سورة الأنفال

مدنية • ٧٥ آية • تبدأ في الصفحة ١٧٧

السابقالجزء ٢ من ٢
  1. الآيات ٥٣–٥٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (٥٣) كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ (٥٤) ﴾

    {53}{ذلك}: العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذِّبة وأزال عنهم ما هم فيه من النِّعم والنعيم بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإنَّ {الله لم يكن مغيِّراً نعمةً أنعمها على قوم}: من نعم الدِّين والدُّنيا، بل يبقيها ويزيدُهم منها إن ازدادوا له شكراً، {حتى يغيِّروا ما بأنفسهم}: من الطاعة إلى المعصية، فيكفروا نعمة الله، ويبدِّلوا بها كفراً، فيسلُبُهم إيَّاها ويغيِّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده ؛ حيث لم يعاقبهم إلاَّ بظُلمهم، وحيث جَذَبَ قلوب أوليائه إليه بما يذيقُ العباد من النَّكال إذا خالفوا أمره. {وأنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع جميعَ ما نطق به الناطقون، سواءٌ من أسرَّ القول ومن جهر به. ويعلم ما تنطوي عليه الضمائرُ وتخفيه السرائرُ، فيُجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمُهُ، وجرت به مشيئتُهُ. {54}{كدأب آل فرعون}؛ أي: فرعون وقومه، {والذين من قبلهم كذَّبوا بآيات ربِّهم}: حين جاءتهم، {فأهۡلَكۡناهم بذُنوبهم}: كل بحسب جرمه، {وأغۡرَقنا آلَ فرعون وكلٌّ}: من المهلَكين المعذَّبين {كانوا ظالمين}: لأنفسهم ساعين في هلاكها، لم يظلمْهُمُ الله ولا أخَذَهم بغير جُرم اقترفوه؛ فليحذرِ المخاطَبون أن يشابهوهم في الظلم، فيُحِلَّ الله بهم من عقابه ما أحلَّ بأولئك الفاسقين.
  2. الآيات ٥٥–٥٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) ﴾

    {55 ـ 56} هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصالَ الثلاث ـ الكفر وعدم الإيمان والخيانة ـ بحيث لا يثبُتون على عهدٍ عاهدوه ولا قول قالوه هم {شرُّ الدوابِّ عند الله}: فهم شرٌّ من الحمير والكلاب وغيرها؛ لأنَّ الخير معدوم منهم، والشرَّ متوقَّع فيهم. {57} فإذْهابُ هؤلاء ومحقُهم هو المتعيِّن؛ لئلاَّ يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال:{فإمَّا تَثۡقَفَنَّهُم في الحربِ}؛ أي: تجدنَّهم في حال المحاربة؛ بحيث لا يكون لهم عهدٌ وميثاقٌ. {فشَرِّدۡ بهم مَنۡ خلفَهم}؛ أي: نكِّل بهم غيرهم، وأوقِعْ بهم من العقوبة ما يصيرون عبرةً لمن بعدهم، {لعلَّهم}؛ أي: من خلفهم [يتقون] صنيعهم؛ لئلاَّ يصيبهم ما أصابهم. وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتَّبة على المعاصي أنها سببٌ لازدجار من لم يعمل المعاصي بل وزجراً لمن عملها أن لا يعاوِدَها. ودل تقييدُ هذه العقوبة في الحرب أنَّ الكافر ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر؛ أنه إذا أُعْطِيَ عهداً؛ لا يجوز خيانته وعقوبته.
  3. الآية ٥٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ ﴾

    {58} أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهدٌ وميثاقٌ على ترك القتال، فخفتَ منهم خيانةً؛ بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدلُّ على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. {فانبِذۡ إليهم}: عهدَهم؛ أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنَّه لا عهدَ بينك وبينهم {على سواءٍ}؛ أي: حتى يستوي علمُك وعلمُهم بذلك، ولا يحلُّ لك أن تغدرهم أو تسعى في شيء مما مَنَعَهُ موجبُ العهدِ حتى تخبرهم بذلك. {إنَّ الله لا يُحِبُّ الخائنين}: بل يُبْغِضُهم أشدَّ البغض؛ فلا بدَّ من أمرٍ بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة. ودلَّت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة [المحققة] منهم؛ لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدَهم؛ لأنَّه لم يخفَ منهم، بل عُلِمَ ذلك، ولعدم الفائدة، ولقوله:{على سواءٍ}، وهنا قد كان معلوماً عند الجميع غدرُكم. ودلَّ مفهومُها أيضاً أنه إذا لم يخفْ منهم خيانةً؛ بأنْ لم يوجدْ منهم ما يدلُّ على ذلك؛ أنَّه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء [به] إلى أن تتمَّ مدتُه.
  4. الآية ٥٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

