الصيانة؛ ولهذا قال: - الآيات ١٧–١٨بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا (١٨) ﴾
{17} أي: حفظهم الله من الشمس، فيسَّر لهم غاراً إذا طلعت الشمسُ؛ تميلُ عنه يميناً، وعند غروبها تميلُ عنه شمالاً؛ فلا ينالُهم حرُّها فتفسدُ أبدانُهم بها. {وهم في فجوةٍ منه}؛ أي: من الكهف؛ أي: مكان متَّسع، وذلك ليطرُقَهم الهواءُ والنسيمُ، ويزولُ عنهم الوخم والتأذِّي بالمكان الضيِّق، خصوصاً مع طول المكث، و {ذلك من آيات الله}: الدالَّة على قدرته ورحمته وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال:{مَن يَهۡدِ الله فهو المهتدِ}؛ أي: لا سبيل إلى نيل الهداية إلاَّ من الله؛ فهو الهادي المرشدُ لمصالح الدارين. {ومَن يُضۡلِلۡ فلن تَجِدَ له وليًّا مرشداً}؛ أي: لا تجد من يتولاَّه ويدبِّره على ما فيه صلاحُه، ولا يرشِدُه إلى الخير والفلاح؛ لأنَّ الله قد حَكَمَ عليه بالضَّلال، ولا رادَّ لحكمِهِ. {18}{وتحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ}؛ أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنَّهم أيقاظٌ، والحالُ أنَّهم نيامٌ. قال المفسرون: وذلك لأنَّ أعينَهم منفتحةٌ لئلاَّ تفسدَ؛ فالناظرُ إليهم يحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ. {ونقلِّبُهم ذات اليمين وذات الشمال}: وهذا أيضاً من حفظه لأبدانهم؛ لأنَّ الأرض من طبيعتها أكلُ الأجسام المتَّصلة بها؛ فكان من قَدَرِ الله أن قلَّبهم على جنوبِهِم يميناً وشمالاً بقدر ما لا تُفْسِدُ الأرض أجسامهم، والله تعالى قادرٌ على حفظهم من الأرض من غير تقليبٍ، ولكنَّه تعالى حكيمٌ، أراد أن تجرِيَ سنَّته في الكون ويربُطَ الأسباب بمسبّباتها. {وكلبُهُم باسطٌ ذراعية بالوصيد}؛ أي: الكلب الذي كان مع أصحابِ الكهف أصابَهُ ما أصابَهم من النوم وقتَ حراستِهِ، فكان باسطاً ذراعيه بالوصيد؛ أي: الباب أو فنائه. هذا حفظُهم من الأرض، وأما حفظُهم من الآدميين؛ فأخبر أنَّه حماهم بالرُّعب الذي نَشَرَهُ الله عليه؛ فلو اطَّلع عليهم أحدٌ؛ لامتلأ قلبه رعباً وولَّى منهم فراراً، وهذا الذي أوجب أن يبقَوْا كلَّ هذه المدَّة الطويلة وهم لم يعثر عليهم أحدٌ مع قربهم من المدينة جدًّا، والدليل على قربهم أنَّهم لما استيقظوا؛ أرسلوا أحدَهم يشتري لهم طعاماً من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدلَّ ذلك على شدَّة قربهم منها. - الآيات ١٩–٢٠بلّغ عن خطأ
﴿ وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا (٢٠) ﴾
{19} يقول تعالى: {وكذلك بَعَثۡناهم}: من نومهم الطويل، {ليتساءلوا بينَهم}؛ أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدَّة لبثهم. {قال قائلٌ منهم كم لبِثۡتُم قالوا لَبِثنا يوماً أو بعض يوم}: وهذا مبنيٌّ على ظنِّ القائل، وكأنَّهم وقع عندهم اشتباهٌ في طول مدَّتهم؛ فلهذا {قالوا ربُّكم أعلمُ بما لَبِثۡتُم}: فردُّوا العلم إلى المحيط علمُهُ بكلِّ شيءٍ جملةً وتفصيلاً، ولعلَّ الله تعالى بعد ذلك أطلعهم على مدَّة لبثهم؛ لأنَّه بَعَثَهم ليتساءلوا بينَهم، وأخبر أنَّهم تساءلوا وتكلَّموا بمبلغ ما عندَهم وصار آخر أمرهم الاشتباه؛ فلا بدَّ أن يكون قد أخبرهم يقيناً؛ عَلِمْنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثاً، ومن