سورة الأنعام

مكية • ١٦٥ آية • تبدأ في الصفحة ١٢٨

السابقالجزء ٤ من ٢٤التالي
  1. الآية ٣٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قد نعلم"، يا محمد، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون، وذلك قولهم له: إنه كذّاب ="فإنهم لا يكذبونك". * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك [فقرأته جماعة من أهل الكوفة: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ﴾ بالتخفيف] ، بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا، بل يعلمون صحته، ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به. * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون:"أكذبت الرجل"، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال: ويقولون:"كذَّبْتُه"، إذا أخبرت أنه كاذبٌ. * * وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علمًا، بل يعلمون أنك صادق = ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا. * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم. وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله ﷺ، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة، فكان بعضهم يقول:"هو شاعر"، وبعضهم يقول:"هو كاهن"، وبعضهم يقول:"هو مجنون"، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء، ومن تنزيل رب العالمين، قولا. وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا. * * فالقارئ: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ﴾ = بمعنى أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول، يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا = مصيبٌ، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته. وفي قول الله تعالى في هذه السورة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [سورة المائدة: ٢٠] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته ﷺ، مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته. * * وكذلك القارئ: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ = بمعنى: أنهم لا يكذبون رسول الله ﷺ إلا عنادًا، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته = مصيب، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته. وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل. * * ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق. ١٣١٩٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك"، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ذات يوم وهو جالس حزينٌ، فقال له: ما يُحزنك؟ فقال: كذَّبني هؤلاء! قال فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق،"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون". ١٣١٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزين، فقال له: ما يحزنك؟ . فقال: كذَّبني هؤلاء! فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، إنهم ليعلمون أنك صادق،"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون". ١٣١٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. ١٣١٩٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط: عن السدي في قوله:"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [ﷺ] رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا = فيومئذ سمّي"الأخنس"، وكان اسمه"أبيّ" = فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: وَيْحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمّد قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله:"فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"،"فآيات الله"، محمدٌ ﷺ. ١٣١٩٤- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير:"فإنهم لا يكذبونك"، قال: ليس يكذّبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون. * * ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به. ١٣١٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك، ولكن نتَّهم الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره:"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون". ١٣١٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي ﷺ: إنّا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره:"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون". * * وقال آخرون: معنى ذلك، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به. ذكر من قال ذلك: ١٣١٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب:"فإنهم لا يكذبونك"، قال: لا يبطلون ما في يديك. * * وأما قوله:"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون، فينكرون صحَّة ذلك كله. * * وكان السدي يقول:"الآيات" في هذا الموضع، معنيٌّ بها محمّد ﷺ. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ.
  2. الآية ٣٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) ﴾ قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إيّاه على ما جاءهم به من الحق من عند الله. يقول تعالى ذكره: إن يكذبك، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك، فيجحدوا نبوّتك، وينكروا آيات الله أنّها من عنده، فلا يحزنك ذلك، واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله، حتى يأتي نصر الله، فقد كُذبت رسلٌ من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضيّ لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه، حتى حكم الله بينهم وبينهم ="ولا مبدّل لكلمات الله"، يقول: ولا مغيِّر لكلمات الله = و"كلماته" تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد ﷺ، من وعده إياه النصر على من خَالفه وضادّه، والظفرَ على من تولّى عنه وأدبر ="ولقد جاءك من نبإ المرسلين"، يقول: ولقد جاءك يا محمد، من خبر من كان قبلك من الرسل، وخبر أممهم، وما صنعتُ بهم = حين جحدوا آياتي وتمادَوا في غيهم وضلالهم = أنباء = وترك ذكر"أنباء"، لدلالة"مِنْ" عليها. يقول تعالى ذكره: فانتظر أنت أيضًا من النصرة والظفر مثل الذي كان منِّي فيمن كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم، واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم. * * وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣١٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا"، يعزِّي نبيه ﷺ كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين. ١٣١٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"ولقد كذبت رسل من قبلك"، قال: يعزّي نبيَّه ﷺ. ١٣٢٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولقد كذبت رسل من قبلك"، الآية، قال: يعزِّي نبيّه ﷺ.