    {59} أي: لا يحسب الكافرون بربِّهم المكذِّبون بآياته أنهم سبقوا الله وفاتوه؛ فإنهم لا يعجزونه، والله لهم بالمرصاد، وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانُهم وتزوُّدهم من طاعته ومراضيه ما يصلون به إلى المنازل العالية واتصافُهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها؛ فلهذا قال لعباده المؤمنين:
  5. الآية ٦٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

    {60} أي: {وأعدُّوا}: لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم، {ما استطعتُم من قوَّةٍ}؛ أي: كل ما تقدرون عليه من القوَّة العقليَّة والبدنيَّة وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تُعمل فيها أصنافُ الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيارات الجويَّة والمراكب البريَّة والبحريَّة [والحصون] والقلاع والخنادق وآلات الدفاع والرأي والسياسة التي بها يتقدَّم المسلمون ويندفعُ عنهم به شرُّ أعدائهم وتعلُّم الرمي والشجاعة والتدبير، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إنَّ القوَّة الرمي». ومن ذلك الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى:{ومِن رِباط الخيل تُرهِبونَ به عدوَّ الله وعدوَّكم}: وهذه العلة موجودةٌ فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء. والحكمُ يدور مع علَّته؛ فإذا كان موجوداً شيء أكثر إرهاباً منها ـ كالسيارات البريَّة والهوائيَّة المعدَّة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد؛ كانت مأموراً بالاستعداد بها والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة؛ وجب ذلك؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. وقوله:{تُرۡهِبونَ به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم}: ممن تعلمون أنهم أعداؤكم، {وآخرين مِن دونهم لا تعلمونَهم}: ممَّن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به، {الله يعلمُهم}: فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم. ومن أعظم ما يُعين على قتالهم بذلُ النفقات المالية في جهاد الكفار، ولهذا قال تعالى مرغباً في ذلك:{وما تنفقوا من شيءٍ في سبيل الله}: قليلاً كان أو كثيراً، {يوفَّ إليكم}: أجره يوم القيامة مضاعفاً أضعافاً كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، {وأنتم لا تُظلمون}؛ أي: لا تُنْقَصون من أجرها وثوابها شيئاً.
  6. الآيات ٦١–٦٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٣) يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٦٤) ﴾

    {61} يقول تعالى {وإن جنحوا}؛ أي: الكفار المحاربون؛ أي: مالوا إلى السَّلْم؛ أي: الصلح وترك القتال، {فاجنحۡ لها وتوكَّلۡ على الله}؛ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلاً على ربِّك؛ فإنَّ في ذلك فوائد كثيرةً: منها: أن طلب العافية مطلوبٌ كلَّ وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماماً لِقُواكم واستعداداً منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ومنها: أنَّكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضاً وتمكَّن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ فكلُّ مَن له عقلٌ وبصيرة إذا كان معه إنصافٌ؛ فلا بدَّ أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم. وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتَّبعون له، فصار هذا السلم عوناً للمسلمين على الكافرين. {62 ـ 63} ولا يُخاف من السلم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنَّه حسبُهم وكافيهم خداعهم، وأنَّ ذلك يعود عليهم ضرره، فقال:{وإن يريدوا أن يَخۡدَعوك فإنَّ حسبَك الله}؛ أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهمَّاتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئنُّ به قلبك، فَلَهُوَ {الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين}؛ أي: أعانك بمعونة سماويَّة، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيَّضهم لنصرك، {وألَّف بين قلوبهم}: فاجتمعوا، وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحدٍ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو {أنفقت ما في الأرض جميعاً}: من ذهبٍ وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة، {ما ألَّفۡتَ بين قلوبهم}: لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ}: ومن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى:{واذكُروا نعمة الله عليكم إذ كنتُم أعداءً فألَّفَ بين قلوبِكُم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً وكنتُم على شفا حُفۡرَةٍ من النار فأنقذكم منها}. {64} ثم قال تعالى: {يا أيها النبيُّ حسبك الله}؛ أي: كافيك، {ومن اتَّبعك من المؤمنين}؛ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين. وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتَّبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع؛ فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلَّف الكفاية بتخلُّف شرطها.
  7. الآيات ٦٥–٦٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ (٦٥) ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ (٦٦) ﴾

