السابقالجزء ٢ من ٢
- الآيات ١٧–٢٠بلّغ عن خطأ
﴿ وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ (١٩) ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍۢ (٢٠) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالليل إذا عسعس، يقول: وأقسم بالليل إذا عسعس. واختلف أهل التأويل في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فقال بعضهم: عُنِيَ بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يقول: إذا أدبر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يعني: إذا أدبر. ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل عن أبي ظَبيان، قال: كنت أتبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو خارج نحو المشرق، فاستقبل الفجر، فقرأ هذه الآية: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام مما يلي باب السوق، وقد طلع الصبح أو الفجر، فقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر، نعم ساعة الوتر هذه. ثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إقباله، ويقال: إدباره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ : إذا أدبر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا أدبر. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام بعد ما أذّن المؤذّن بالصبح، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر؟ قال: نعم ساعة الوتر هذه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: عسعس تولى، وقال: تنفس الصبح من هاهنا، وأشار إلى المشرق طلاع الفجر. وقال آخرون: عُني بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا غَشِيَ الناسَ. ⁕ حدثنا الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثني أبي، عن الفضيل، عن عطية (وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) قال: أشار بيده إلى المغرب. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا والعرب تقول: عسعس الليل، وسَعْسَع الليل: إذا أدبر، ولم يبق منه إلا اليسير؛ ومن ذلك قول رُؤْبة بن العجاج: يا هِنْدُ ما أسْرَعَ ما تَسَعْسَعا ... وَلَوْ رَجا تَبْعَ الصِّبا تَتَبَّعا فهذه لغة من قال: سعسع؛ وأما لغة من قال: عسعس، فقول علقمة بن قُرْط: حتى إذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسا ... وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وَعَسْعَسا يعني أدبر. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب، يزعم أن عسعس: دنا من أوّله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا: عَسْعَسَ حتى لَوْ يشاءُ إدَّنا ... كانَ لَه مِنْ ضَوْئِهِ مَقْبَسُ يقول: لو يشاء إذ دنا، ولكنه أدغم الذال في الدال، قال الفراء: فكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ يقول: وضوء النهار إذا أقبل وتبين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قال: إذا نشأ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ : إذا أضاء وأقبل. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لتنزيل رسول كريم؛ يعني: جبريل، نزله على محمد بن عبد الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: جبريل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ قال: هو جبريل. * * وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ذي قوّة، يعني: جبرائيل على ما كلف من أمر غير عاجز ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ يقول: هو مكين عند ربّ العرش العظيم. - الآيات ٢١–٢٦بلّغ عن خطأ
﴿ مُّطَاعٍۢ ثَمَّ أَمِينٍۢ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ (٢٢) وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلْأُفُقِ ٱلْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍۢ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ يعني جبريل ﷺ، مطاع في السماء تطيعه الملائكة ﴿أمِينٍ﴾ يقول: أمين عند الله على وحيه ورسالته وغير ذلك مما ائتمنه عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا عمر بن شبيب المسلي، عن إسماعيل بن أبي خالد. عن أبي صالح: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ قال جبريل عليه السلام، أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن. ⁕ حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا عمر بن شبيب، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: لا أعلمه إلا عن أبي صالح، مثله. ⁕ حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الأقطع، قال: ثني أبي عمر بن خالد، عن معقل بن عبيد الله الجزري، قال: قال ميمون بن مِهْران في قوله: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ قال: ذاكم جبريل عليه السلام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ قال: يعني جبريل. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ﴾ مطاع عند الله ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ يعني: جبريل عليه السلام. * * وقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وما صاحبكم أيها الناس محمد بمجنون فيتكلم عن جنة، ويهذي هذيان المجانين ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي، قال: ثنا أبي عمرو بن خالد، عن مَعْقل بن عبد الله الجَزَري، قال: قال ميمون بن مهران: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال: ذاكم محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد رآه أي محمدٌ جبريل ﷺ في صورته بالناحية التي تبين الأشياء، فترى من قبَلها، وذلك من ناحية مطلع الشمس من قِبَل المشرق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ الأعلى. قال: بالأفق من نحو " أجياد". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ قال: كنا نحدَّث أن الأفق حيث تطلع الشمس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ كنا نحدَّث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ قال: رأى جبريل بالأفق المبين. ⁕ حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعت أبا الأحوص يقول في قول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ قال: رأى جبريل له ستّ مئة جناح في صورته. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر، قال: ما رأى جبريل النبيّ ﷺ في صورته إلا مرّة واحدة، وكان يأتيه في صورة رجل يقال له: دَحْية، فأتاه يوم رآه في صورته قد سدّ الأفق كله، عليه سندس أخضر معلق الدّر، فذلك قول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ وذُكر أن هذه الآية في " إذا الشمس كوّرت ") ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ في جبريل، إلى قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ يعني النبيّ ﷺ. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد، بمعنى أنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين ﴿بِظَنِينٍ﴾ بالظاء، بمعنى أنه غير متهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء. ذكر من قال ذلك بالضاد، وتأوّله على ما وصفنا من التأويل من أهل التأويل: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زِرّ ﴿وَما هوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: الظَّنين: المتهم. وفي قراءتكم: ﴿بِضَنِينٍ﴾ والضنين: البخيل، والغيب: القرآن. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا خالد بن عبد الله الواسطي، قال: ثنا مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ببخيل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: ما يضنّ عليكم بما يعلم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: إن هذا القرآن غيب، فأعطاه الله محمدا، فبذله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنّ به رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: في قراءتنا بمتهم، ومن قرأها ﴿بِضَنِينٍ﴾ يقول: ببخيل. ⁕ حدثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: ببخيل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ الغيب: القرآن، لم يضنّ به على أحد من الناس أدّاه وبلَّغه، بعث الله به الروح الأمين جبريل إلى رسول الله ﷺ، فأدّى جبريل ما استودعه الله إلى محمد، وأدّى محمد ما استودعه الله وجبريل إلى العباد، ليس أحد منهم ضَنَّ، ولا كَتَم، ولا تَخَرَّص. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ يعني النبيّ ﷺ. ذكر من قال ذلك بالظاء، وتأوّله على ما ذكرنا من أهل التأويل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، أنه قرأ: ﴿بظَنينٍ﴾ قال: ليس بمتهم. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلَّى، عن سعيد بن جُبير أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ فقلت لسعيد بن جُبير: ما الظنين؟ قال: ليس بمتهم. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جُبير أنه قرأ: ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قلت: وما الظنين؟ قال: المتهم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ يقول: ليس بمتهم على ما جاء به، وليس يظنّ بما أوتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا خالد بن عبد الله الواسطيّ، قال: ثنا المغيرة، عن إبراهيم ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: بمتهم. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن زِرّ ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: الغَيب: القرآن. وفي قراءتنا ﴿بِظَنِينٍ﴾ متهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِظَنِينٍ﴾ قال: ليس على ما أنزل الله بمتهم. وقد تأوّل ذلك بعض أهل العربية أن معناه: وما هو على الغيب بضعيف، ولكنه محتمِل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف: هو ظَنُون. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون مطرود، ولكنه كلام الله ووحيه. * * وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ؟ يقول تعالى ذكره: فأين تذهبون عن هذا القرآن وتعدلون عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ يقول: فأين تعدلون عن كتابي وطاعتي. وقيل: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ولم يقل: فإلى أين تذهبون، كما يقال: ذهبت الشأم وذهبت السوق. وحُكي عن العرب سماعا: انطلق به الغَوْرَ، على معنى إلغاء الصفة، وقد ينشد لبعض بني عُقَيل: تَصِيحُ بِنا حَنِيفةُ إذْ رأتْنا ... وأيَّ الأرْضِ تَذْهَبُ للصَّياح بمعنى: إلى أيّ الأرض تذهب واستجيز إلغاء الصفة في ذلك للاستعمال. - الآيات ٢٧–٢٩بلّغ عن خطأ
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ (٢٧) لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ (٢٩) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿إنْ﴾ هذا القرآن، وقوله: ﴿هُوَ﴾ من ذكر القرآن ﴿إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يقول: إلا تذكرة وعظة للعالمين من الجنّ والإنس ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فجعل ذلك تعالى ذكره ذكرا لمن شاء من العالمين أن يستقيم، ولم يجعله ذكرا لجميعهم، فاللام في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ إبدال من اللام في للعالمين. وكان معنى الكلام: إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم على سبيل الحقّ فيتبعه، ويؤمن به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال: يتبع الحقّ. * * وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وما تشاءون أيها الناس الاستقامة على الحقّ، إلا أن يشاء الله ذلك. وذكر أن السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى لما نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل ذلك إلينا، إن شئنا استقمنا، فنزلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، عن سليمان بن موسى، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . آخر تفسير سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
السابقالجزء ٢ من ٢
تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.