رحمته بمن طلبَ علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمُها وسعى لذلك ما أمكنه؛ فإن الله يوضِّح له ذلك، وبما ذَكرَ فيما بعده من قوله:{وكذلك أعۡثَرۡنا عليهم ليَعۡلَموا أنَّ وعد الله حقٌّ وأنَّ الساعةَ لا رَيۡبَ فيها}؛ فلولا أنَّه حصل العلم بحالهم؛ لم يكونوا دليلاً على ما ذكر. ثم إنَّهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به؛ أرسلوا أحدَهم بوَرِقِهم؛ أي: بالدراهم التي كانت معهم؛ ليشتري لهم طعاماً يأكلونه من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخيَّر من الطعام أزكاه؛ أي: أطيبه وألذَّه، وأن يتلطَّف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويُخفي حال إخوانه، ولا يُشْعِرَنَّ بهم أحداً. {20} وذكروا المحذور من اطِّلاع غيرهم عليهم وظهورهم عليهم أنَّهم بين أمرين: إما الرَّجم بالحجارة فيقتلونهم أشنع قِتلة لِحِنْقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم ويردُّوهم في ملَّتهم، وفي هذه الحال لا تفلحون أبداً، بل يخسرون في دينهم ودُنياهم وأخراهم. وقد دلَّت هاتان الآيتان على عدة فوائد: منها: الحثُّ على العلم وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك. ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يردَّه إلى عالمه، وأن يَقِفَ عند حدِّه. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء وصحَّة الشركة في ذلك. ومنها: جواز أكل الطيِّبات والمطاعم اللَّذيذة إذا لم تخرُجْ إلى حدِّ الإسراف المنهيِّ عنه؛ لقوله:{فَلۡيَنظُرۡ أيُّها أزكى طعاماً فليأتِكُم برزقٍ منه}: وخُصوصاً إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك، ولعلَّ هذا عمدة كثير من المفسِّرين القائلين بأنَّ هؤلاء أولاد ملوك؛ لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها. ومنها: الحثُّ على التحرُّز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين واستعمال الكِتْمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين. ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين وفرارهم من كلِّ فتنةٍ في دينهم وتركُهم أوطانَهم في الله. ومنها: ذِكْر ما اشتمل عليه الشرُّ من المضارِّ والمفاسد الداعية لبغضِهِ وتركِهِ، وأنَّ هذه الطريقة هي طريقة المؤمنين المتقدِّمين والمتأخِّرين؛ لقولهم:{ولن تُفۡلِحوا إذاً أبداً}. - الآية ٢١بلّغ عن خطأ
﴿ وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَٰنًۭا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًۭا ﴾
{21} يخبر تعالى أنَّه أطْلَعَ الناس على حال أهل الكهف، وذلك ـ والله أعلم ـ بعدما استيقظوا وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمراً فيه صلاحٌ للناس وزيادةُ أجرٍ لهم، وهو أنَّ الناس رأوا منهم آيةً من آيات الله المشاهَدَةِ بالعيان على أنَّ وعدَ الله حقٌّ لا شكَّ فيه ولا مِرْيةَ ولا بُعْدَ بعدما كانوا يتنازعون بينَهم أمرَهم؛ فمن مثبتٍ للوعد والجزاء ومن نافٍ لذلك، فجعل قصَّتَهم زيادةَ بصيرةٍ ويقينٍ للمؤمنين وحجَّةً على الجاحدين، وصار لهم أجرُ هذه القضيَّة، وشهَّر الله أمرهم، ورفع قدرهم، حتى عظَّمهم الذين اطَّلعوا عليهم؛ قالوا:{ابنوا عليهم بُنياناً}: الله