  3. الآية ٣٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن كان عظم عليك، يا محمد، إعراض هؤلاء المشركين عنك، وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتُك به، فشقَّ ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم ="فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض"، يقول: فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبا في الأرض مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوع، وهي أحد جِحَرِته فتذهب فيه ="أو سُلمًا في السماء"، يقول: أو مصعدًا تصعد فيه، كالدَّرَج وما أشبهها، كما قال الشاعر: لا تُحْرِزُ الْمَرْءُ أَحْجَاءُ البِلادِ، وَلا ... يُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلالِيم ="فتأتيهم بآية"، منها = يعني بعلامةٍ وبرهان على صحة قولك، غير الذي أتيتك = فافعل. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٢٠١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء"، و"النفق" السَّرب، فتذهب فيه ="فتأتيهم بآية"، أو تجعل لك سلَّمًا في السماء، فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل. ١٣٢٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض"، قال: سَرَبًا ="أو سلمًا في السماء"، قال: يعني الدَّرَج. ١٣٢٠٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء"، أما"النفق" فالسرب، وأما"السلم" فالمصعد. ١٣٢٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"نفقًا في الأرض"، قال: سربًا. * * وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر، لدلالة الكلام عليه، ومعرفة السامعين بمعناه. وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به، فيقول الرجل منهم للرجل:"إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا، إن قدرت على مَعُونتنا"، ويحذف الجواب، وهو يريد: إن قدرت على معونتنا فافعل. فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب، لم يحذفوه. لا يقال:"إن تقم"، فتسكت وتحذف الجواب، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره، حتى يقال:"إن تقم تصب خيرًا"، أو:"إن تقم فحسن"، وما أشبه ذلك. ونظيرُ ما في الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر: فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ، وَلا تَذْ ... هَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ والمعنى: فبحظٍّ مما نعيش فعيشي. * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين، وصوابٍ من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم ="فلا تكونن"، يا محمد،"من الجاهلين"، يقول: فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا، فإنك إذا علمت صحة ذلك، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق، وتكذيبُ من كذَّبك منهم. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٢٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين. * * قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة، المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه، يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ، فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله. وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به، حتى يجتمعوا على الهدى، فعلَ. ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم، كانوا مهتدين لا ضلالا. وهم لو كانوا مهتدين، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد ترك فعله بهم. وفي تركه فعل ذلك بهم، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية، ويتسبّبون بها إلى الإيمان.
  4. الآية ٣٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها، فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [سورة البقرة: ١٧١] ="والموتى يبعثهم الله"، يقول: والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٢٠٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إنما يستجيب الذين يسمعون"، المؤمنون، للذكر =" والموتى"، الكفار، حين يبعثهم الله مع الموتى. ١٣٢٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٣٢٠٨ - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" إنما يستجيب الذين يسمعون"، قال: هذا مَثَل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذَّبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدًى ولا ينتفع به. ١٣٢٠٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان الثوري، عن محمد بن جحادة، عن الحسن:"إنما يستجيب الذين يسمعون"، المؤمنون ="والموتى"، قال: الكفار. ١٣٢١٠- حدثني ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن جحادة قال: سمعت الحسن يقول في قوله:"إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله"، قال: الكفار. * * وأما قوله:"ثم إليه يرجعون"، فإنه يقول تعالى ذكره: ثم إلى الله يرجع المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول، والكفارُ الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئًا، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب، ويعاقب هذا الكافرَ بما أوعدَ أهل الكفر به من العقاب، لا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة.
  5. الآية ٣٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنزلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم، المعرضون عن آياته:"لولا نزل عليه آيه من ربه"، يقول: قالوا: هلا نزل على محمد آية من ربه؟ كما قال الشاعر: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَل مَجْدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرَي، لَولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا بمعنى: هلا الكميَّ. * * و"الآية"، العلامة. * * وذلك أنهم قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [سورة الفرقان: ٧،٨] . قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لقائلي هذه المقالة لك:"إنّ الله قادر على أن ينزل آية"، يعني: حجة على ما يريدون ويسألون="ولكن أكثرهم لا يعلمون"، يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية، لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نزلها من البلاء، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك، ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك، لم يقولوا ذلك، ولم يسألوكه، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.
