سورة الأنعام

مكية • ١٦٥ آية • تبدأ في الصفحة ١٢٨

السابقالجزء ٧ من ٢٤التالي
  1. الآية ٦٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان، يا محمد: إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كل كرب، ثم تعودون للإشراك به، هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، لشرككم به، وادّعائكم معه إلهًا آخر غيره، وكفرانكم نعمه، مع إسباغه عليكم آلاءه ومِنَنه. * * وقد اختلف أهل التأويل في معنى"العذاب" الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم. فقال بعضهم: أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم، فالرجم. وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم، فالخسف. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٤٤ - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: عذابًا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، قال: الخسف. ١٣٣٤٥ - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن الأشجعي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، مثله. ١٣٣٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سلمة، عن شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، قال الخسف. ١٣٣٤٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم"، فعذاب السماء ="أو من تحت أرجلكم"، فيخسف بكم الأرض. ١٣٣٤٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" قال: كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر: ألا أيها الناس، إنه نزل بكم. إن الله يقول:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم"، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد ="أو من تحت أرجلكم"، لو خسف بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحد ="أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض"، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. * * وقال آخرون: عنى بالعذاب من فوقكم، أئمةَ السوء ="أو من تحت أرجلكم"، الخدم وسِفلة الناس. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٤٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت خلادًا يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء = وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء. ١٣٣٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم"، يعني من أمرائكم =" أو من تحت أرجلكم"، يعني: سفلتكم. * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: عنى بالعذاب من فوقهم، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم = ومن تحت أرجلهم، الخسفَ وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى"فوق" و"تحت" الأرجل، هو ذلك، دون غيره. وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تُنُوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها. * * القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو يخلطكم ="شيعًا"، فرقًا، واحدتها"شِيعة". * * وأما قوله:"يلبسكم" فهو من قولك:"لبَسْت عليه الأمر"، إذا خلطت،"فأنا ألبِسه". وإنما قلت إن ذلك كذلك، لأنه لا خلاف بين القرأة في ذلك بكسر"الباء"، ففي ذلك دليل بَيِّنٌ على أنه من:"لبَس يلبِس"، وذلك هو معنى الخلط. وإنما عنى بذلك: أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا مفترقة. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٥١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أو يلبسكم شيعًا"، الأهواء المفترقة. ١٣٣٥٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: يفرق بينكم. ١٣٣٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: ما كان منكم من الفتن والاختلاف. ١٣٣٥٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف، والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا. ١٣٣٥٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: الأهواء والاختلاف. ١٣٣٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أو يلبسكم شيعًا"، يعني بالشيع، الأهواء المختلفة. * * وأما قوله:"ويذيق بعضكم بأس بعض"، فإنه يعني: بقتل بعضكم بيد بعض. * * والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلام فيقتله به:"قد أذاق فلان فلانًا الموت"، و"أذاقه بأسه"، وأصل ذلك من:"ذوق الطعام" وهو يطعمه، ثم استعمل ذلك في كل ما وصل إلى الرجل من لذة وحلاوة، أو مرارة ومكروه وألم. * * وقد بينت معنى"البأس" في كلام العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٥٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ويذيق بعضكم بأس بعض"، بالسيوف. ١٣٣٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد، عن أبي هارون العبدي، عن عوف البكالي أنه قال في قوله:"ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعُنون في خواصركم. ١٣٣٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. ١٣٣٦٠ - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف"أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض" = وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة. * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية. فقال بعضهم: عني بها المسلمون من أمة محمد ﷺ، وفيهم نزلت. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٦١ - حدثني محمد بن عيسى الدامغاني قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم" الآية، قال: فهن أربع، وكلهن عذاب، فجاء مستقرّ اثنتين، بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعًا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، فهما لا بدّ واقعتان = يعني: الخسف والمسخ. ١٣٣٦٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، لأمة محمد ﷺ، وأعفاكم منه ="أو يلبسكم شيعًا"، قال: ما كان فيكم من الفتن والاختلاف. ١٣٣٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٣٣٦٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا"، الآية. ذكر لنا أن رسول الله ﷺ صَلى ذات يوم الصبح فأطالها، فقال له بعض أهله: يا نبي الله، لقد صلّيت صلاة ما كنت تصَليها؟ قال: إنها صلاةُ رَغبة ورَهبة، وإني سألت ربّي فيها ثلاثًا، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم، فيهلكهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يسلط على أمتي السنة، فأعطانيها. وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله. ١٣٣٦٥ - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابرًا يقول: لما أنزل الله تعالى ذكره على النبي ﷺ:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، قال: أعوذ بوجهك ="أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال: هاتان أيسر = أو: أهون. ١٣٣٦٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال: لما نزلت:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، قال: نعوذ بك، نعوذ بك ="أو يلبسكم شيعًا"، قال: هو أهون. ١٣٣٦٧ - حدثني زياد بن عبيد الله المزني قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال، حدثنا أبو مالك قال، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أنّ النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة، فسألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وبقي واحداة. سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به مَن قبلكم، فأعطانيها. وسألت الله أن لا يسلِّط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها. وسألته أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها = قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها مِن في رسول الله ﷺ. ١٣٣٦٨ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي ﷺ: أنه قال: إن الله زَوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربَها، وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأحمرَ والأبيض، وإني سألت ربّي أن لا يهلك قومي بسَنَةٍ عامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلِّط عليهم عدوًّا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبي بعضًا. فقال النبي ﷺ: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة. ١٣٣٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر نحوه = إلا أنه قال: وقال النبي ﷺ: إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. ١٣٣٧٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن الزهري قال: راقب خباب بن الأرتّ، وكان بدريًّا، النبيَّ ﷺ وهو يصلي، حتى إذا فرغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسول الله، لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها؟ قال: أجل، إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم، فأعطاني. وسألته أن لا يسلط علينا عدوًّا، فأعطاني. وسألته أن لا يلبسنا شيعًا، فمنعني. ١٣٣٧١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: راقب خبابُ بن الأرت، وكان بدريًّا، رسولَ الله ﷺ، فذكر نحوه = إلا أنه قال: ثلاث خصلات. ١٣٣٧٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما نزلت على النبي ﷺ:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم"، قال النبي ﷺ: أعوذ بوجهك ="أو من تحت أرجلكم"، قال النبي ﷺ: أعوذ بوجهك ="أو يلبسكم شيعًا"، قال: هذه أهون. ١٣٣٧٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: أنّ النبي ﷺ قال: سألت ربّي أربعًا، فأعطيت ثلاثًا ومنعت واحداة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتهم، ولا يسلط عليهم جوعًا، ولا يجمعهم على ضلالة، فأعطيتهن = وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض، فمنعتُ. ١٣٣٧٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال رسول الله ﷺ: إني سألت ربي خصالا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة، فأعطانيها. وسألته لا يُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها. ١٣٣٧٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية، قوله:"ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال الحسن: ثم قال لمحمد ﷺ وهو يُشهده عليهم:"انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون"، فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل، فهبط إليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إنك سألت ربك أربعًا، فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين: لن يأتيهم عذاب من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها وردِّ كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض، وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتاب والتصديق بالأنبياء، ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحي إليه: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، يقول: من أمتك = ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ = من العذاب وأنت حي = ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٤١،٤٢] . فقام نبي الله ﷺ فراجع ربه، فقال: أيّ مصيبة أشدّ من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضًا! وأوحي إليه: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ، [سورة العنكبوت: ١،٣] ، فأعلمه أن أمته لم تخصّ دون الأمم بالفتن، وأنها ستبلى كما ابتليت الأمم. ثم أنزل عليه: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون: ٩٣،٩٤] ، فتعوّذ نبي الله، فأعاذه الله، لم يرَ من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة. ثم أنزل عليه آية حذّر فيها أصحابه الفتنة، فأخبره أنه إنما يُخَصّ بها ناسٌ منهم دون ناس، فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، [سورة الأنفال: ٢٥] ، فخصّ بها أقوامًا من أصحاب محمد ﷺ بعده، وعصم بها أقوامًا. ١٣٣٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: لما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره بما يكون في أمته من الفرقة والاختلاف، فشق ذلك عليه، ثم دعا فقال: اللهم أظهر عليهم أفضلهم بقية. ١٣٣٧٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو الأسود قال، أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي الزبير قال: لما نزلت هذه الآية:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم"، قال رسول الله ﷺ: أعوذ بالله من ذلك! = قال:"أو من تحت أرجلكم"، قال: أعوذ بالله من ذلك = قال:"أو يلبسكم شيعًا"، قال: هذه أيسر! ولو استعاذه لأعاذه. ١٣٣٧٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا المؤمل البصري قال، أخبرنا يعقوب بن إسماعيل بن يسار المديني قال، حدثنا زيد بن أسلم قال: لما نزلت:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال رسول الله ﷺ: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض بالسيوف! فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله! قال: نعم! فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدًا! فأنزل الله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. * * وقال آخرون: عنى ببعضها أهل الشرك، وببعضها أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن الحسن في قوله:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"، قال: هذا للمشركين =" أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض"، قال: هذا للمسلمين. * * قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره توعَّد بهذه الآية أهلَ الشرك به من عبدة الأوثان، وإياهم خاطبَ بها، لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم، وذلك أنها تتلو قوله:"قل ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخُفْية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون"، ويتلوها قوله:" وكذب به قومك وهو الحق". وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين، كان بيّنًا أن ذلك وعيدٌ لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك، وتأخر الخبر عنه بالتكذيب = لا لمن لم يجر له ذكر. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإنه قد عم وعيدُه بذلك كلَّ من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها. وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ أنه قال:"سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة"، فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيدًا لمن ذكرتُ من المشركين، ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى ذكره بمعصيتهم إياه هذه العقوبات، فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه، من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يُعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها. وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة، فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يُسخط الله، نحو الذي ركب مَن قبلهم من الأمم السالفة، من خلافه والكفر به، فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلات والنقمات، وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله:"جاء منهن اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة. وبقيت اثنتان، الخسف والمسخ"، وذلك أنه رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال:"سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف"، = وأن قومًا من أمته سيبيتون على لهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير. وذلك إذا كان، فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية، عن أبيّ. ١٣٣٨٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان قال، أخبرنا أبي =، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا"، قال: أربع خِلال، وكلهن عذاب، وكلهن واقعٌ قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة النبيّ ﷺ بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعًا، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرجم. * * القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: انظر، يا محمد، بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربّهم = الجاحدين نعمه، وتصريفناها فيهم =" لعلهم يفقهون"، يقول: ليفقهوا ذلك ويعتبروه، فيذّكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم، من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكره ورسوله ﷺ.
  2. الآيات ٦٦–٦٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ (٦٦) لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكذب، يا محمد، قومك بما تقول وتخبر وتوعد من الوعيد ="وهو الحق"، يقول: والوعيدُ الذي أوعدناهم على مقامهم على شركهم: من بعث العذاب من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، أو لبسهم شيعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض ="الحق" الذي لا شك فيه أنه واقع إن هم لم يتوبوا وينيبوا مما هم عليه مقيمون من معصية الله والشرك به، إلى طاعة الله والإيمان به ="قل لست عليكم بوكيل"، يقول: قل لهم، يا محمد، لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، وإنما رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم ="لكل نبأ مستقر"، يقول: لكل خبر مستقر، يعني قرار يستقرّ عنده، ونهاية ينتهي إليه، فيتبين حقه وصدقه، من كذبه وباطله ="وسوف تعلمون"، يقول: وسوف تعلمون، أيها المكذبون بصحة ما أخبركم به من وعيد الله إياكم، أيها المشركون، حقيقته عند حلول عذابه بكم، فرأوا ذلك وعاينوه، فقتلهم يومئذ بأيدي أوليائه من المؤمنين. وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٨١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفصل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكذب به قومك وهو الحق"، يقول: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق = وأما"الوكيل"، فالحفيظ =، وأما"لكل نبأ مستقر"، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يَعِدهم من العذاب. ١٣٣٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"لكل نبأ مستقر"، لكل نبأ حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة ="وسوف تعلمون"، ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم. ١٣٣٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"لكل نبأ مستقر"، يقول: حقيقة. ١٣٣٨٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون"، يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة. * * وكان الحسن يتأوّل في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله ﷺ. ١٣٣٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حيان، عن الحسن أنه قرأ:"لكل نبأ مستقر"، قال: حبست عقوبتها، حتى [إذا] عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.