أعلمُ بحالهم ومآلهم! وقال مَنْ غَلَبَ على أمرهم ـ وهم الذين لهم الأمرُ ـ: {لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مسجداً}؛ أي: نعبد الله تعالى فيه ونتذكَّر به أحوالهم وما جرى لهم. وهذه الحالة محظورةٌ نهى عنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وذمَّ فاعليها، ولا يدلُّ ذكرها هنا على عدم ذمِّها؛ فإنَّ السياق في شأن أهل الكهف والثناء عليهم، وأنَّ هؤلاء وصلت بهم الحالُ إلى أن قالوا ابنوا عليهم مسجداً بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم وحَذَرِهم من الاطِّلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى. وفي هذه القصة دليلٌ على أنَّ من فرَّ بدينه من الفتن؛ سلَّمه الله منها، وأنَّ مَن حرص على العافية؛ عافاه الله، ومن أوى إلى الله؛ آواه الله وجعله هدايةً لغيره، ومن تحمل الذُّلَّ في سبيله وابتغاء مرضاته؛ كان آخرُ أمره وعاقتبه العز العظيم من حيث لا يحتسب، وما عند الله خيرٌ للأبرار. - الآية ٢٢بلّغ عن خطأ
﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ﴾
{22} يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدَّة أصحاب الكهف اختلافاً صادراً عن رجمهم بالغيب وتقوُّلهم بما لا يعلمون، وأنَّهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم من يقولُ: {ثلاثةٌ رابُعهم كلبهم}، ومنهم من يقول:{خمسةٌ سادسُهم كلبُهم}، وهذان القولان ذكر الله بعدهما أنَّ هذا رجمٌ منهم بالغيب، فدلَّ على بطلانهما، ومنهم من يقول:{سبعةٌ وثامِنُهم كلبُهم}، وهذا ـ والله أعلم ـ هو الصوابُ؛ لأنَّ الله أبطل الأوَّلَيْن ولم يبطِلْه، فدلَّ على صحَّته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصُلُ بمعرفة عددهم مصلحةٌ للناس دينيَّة ولا دنيويَّة، ولهذا قال تعالى:{قل ربِّي أعلمُ بعِدَّتِهم لا يعلمُهُم إلاَّ قليلٌ}: وهم الذين أصابوا الصوابَ وعلموا إصابتهم. {فلا تمارِ}: تجادل وتُحاج {فيهم إلاَّ مراء ظاهرا}؛ أي: مبنياً على العلم واليقين، ويكون أيضاً فيه فائدةٌ، وأما المماراة المبنيَّة على الجهل والرجم بالغيب أو التي لا فائدةَ فيها: إما أنْ يكونَ الخصمُ معانداً، أو تكون المسألةُ لا أهميَّة فيها ولا تحصُلُ فائدةٌ دينيَّةٌ بمعرفتها؛ كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك؛ فإنَّ في كثرة المناقشات فيها والبحوث المتسلسلة تضييعاً للزَّمان وتأثيراً في مودَّة القلوب بغير فائدة. {ولا تَسۡتَفۡتِ فيهم}؛ أي: في شأن أهل الكهف {منهم}؛ أي: من أهل الكتاب، {أحداً}: وذلك لأنَّ مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظنِّ الذي لا يُغني من الحقِّ شيئاً؛ ففيها دليلٌ على المنع من استفتاء مَنْ لا يَصْلُحُ للفتوى: إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلَّم به، وليس عنده ورعٌ يحجُزُه، وإذا نُهي عن استفتاءِ هذا الجنس؛ فنهيُهُ هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى. وفي الآية أيضاً دليلٌ على أن الشخص قد يكون منهيًّا عن استفتائه في شيء دون آخر، فيُسْتَفْتى فيما هو أهلٌ له بخلاف غيره؛ لأنَّ الله لم يَنْهَ عن استفتائهم مطلقاً، إنَّما نهى عن استفتائهم في قصَّةِ أصحاب الكهف وما أشبهها. - الآيات ٢٣–٢٤بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًۭا (٢٤) ﴾