  6. الآية ٣٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب، ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها. يقول: فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض، والطير في الهواء، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصكم من نعمه، وبسط عليكم من فضله، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقَّ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون، والفهم الذي لم يعطه البهائم والطيرَ، الذي به بين مصالحكم ومضارِّكم تفرِّقون. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٣٢١١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أمم أمثالكم"، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها. ١٣٢١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ١٣٢١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. ١٣٢١٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"إلا أمم أمثالكم"، يقول: إلا خلق أمثالكم. ١٣٢١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج في قوله:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، قال: الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب. * * وأما قوله:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه، كالذي:- ١٣٢١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب. ١٣٢١٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، قال: لم نُغفِل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في الكتاب. ١٣٢١٨- وحدثني به يونس مرة أخرى، قال في قوله:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، قال: كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب. * * وأما قوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى"حشرهم"، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع. فقال بعضهم:"حشرها"، موتها. ذكر من قال ذلك: ١٣٢١٩- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، قال ابن عباس: موت البهائم حشرها. ١٣٢٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ثم إلى ربهم يحشرون"، قال: يعني بالحشر، الموت. ١٣٢٢١- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، يعني بالحشر: الموت. * * وقال آخرون:"الحشر" في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة. ذكر من قال ذلك: ١٣٢٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله:"إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"، قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول:"كوني ترابًا"، فلذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: ٤٠] . ١٣٢٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر=، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ: أتدرون فيما انتطحتا؟ قالوا: لا ندري! قال:"لكن الله يدري، وسيقضي بينهما. ١٣٢٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي ﷺ فقال لي: يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا"؟ قلت: لا! قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا. * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة = وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت = وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا، ولا دلالة في ظاهر التنزيل، ولا في خبر عن النبي ﷺ أيُّ ذلك المراد بقوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، إذ كان"الحشر"، في كلام العرب الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [سورة ص: ١٩] ، يعني: مجموعة. فإذ كان الجمع هو"الحشر"، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة، وجامعهم بالموت، كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها = وأن يقال: كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، ولم يخصص به حشرًا دون حشر. * * فإن قال قائل: فما وجهُ قوله:"ولا طائر يطير بجناحيه"؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟ قيل: قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا:"كلمت فلانًا بفمي"، و"مشيت إليه برجلي"، و"ضربته بيدي"، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى ذكره: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي﴾ [سورة ص: ٢٣] . [[في المطبوعة: ذكر الآية كقراءتها في مصحفنا، هكذا: "إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة"، وليس هذا موضع استشهاد أبي جعفر، والصواب في المخطوطة كما أثبته. وهي قراءة عبد الله بن مسعود، وقد ذكرها أبو جعفر في تفسيره بعد (٢٣: ٩١، بولاق) ثم قال: [وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة، كقولهم: هذا رجل ذكر"، ولا يكادون يفعلون ذلك إلا في المؤنث والمذكر الذي تذكيره وتأنيثه في نفسه، كالمرأة والرجل والناقة، ولا يكادون أن يقولوا: "هذه دار أنثى، وملحفة أنثى"، لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها] .]]
  7. الآية ٣٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته ="صمٌّ"، عن سماع الحق ="بكم"، عن القيل به ="في الظلمات"، يعني: في ظلمة الكفر حائرًا فيها، يقول: هو مرتطم في ظلمات الكفر، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره، وقدَّره أحسن تقدير، وأعطاه القوة، وصحح له آلة جسمه = لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدًى، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه، دون معصيته وما يسخطه. فهو لحيرته في ظلمات الكفر، وتردّده في غمراتها، غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم. ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء، وأنّ بيده الخير كلُّه، وإليه الفضل كله، له الخلق والأمر. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة: ١٣٢٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"صم وبكم"، هذا مثل الكافر، أصم أبكم، لا يبصر هدًى، ولا ينتفع به، صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكِّع فيها.