    {65} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {يا أيُّها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال}؛ أي: حُثَّهم ونهِّضْهم إليه بكل ما يقوِّي عزائمهم وينشط هممهم؛ من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضدِّ ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتَّب على ذلك من خير الدنيا والآخرة، وذكر مضارِّ الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم، {إن تكونوا تألَمونَ فإنَّهم يألَمونَ كما تألَمونَ وترجونَ من الله ما لا يرجون}. {إن يكن منكم}: أيها المؤمنون، {عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكُم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}: يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار، وذلك بأنَّ الكفار {قومٌ لا يفقهون}؛ أي: لا علم عندهم بما أعدَّ الله للمجاهدين في سبيله؛ فهم يقاتلون لأجل العلوِّ في الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال أنَّه لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، والذبِّ عن كتاب الله وحصول الفوز الأكبر عند الله، وهذه كلُّها دواعٍ للشجاعة والصبر والإقدام على القتال. {66} ثُمَّ إن هذا الحكم خففه الله على العباد، فقال:{الآن خفَّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}: فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف. {فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}: بعونه وتأييده. وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعيَّن يغلبون ذلك المقدار المعيَّن، في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتنُّ عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية، ولكنَّ معناها وحقيقتها الأمر، وأنَّ الله أمر المؤمنين في أول الأمر أن الواحد لا يجوز له أن يفرَّ من العشرة والعشرة من المائة والمائة من الألف، ثم إنَّ الله خفَّف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار؛ فإن زادوا على مثليهم؛ جاز لهم الفرار. ولكن يرِدُ على هذا أمران: أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأنَّ المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع. والثاني: تقييدُ ذلك العدد أن يكونوا صابرين؛ بأن يكونوا متدرِّبين على الصبر، ومفهوم هذا أنَّهم إذا لم يكونوا صابرين؛ فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم، إذا غَلَبَ على ظنِّهم الضرر؛ كما تقتضيه الحكمة الإلهية. ويجاب عن الأول بأنَّ قوله:{الآن خفَّف الله عنكم ... } إلى آخرها: دليلٌ على أن هذا الأمر لازمٌ وأمر محتَّم، ثم إن الله خفَّفه إلى ذلك العدد؛ فهذا ظاهرٌ في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر، وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر نكتةٌ بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين. ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين أنه حثٌّ على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك؛ فإذا فعلوها؛ صارت الأسباب الإيمانيَّة والأسباب الماديَّة مبشِّرة بحصول ما أخبر الله به من النصر لهذا العدد القليل.
  8. الآيات ٦٧–٦٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٧) لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ (٦٨) فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٦٩) ﴾

    {67} هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلَهم واستئصالهم، فقال تعالى:{ما كان لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتَّى يُثۡخِنَ في الأرض}؛ أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، ويسعَوْن لإخماد دينه وأن لا يبقى على وجه الأرض مَن يعبدُ الله أن يتسرَّع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصُلُ منهم، وهو عَرَضٌ قليلٌ بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرِّهم؛ فما دام لهم شرٌّ وصولةٌ؛ فالأوفق أن لا يؤسروا؛ فإذا أُثخنوا، وبَطَلَ شرُّهم، واضمحلَّ أمرُهم؛ فحينئذٍ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى:{تريدون}: بأخذكم الفداء وإبقائهم {عَرَضَ الحياة الدُّنيا}؛ أي: لا لمصلحة تعودُ إلى دينكم. {والله يريدُ الآخرة}: بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل كلمتهم عاليةً فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. {والله عزيزٌ حكيمٌ}؛ أي: كامل العزة، لو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال؛ لفعلَ، ولكنه حكيمٌ يبتلي بعضكم ببعض. {68}{لولا كتابٌ من الله سَبَقَ}: به القضاء والقدر؛ أنَّه قد أحلَّ لكم الغنائم، وأنَّ الله رفع عنكم أيُّها الأمة العذاب، {لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ}. وفي الحديث:«لو نزل عذابٌ يوم بدر؛ ما نجا منه إلا عمر». {69}{فكلوا مما غنمتُم حلالاً طيِّباً}: وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحلَّ لها الغنائم ولم تحلَّ لأمة قبلها، {واتَّقوا الله}: في جميع أموركم، ولازموها شكراً لنعم الله عليكم. {إنَّ الله غفورٌ}: يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشركْ به شيئاً جميع المعاصي، {رحيمٌ}: بكم حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيباً.
  9. الآيات ٧٠–٧١بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٧٠) وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) ﴾