  3. الآية ٦٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإذا رأيت، يا محمد، المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنزلناها إليك، ووحينا الذي أوحيناه إليك، = و"خوضهم فيها"، كان استهزاءَهم بها، وسبَّهم من أنزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها ="فأعرض عنهم"، يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم، ولا تجلس معهم ="حتى يخوضوا في حديث غيره"، يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم ="وإما ينسينك الشيطان"، يقوله: وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك، فقهم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوضُ فيه بما خاضوا به فيه. وذلك هو معنى"ظلمهم" في هذا الموضع. * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكر مع القوم الظالمين. ١٣٣٨٧-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، أخبرنا معمر، عن قتادة بنحوه. ١٣٣٨٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"، قال: الذين يكذبون بآياتنا. ١٣٣٨٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين"، قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي ﷺ والقرآن فسبوه واستهزءوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأما قوله:"وإما ينسينك الشيطان"، يقول: نَهْيَنَا فتقعد معهم، فإذا ذكرت فقم. ١٣٣٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يخوضون في آياتنا"، قال: يكذبون بآياتنا. ١٣٣٩١ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن ليث، عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. ١٣٣٩٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"، وقوله: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [سورة الأنعام: ١٥٩] ؛ وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥] ؛ وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى: ١٣] ، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله. ١٣٣٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"، قال: يستهزئون بها. قال: نُهي رسول الله ﷺ أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم. فذلك قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين" = قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي ﷺ يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزءوا، فنزلت:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم"، الآية. ١٣٣٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"، قال: يكذبون. ١٣٣٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قوله:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، يعني المشركين ="وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين"، إن نسيت فذكرتَ فلا تجلس معهم.
  4. الآية ٦٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن اتقى الله فخافه، فأطاعه فيما أمره به، واجتنب ما نهاه عنه، فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله، شيء من تبعة فيما بينه وبين الله، إذا لم يكن تركه الإعراضَ عنهم رضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقه متقيًا، ولا عليه من إثمهم بذلك حرج، ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله ="لعلهم يتقون"، يقول: ليتقوا. * * ومعنى"الذكرى"، الذكرُ. و"الذكر" و"الذكرى" بمعنًى. * * وقد يجوز أن يكون"ذكرى" في موضع نصب ورفع: فأما النصب، فعلى ما وصفت من تأويل: ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى. وأما الرفع، فعلى تأويل: وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض، ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون. * * وقد ذكر أن النبي ﷺ إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله، لأن قيامه عنهم كان مما يكرهونه، فقال الله له: إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم، ليتقوا الخوضَ فيها ويتركوا ذلك. ذكر من قال ذلك: ١٣٣٩٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي ﷺ يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزءوا، فنزلت:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، الآية، قال: فجعل إذا استهزءوا قام، فحذروا وقالوا لا تستهزءوا فيقوم! فذلك قوله:"لعلهم يتقون"، أن يخوضوا فيقوم، ونزل:" وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، إن قعدوا معهم، ولكن لا تقعدوا. ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، [سورة النساء: ١٤٠] ، فنسخ قولَه:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، الآية. ١٣٣٩٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، يقول: من حساب الكفار من شيء ="ولكن ذكرى"، يقول: إذا ذكرت فقم ="لعلهم يتقون" مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم. ثم نسخها الله بعد، فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدًا، قال: وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا، الآية. ١٣٣٩٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، إن قعدوا، ولكن لا تقعد. ١٣٣٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٣٤٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى"، قال: وما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك.
السابقالجزء ٧ من ٢٤التالي

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.