  8. الآية ٤٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في معنى قوله:"أرأيتكم". فقال بعض نحويي البصرة:"الكاف" التي بعد"التاء" من قوله:"أرأيتكم" إنما جاءت للمخاطبة، وتركت"التاء" مفتوحة = كما كانت للواحد. قال: وهي مثل"كاف""رويدك زيدًا"، إذا قلت: أرود زيدًا = هذه"الكاف" ليس لها موضع مسمى بحرف، لا رفع ولا نصب، وإنما هي في المخاطبة مثل كاف"ذاك". ومثل ذلك قول العرب:"أبصرَك زيدًا"، يدخلون"الكاف" للمخاطبة. * * وقال آخرون منهم: معنى:" أرأيتكم إن أتاكم"، أرأيتم. قال: وهذه"الكاف" تدخل للمخاطبة مع التوكيد، و"التاء" وحدها هي الاسم، كما أدخلت"الكاف" التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة، كقولهم:"هذا، وذاك، وتلك، وأولئك"، فتدخل"الكاف" للمخاطبة، وليست باسم، و"التاء" هو الاسم للواحد والجميع، تركت على حال واحدة، ومثل ذلك قولهم: "ليسك ثَمَّ إلا زيد"، يراد: ليس = و"لا سِيَّك زيد"، فيراد: ولا سيما زيد = و"بلاك" فيراد،"بلى" في معنى:"نعم" = و"لبئسك رجلا ولنعمك رجلا". وقالوا:"انظرك زيدًا ما أصنع به" = و"أبصرك ما أصنع به"، بمعنى: أبصره. وحكى بعضهم:"أبصركُم ما أصنع به"، يراد: أبصروا = و"انظركم زيدًا"، أي انظروا. وحكي عن بعض بني كلاب:"أتعلمك كان أحد أشعرَ من ذي الرمة؟ " فأدخل"الكاف". وقال بعض نحويي الكوفة:"أرأيتك عمرًا" أكثر الكلام فيه ترك الهمز. قال: و"الكاف" من"أرأيتك" في موضع نصب، كأن الأصل: أرأيت نفسك على غير هذه الحال؟ قال: فهذا يثني ويجمع ويؤنث، فيقال:"أرأيتما كما" و"أرأيتموكم". و"وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ"، أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا"التاء" موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، فقالوا:"أرأيتكم زيدًا ما صنع"، و"أرأيتكنّ ما صنع"، فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها، فجعلوها بدلا من"التاء"، كما قال: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [سورة الحاقة: ١٩] ، و"هاء يا رجل"، و"هاؤما"، ثم قالوا:"هاكم"، اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع. فكأن"الكاف" في موضع رفع، إذ كانت بدلا من"التاء". وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وهي كقول القائل:"عليك زيدًا"،"الكاف" في موضع خفض، والتأويل رفع. فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على الأسماء، ثم تأتي بالاستفهام فيقال:"أرأيتك زيدًا هل قام"، لأنها صارت بمعنى: أخبرني عن زيد، ثم بيَّن عما يستخبر. فهذا أكثر الكلام. ولم يأت الاستفهام يليها. لم يقل:"أرأيتك هل قمت"، لأنهم أرادوا أن يبيِّنوا عمن يسأل، ثم تُبيّن الحالة التي يسأل عنها. وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم، فقالوا:"أرأيت إن أتيت زيدًا هل يأتينا" = و"أرأيتك" أيضًا = و"أرأيتُ زيدًا إن أتيته هل يأتينا"، إذا كانت بمعنى:"أخبرني"، فيقال باللغات الثلاث. * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ: أخبروني، إن جاءكم، أيها القوم، عذاب الله، كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالصاعقة = أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم، وتبعثون لموقف القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم من البلاء، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء؟ ="إن كنتم صادقين"، يقول: إن كنتم محقّين في دعواكم وزعمكم أنّ آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.
  9. الآية ٤١بلّغ عن خطأ

    ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مكذِّبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم، أيها المشركون بالله الآلهةَ والأندادَ، إن أتاكم عذابُ الله أو أتتكم الساعة، بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن وصنم، بل تدعون هناك ربّكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون، دون كل شيء غيره ="فيكشف ما تدعون إليه"، يقول: فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه، عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم، لأنه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء، دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان والأصنام ="وتنسون ما تشركون"، يقول: وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها، ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه، فتجعلونه له ندًّا من وثن وَصنم، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا.
  10. الآية ٤٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: = متوعدًا لهؤلاء العادلين به الأصنامَ = ومحذِّرَهم أن يسلك بهم إن هم تمادَوا في ضلالهم سبيلَ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا = ومخبرًا نبيَّه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل =:"لقد أرسلنا"، يا محمد،"إلى أمم"، يعني: إلى جماعات وقرون ="من قبلك فأخذناهم بالبأساء"، يقول: فأمرناهم ونهيناهم، فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، فامتحناهم بالابتلاء ="بالبأساء"، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة ="والضراء"، وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. * * وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في"سورة البقرة"، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله:"لعلهم يتضرعون" يقول: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليّ، ويخلصوا لي العبادة، ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري، بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليّ بالإنابة. * * وفي الكلام محذوفٌ قد استغني بما دلّ عليه الظاهرمن إظهاره دون قوله: "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم"، وإنما كان سبب أخذه إياهم، تكذيبهم الرسل وخلافهم أمرَه = لا إرسال الرسل إليهم. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى الكلام:"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك" رسلا فكذبوهم،"فأخذناهم بالبأساء". * * و"التضرع": هو"التفعل" من"الضراعة"، وهي الذلة والاستكانة.
  11. الآية ٤٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) ﴾ قال أبو جعفر: وهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما تُرك. وذلك أنه تعالى ذكره أخبرَ عن الأمم التي كذّبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له، ثم قال:"فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام:"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون"، فلم يتضرعوا،"فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا". ومعنى:"فلولا"، في هذا الموضع، فهلا. والعرب إذ أوْلَتْ"لولا" اسمًا مرفوعًا، جعلت ما بعدها خبرًا، وتلقتها بالأمر، فقالت:"فلولا أخوك لزرتك" و"لولا أبوك لضربتك"، وإذا أوْلتها فعلا أو لم تُولها اسمًا، جعلوها استفهامًا فقالوا:"لولا جئتنا فنكرمك"، و"لولا زرت أخاك فنزورك"، بمعنى:"هلا"، كما قال تعالى ذكره: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [سورة المنافقون: ١٠] . وكذلك تفعل ب"لوما" مثل فعلها ب"لولا". * * فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء ="تضرعوا"، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه. * * وقد بينا معنى"البأس" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. * * ="ولكن قست قلوبهم"، يقول: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم، وأصرُّوا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم، استهانةً بعقاب الله، واستخفافًا بعذابه، وقساوةَ قلب منهم. "وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون"، يقول: وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.
السابقالجزء ٤ من ٢٤التالي

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.