    {70} وهذه نزلت في أسارى يوم بدر ، وكان من جملتهم العباس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما طلب منه الفداء؛ ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقِطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى جبراً لخاطره ومَنْ كان على مثل حالِهِ:{يا أيُّها النبيُّ قلۡ لِمَن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللهُ في قلوبكم خيراً يؤتِكُم خيراً ممَّا أُخِذَ منكم}؛ أي: من المال، بأن ييسِّر لكم من فضله خيراً كثيراً مما أخذ منكم، {ويَغۡفِرۡ لكم}: ذنوبكم ويدخلكم الجنة. {والله غفورٌ رحيمٌ}: وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له بعد ذلك من المال شيءٌ كثيرٌ، حتى إنه مرَّة لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مال كثير؛ أتاه العباس، فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حملَه، فأخذ منه ما كاد أن يعجزَ عن حمله. {71}{وإن يريدوا خيانَتَكَ}: في السعي لحربك ومنابذتك، {فقد خانوا الله من قبلُ فأمۡكَنَ منهم}: فليحذَروا خيانتك؛ فإنه تعالى قادرٌ عليهم، وهم تحت قبضته. {والله عليمٌ حكيمٌ}؛ أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شَرَعَ لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وقد تكفَّل بكفايتكم شأنَ الأسرى وشرَّهم إن أرادوا خيانةً.
  10. الآية ٧٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴾

    {72} هذا عقدُ موالاة ومحبَّة عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله وبين الأنصار الذين آوَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم؛ فهؤلاء بعضُهم أولياءُ بعض؛ لكمال إيمانهم وتمام اتِّصال بعضهم ببعض. {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} فإنَّهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدَّة الحاجة إلى الرجال، فلمَّا لم يهاجروا؛ لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيءٌ، لكنَّهم {إن استنصروكم في الدين}؛ أي: لأجل قتال من قاتلهم؛ [لأجل دينهم]{فعليكُمُ النصرُ}: والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد؛ فليس عليكم نصرهم. وقوله تعالى:{إلَّا على قوم بينكم وبينَهم ميثاقٌ}؛ أي: عهدٌ بترك القتال؛ فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميِّزون الذين لم يهاجروا قتالهم؛ فلا تعينوهم عليهم؛ لأجل ما بينَكم وبينَهم من الميثاق. {والله بما تعملونَ بصيرٌ}: يعلمُ ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرعُ لكم من الأحكام ما يَليقُ بكم.
  11. الآية ٧٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ ﴾

    {73} لما عقد الولاية بين المؤمنين؛ أخبر أن الكفار حيث جمعهم الكفر فبعضُهم أولياء بعض ؛ فلا يواليهم إلاَّ كافر مثلهم، وقوله:{إلَّا تفعلوه}؛ أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين؛ بأن والَيْتموهم كلَّهم أو عاديتموهم كلَّهم أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين، {تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ}: فإنه يحصُلُ بذلك من الشرِّ ما لا ينحصر من اختلاط الحقِّ بالباطل والمؤمن بالكافر وعدم كثير من العبادات الكبار كالجهاد والهجرة وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يُتَّخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض. الآيات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار. وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم:
  12. الآيات ٧٤–٧٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٧٤) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ (٧٥) ﴾

    {74} فقال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوۡا ونصروا أولئك هم المؤمنون }: من المهاجرين والأنصار؛ هم: المؤمنون {حقًّا}؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. {لهم مغفرة}: من الله تُمحى بها سيئاتهم وتضمحلُّ بها زلاَّتُهم. {و} لهم {رزقٌ كريمٌ}؛ أي: خير كثير من الربِّ الكريم في جنات النعيم، وربما حصل لهم من الثواب المعجَّل ما تَقَرُّ به أعينهم، وتطمئنُّ به قلوبهم. {75} وكذلك مَن جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار ممَّن اتَّبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. {فأولئك منكم}: لهم ما لكم وعليهم ما عليكم؛ فهذه الموالاة الإيمانية، وقد كانت في أول الإسلام لها وقع كبيرٌ وشأنٌ عظيم، حتى إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار أخوَّة خاصَّة غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله:{وأولو الأرحام بعضُهم أولى ببعض في كتاب الله} فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض فإن لم يكونوا؛ فأقرب قراباته من ذوي الأرحام كما دلَّ عليه عموم الآية الكريمة، وقوله:{في كتاب الله}؛ أي: في حكمه وشرعه. {إنَّ الله بكلِّ شيء عليمٌ}: ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها. تم تفسير سورة الأنفال. ولله الحمد والمنة. * * *
السابقالجزء ٢ من ٢

تفسير السعدي — عبد الرحمن بن ناصر السعدي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.