{23} هذا النهيُ كغيرِهِ، وإنْ كان لسببٍ خاصٍّ وموجه للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّ الخطاب عامٌّ للمكلَّفين؛ فنهى الله أن يقولَ العبدُ في الأمور المستقبلة:{إنِّي فاعلٌ ذلك}: من دون أن يقرِنَه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحذورِ، وهو الكلامُ على الغيوب المستقبلة التي لا يَدْري هل يفعلُه أم لا؟ وهل تكون أم لا؟ وفيه ردُّ الفعل إلى مشيئة العبد استقلالاً، وذلك محذورٌ محظورٌ؛ لأنَّ المشيئة كلها لله، {وما تشاؤون إلاَّ أنۡ يشاءَ اللهُ ربُّ العالمين}، ولما في ذكر مشيئة الله من تيسير الأمر وتسهيلِهِ وحصول البركةِ فيه والاستعانةِ من العبد لربِّه. {24} ولما كان العبد بشراً لا بدَّ أن يسهو عن ذكر المشيئة ؛ أمَرَه الله أن يستثني بعد ذلك إذا ذَكَرَ؛ ليحصُلَ المطلوب ويندفِعَ المحذورُ. ويؤخَذُ من عموم قوله:{واذكُرۡ رَبَّك إذا نسيتَ}: الأمرُ بذِكْر الله عند النسيان؛ فإنَّه يزيله ويذكِّر العبدَ ما سها عنه. وكذلك يؤمَرُ الساهي الناسي لذِكْرِ الله أن يَذْكُرَ ربَّه ولا يكوننَّ من الغافلين. ولما كان العبدُ مفتقراً إلى الله في توفيقه للإصابة وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله؛ أمره الله أن يقول:{عسى أن يَهۡدِيَني ربِّي لأقربَ من هذا رَشَداً}: فأمره أن يدعو الله ويرجوه ويَثِقَ به أنْ يَهْدِيَه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد، وحريٌّ بعبد تكون هذه حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغُ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يُوَفَّق لذلك، وأن تأتِيَه المعونةُ من ربِّه، وأن يسدِّدَه في جميع أموره. - الآيات ٢٥–٢٦بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا (٢٥) قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا (٢٦) ﴾
{25 ـ 26} لمَّا نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب في شأن أهل الكهف لعدم علمهم بذلك، وكان الله عالم الغيب والشهادة العالم بكلِّ شيء؛ أخبره الله بمدَّة لَبثهم، وأنَّ علم ذلك عنده وحدَه؛ فإنَّه من غيب السماواتِ والأرض، وغيبُها مختصٌّ به؛ فما أخبر به عنها على ألسنةِ رُسُلِهِ؛ فهو الحقُّ اليقين الذي لا يُشَكُّ فيه، وما لا يُطْلِعُ رسلَه عليه؛ فإنَّ أحداً من الخلق لا يعلمه. وقوله:{أبصِرۡ به وأسمعۡ}: تعجُّبٌ من كمال سمعه وبصره وإحاطتهما بالمسموعات والمبصَرات بعدما أخبر بإحاطة علمِهِ بالمعلومات، ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامَّة والخاصَّة؛ فهو الوليُّ الذي يتولَّى تدبير جميع الكون، والوليُّ لعباده المؤمنين؛ يخرِجُهم من الظُّلمات إلى النور، وييسِّرهم لليسرى، ويجنِّبهم العسرى، ولهذا قال:{ما لهم من دونِهِ من وليٍّ}؛ أي: هو الذي تولَّى أصحاب الكهف بلطفِهِ وكرمِهِ، ولم يَكِلْهم إلى أحدٍ من الخلق. {ولا يُشۡرِكُ في حكمِهِ أحداً}: وهذا يشمَلُ الحكمَ الكونيَّ القدريَّ والحكم الشرعيَّ الدينيَّ؛ فإنَّه الحاكم في خلقه قضاءً وقدراً وخلقاً وتدبيراً، والحاكم فيهم بأمرِهِ ونهيِهِ وثوابِهِ وعقابِهِ. ولما أخبر أنه تعالى له غيب السماواتِ والأرض؛ فليس لمخلوقٍ إليها طرها طريقٌ إلاَّ عن الطريق التي يُخبر بها عبادَه، وكان هذا القرآن قد اشتمل على كثيرٍ من الغُيوب؛ أمر تعالى بالإقبال عليه، فقال: - الآية ٢٧بلّغ عن خطأ
﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ﴾
{27} التلاوة: هي الاتِّباع؛ أي: اتَّبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها وتصديق أخباره وامتثال أوامره ونواهيه؛ فإنَّه الكتاب الجليل، الذي لا مبدِّل لكلماته؛ أي: لا تُغَيَّر ولا تُبَدَّل لصدقها وعدلها وبلوغها من الحسن فوق كلِّ غاية، {وَتَمَّتۡ كلمةُ ربِّك صدقاً وعدلاً}؛ فلكمالها استحال عليها التغييرُ والتبديل، فلو كانت ناقصةً؛ لَعَرَضَ لها ذلك أو شيءٌ منه. وفي هذا تعظيم للقرآن في ضمنه الترغيبُ على الإقبال عليه. {وَلَن تَجِدَ من دونه مُلۡتَحَداً}؛ أي: لن تجد من دون ربِّك ملجأ تلجأ إليه ولا مَعاذًا تعوذ به؛ فإذا تعيَّن أنَّه وحده الملجأ في كلِّ الأمور؛ تعيَّن أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السرَّاء والضرَّاء، المفتَقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب. - الآية ٢٨بلّغ عن خطأ
﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ﴾
{28} يأمر تعالى نبيَّه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وغيره أسوته في الأوامر والنواهي أن يصبر نفسه مع المؤمنين العُبَّاد المنيبين. {الذين يَدۡعونَ ربَّهم بالغداة والعشيِّ}؛ أي: أول النهار وآخره؛ يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها؛ ففيها الأمر بصحبة الأخيار ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم، وإنْ كانوا فقراء؛ فإنَّ في صحبتهم من الفوائد ما لا يُحصى. {ولا تَعۡدُ عيناك عنهم}؛ أي: لا تجاوزهم بصرك وترفع عنهم نظرك؛ {تريد زينةَ الحياةِ الدُّنيا}؛ فإنَّ هذا ضارٌّ غير نافع، قاطعٌ عن المصالح الدينيَّة؛ فإنَّ ذلك يوجب تعلُّق القلب بالدُّنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبةُ في الآخرة؛ فإنَّ زينة الدُّنيا تروق للناظر وتَسْحَر القلب ، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويُقْبِلُ على اللَّذَّات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبديَّة والندامة السرمديَّة، ولهذا قال:{ولا تُطِعۡ من أغۡفَلۡنا قلبه عن ذكرنا}: غَفَلَ عن الله فعاقبه بأن أغْفَلَه عن ذكره، {واتَّبَع هواه}؛ أي: صار تبعاً لهواه؛ حيث ما اشتهتْ نفسُه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخُسرانه؛ فهو قد اتَّخذ إلهه هواه؛ كما قال تعالى:{أفرأيتَ مَنِ اتَّخذ إلهه هواه وأضلَّه الله على علم ... } الآية. {وكان أمرُهُ}؛ أي: مصالح دينه ودنياه {فُرُطاً}؛ أي: ضائعة معطَّلة؛ فهذا قد نهى الّله عن طاعته؛ لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنَّه لا يدعو إلاَّ لما هو متَّصف به. ودلَّت الآية على أنَّ الذي ينبغي أن يُطاع، ويكون إماماً للناس مَن امتلأ قلبُه بمحبَّة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتَّبع مراضي ربِّه، فقدَّمها على هواه، فحفظ بذلك ما حَفِظَ من وقته، وصلحت أحوالُه، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما منَّ الله به عليه؛ فحقيقٌ بذلك أن يُتَّبع، ويُجعل إماماً. والصبر المذكور في هذه الآية هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه يتمُّ باقي الأقسام. وفي الآية استحبابُ الذِّكر والدُّعاء والعبادة طرفي النهار؛ لأنَّ الله مدحهم بفعله، وكلُّ فعل مَدَحَ الله فاعله؛ دلَّ ذلك على أن الله يحبُّه؛ وإذا كان يحبه فإنَّه يأمر به ويرغِّب فيه. - الآيات ٢٩–٣١بلّغ عن خطأ
﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا (٣١) ﴾
{29} أي: {قل} للناس يا محمدُ: هو {الحقُّ من ربِّكم}؛ أي: قد تبيَّن الهدى من الضلال، والرُّشد من الغيِّ، وصفات أهل السعادة وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بيَّنه الله على لسان رسوله؛ فإذا بان واتَّضح ولم يبقَ فيه شبهةٌ؛ {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}؛ أي: لم يبق إلاَّ سلوكُ أحد الطريقين بحسب توفيق العبد وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئةً بها يقدِرُ على الإيمان والكفر والخير والشرِّ؛ فمن آمن؛ فقد وُفِّق للصواب، ومن كَفَرَ؛ فقد قامت عليه الحجَّة، وليس بمكرهٍ على الإيمان؛ كما قال تعالى:{لا إكۡراهَ في الدِّينِ قد تَبَيَّنَ الرُّشۡدُ مِنَ الغَيِّ}، [وليس في قوله:{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الإذن في كلا الأمرين وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام كما ليس فيها تركه قتال الكافرين]. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين، فقال:{إنَّا أعۡتَدۡنا للظالمين}: بالكفر والفسوق والعصيان، {ناراً أحاطَ بهم سُرادِقُها}؛ أي: سورها المحيط بها؛ فليس لهم منفذٌ ولا طريقٌ ولا مخلصٌ منها، تصلاهم النار الحامية. {وإن يَسۡتغيثوا}؛ أي: يطلبوا الشراب ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد؛ {يُغاثوا بماءٍ كالمهل}؛ أي: كالرصاص المذاب أو كعكر الزيت من شدَّة حرارته. {يَشۡوي الوجوهَ}؛ أي: فكيف بالأمعاء والبطون؟! كما قال تعالى:{يُصۡهَرُ به ما في بطونِهِم والجلودُ. ولهم مَقامِعُ من حديدٍ}. {بئس الشرابُ}: الذي يُراد ليطفئ العطش ويدفع بعض العذابِ فيكون زيادةً في عذابهم وشدَّة عقابهم، {وساءت}: النار {مرتفقاً}: وهذا ذمٌّ لحالة النار؛ أنَّها ساءت المحلَّ الذي يرتفق به؛ فإنَّها ليس فيها ارتفاقٌ؛ وإنَّما فيها العذاب العظيم الشاقُّ الذي لا يُفَتَّر عنهم ساعةً، وهم فيه مُبْلِسونَ، قد أيسوا من كلِّ خيرٍ، ونسيهم الرحيم في العذاب كما نسوه. {30} ثم ذكر الفريق الثاني، فقال:{إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}؛ أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشرِّه وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات. {إنَّا لا نُضيعُ أجۡرَ مَنۡ أحسنَ عملاً}: وإحسانُ العمل أن يريدَ العبدُ العمل لوجه الله متبعاً في ذلك شرع الله؛ فهذا العمل لا يضيِّعه الله ولا شيئاً منه، بل يحفظُه للعاملين، ويوفِّيهم من الأجر بحسب عملهم وفضله وإحسانه. {31} وذكر أجرهم بقوله: {أولئك لهم جناتُ عَدۡنٍ تجري من تحتها الأنهار يُحَلَّوۡن فيها من أساورَ من ذهبٍ ويلبسون ثياباً خضراً من سُنۡدُسٍ وإسۡتَبۡرَقٍ متَّكئين فيها على الأرائك}؛ [أولئك] أي: أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح، لهم الجناتُ العالياتُ التي قد كَثُرَتْ أشجارُها فأجَنَّتْ مَنْ فيها، وكثرت أنهارُها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة والمنازل الرفيعة، وحليتُهم فيها الذهب، ولباسُهم فيها الحرير الأخضر من السُّندس، وهو الغليظُ من الدِّيباج، والإستبرق وهو ما رَقَّ منه، متَّكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزيَّنة المجمَّلة بالثياب الفاخرة؛ فإنَّها لا تسمَّى أريكة حتى تكون كذلك، وفي اتِّكائهم على الأرائك ما يدلُّ على كمال الراحة وزوال النَّصب والتعب وكون الخدم يسعَوْن عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبديَّة؛ فهذه الدار الجليلة، {نعم الثوابُ}: للعاملين، {وحَسُنَتۡ مرتَفَقاً}: يرتَفِقون بها، ويتمتَّعون بما فيها مما تشتهيه الأنفسُ، وتلذُّ الأعينُ من الحبرة والسرور والفرح الدائم واللَّذَّات المتواترة والنعم المتوافرة، وأيُّ مرتَفَقٍ أحسنُ من دارٍ، أدنى أهلها يسير في مُلكِهِ ونعيمه وقصورِهِ وبساتينه ألفي سنة؟ ولا يرى فوقَ ما هو فيه من النعيم، قد أعْطِيَ جميعَ أمانيه ومطالبِهِ، وزيد من المطالب ما قَصَّرَتْ عنه الأماني، ومع ذلك؛ فنعيمُهم على الدوام، متزايدٌ في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم أنْ لا يحرِمَنا خيرَ ما عنده من الإحسان بشرِّ ما عندنا من التقصير والعصيان. ودلت الآية الكريمة وما أشبهها على أن الحِلْيَةَ عامَّةٌ للذكور والإناث؛ كما ورد في الأخبار الصحيحة؛ لأنَّه أطلقها في قوله:{يُحَلَّوۡنَ}، وكذلك الحرير ونحوه. - الآيات ٣٢–٣٣بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَٰبٍۢ وَحَفَفْنَٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا (٣٢) كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرًۭا (٣٣) ﴾
{32} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: اضرِبْ للناس مَثَلَ هذين الرجلين: الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كلٍّ منهما من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل والثواب؛ ليعتبروا بحالهما، ويتَّعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين وفي أيِّ زمان أو مكانٍ هما فيه فائدة أو نتيجة؛ فالنتيجة تحصُلُ من قصتهما فقط، والتعرُّض لما سوى ذلك من التكلُّف. فأحدُ هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة جعل الله له جنتين؛ أي: بستانَيْنِ حسنَيْنِ {من أعناب وحفَفۡناهما بنخل}؛ أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصاً أشرف الأشجار العنب والنخل؛ فالعنب وسطها، والنخل قد حفَّ بذلك ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح التي تكمُلُ بها الثمار وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زَرْعاً. {33} فلم يبق عليهما إلا أن يقالَ: كيف ثمارُ هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماءٌ يكفيهما؟ فأخبر تعالى أنَّ كلًّا من {الجنتين آتت أكُلَها}؛ أي: ثمرها وزرعها ضعفين؛ أي: متضاعفاً، وأنها {لم تظلم منه شيئاً}؛ أي: لم تنقص من أُكُلِها أدنى شيء، ومع ذلك فالأنهار في جوانبها سارحة كثيرة غزيرة.
تفسير السعدي — عبد الرحمن بن ناصر السعدي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.