سورة الأنعام

مكية • ١٦٥ آية • تبدأ في الصفحة ١٢٨

السابقالجزء ٢٤ من ٢٤
  1. الآية ١٦٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: من وافَى ربَّه يوم القيامة في موقف الحساب، من هؤلاء الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا، بالتوبة والإيمان والإقلاع عما هو عليه مقيم من ضلالته، وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله فقال: من جاء بها فله عشر أمثالها. ويعني بقوله: ﴿فله عشر أمثالها﴾ ، فله عشر حسنات أمثال حسنته التي جاء بها = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، يقول: ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدِّين الحقّ والكفر بالله، فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء، كما وافى الله به من عمله السيئ = ﴿وهم لا يظلمون﴾ ، يقول: ولا يظلم الله الفريقين، لا فريق الإحسان، ولا فريق الإساءة، بأن يجازي المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحقّ من الجزاء. * * وقد دللنا فيما مضى على أن معنى"الظلم"، وضع الشيء في غير موضعه، بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما ذكرت، من أن معنى"الحسنة" في هذا الموضع: الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، والتصديق برسوله ="والسيئة" فيه: الشرك به، والتكذيب لرسوله = أفللإيمان أمثال فيجازى بها المؤمن؟ وإن كان له مثل، فكيف يجازى به، و"الإيمان"، إنما هو عندك قول وعمل، والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة، والإنعام عليه بما أعدّ لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود، وذلك أعيان ترى وتعاين وتحسّ ويلتذّ بها، لا قول يسمع، ولا كسبُ جوارح؟ قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: من جاء بالحسنة فوافَى الله بها له مطيعًا، فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها. فإن قال: قلت فهل لقول"لا إله إلا الله" من الحسنات مثل؟ قيل: له مثل هو غيره، [ولكن له مثل هو قول لا إله إلا الله] ، وذلك هو الذي وعد الله جل ثناؤه من أتاه به أن يجازيه عليه من الثواب بمثل عشرة أضعاف ما يستحقه قائله. وكذلك ذلك فيمن جاء بالسيئة التي هي الشرك، إلا أنه لا يجازى صاحبها عليها إلا ما يستحقه عليها من غير إضعافه عليه. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ١٤٢٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، قال رجل من القوم: فإنّ"لا إله إلا الله" حسنة؟ قال: نعم، أفضل الحسنات. ١٤٢٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش والحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، لا إله إلا الله. ١٤٢٧٣- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الأعمش والحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله قال: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: من جاء بلا إله إلا الله. قال: ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله: (من جاء بالحسنة) ، قال: لا إله إلا الله. ١٤٢٧٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاوية بن عمرو المعنَّى، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد= وعن عثمان بن الأسود، عن مجاهد والقاسم بن أبي بزة: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قالوا: بالشرك وبالكفر. ١٤٢٧٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير وابن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٧٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، قال: لا إله إلا الله. ١٤٢٧٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي المحجل، عن إبراهيم: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٨٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، مثله. ١٤٢٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن إبراهيم، مثله. ١٤٢٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر قال: كان إبراهيم يحلف بالله ما يستثني: أنّ ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، لا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، من جاء بالشرك. ١٤٢٨٣- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، في قوله: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ قال: بالشرك. ١٤٢٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو نعيم = جميعًا، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم بن أبي بزة: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: كلمة الإخلاص = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الكفر. ١٤٢٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله. ١٤٢٨٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن أشعث، عن الحسن: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله. ١٤٢٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، قال: لا إله إلا الله. ١٤٢٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله. ١٤٢٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿من جاء بالحسنة﴾ ، يقول: من جاء بلا إله إلا الله = ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ ، قال: الشرك. ١٤٢٩١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ ، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: الأعمال ستة: مُوجِبة ومُوجِبة، ومُضْعِفة ومُضْعِفة، ومِثْل ومِثْل. فأما الموجبتان: فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقي الله مشركًا به دخل النار. وأما المضعف والمضعف: فنفقة المؤمن في سبيل الله سبعمئة ضعف، ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها. وأما مثل ومثل: فإذا همّ العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة ثم عملها كتبت عليه سيئة. ١٤٢٩٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شيخ من التيم، عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، علمني عملا يقرِّبني إلى الجنة ويباعدني من النار. قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها. قال: قلت: يا رسول الله،"لا إله إلا الله" من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات. * * وقال قوم: عني بهذه الآية الأعراب، فأما المهاجرون فإن حسناتهم سبعمئة ضعف أو أكثر. ذكر من قال ذلك: ١٤٢٩٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، قال: هذه للأعراب، وللمهاجرين سبعمئة. ١٤٢٩٤- حدثنا محمد أبو نشيط بن هارون الحربي قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، قال: قال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، [سورة النساء: ٤٠] وإذا قال الله لشيء:"عظيم"، فهو عظيم. ١٤٢٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع قال: نزلت هذه الآية: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر، ويؤدّون عشر أموالهم. ثم نزلت الفرائض بعد ذلك: صوم رمضان والزكاة. * * فإن قال قائل: وكيف قيل"عشر أمثالها"، فأضيف"العشر" إلى"الأمثال"، وهي"الأمثال"؟ وهل يضاف الشيء إلى نفسه؟ قيل: أضيفت إليها لأنه مرادٌ بها: فله عشر حسنات أمثالها، فـ"الأمثال" حلّت محل المفسّر، وأضيف"العشر" إليها، كما يقال:"عندي عشر نسوة"، فلأنه أريد بالأمثال مقامها، فقيل:"عشر أمثالها"، فأخرج"العشر" مخرج عدد الحسنات، و"المثل" مذكر لا مؤنث، ولكنها لما وضعت موضع الحسنات، وكان"المثل" يقع للمذكر والمؤنث، فجعلت خلفًا منها، فعل بها ما ذكرت. ومَنْ قال:"عندي عشر أمثالها"، لم يقل:"عندي عشر صالحات"، لأن"الصالحات" فعل لا يعدّ، وإنما تعدّ الأسماء. و"المثل" اسم، ولذلك جاز العدد به. * * وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك:"فَلَهُ عَشْرٌ" بالتنوين،"أَمْثَالُهَا" بالرفع. وذلك على وجه صحيح في العربية، غير أن القرأة في الأمصار على خلافها، فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مُجْمِعة.
  2. الآية ١٦١بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ ، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنامَ = ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ ، يقول: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم، هو دين الله الذي ابتعثه به، وذلك الحنيفية المسلمة، فوفقني له = ﴿دينًا قيمًا﴾ ، يقول: مستقيمًا = ﴿ملة إبراهيم﴾ ، يقول: دين إبراهيم = ﴿حنيفًا﴾ يقول: مستقيمًا = ﴿وما كان من المشركين﴾ ، يقول: وما كان من المشركين بالله، يعني إبراهيم صلوات الله عليه، لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام. * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿دينًا قيمًا﴾ . فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض البصريين:"دِينًا قَيِّمًا" بفتح"القاف" وتشديد"الياء"، إلحاقًا منهم ذلك بقول الله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة التوبة: ٣٦ / سورة يوسف: ٤٠ / سورة الروم: ٣٠] . وبقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة: ٥] . * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بكسر"القاف" وفتح"الياء" وتخفيفها. وقالوا:"القيِّم" و"القِيَم" بمعنى واحد، وهم لغتان معناهما: الدين المستقيم. * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيبٌ، غير أن فتح"القاف" وتشديد"الياء" أعجب إليّ، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما. * * ونصب قوله: ﴿دينًا﴾ على المصدر من معنى قوله: ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ ، وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دين قويم، فاهتديت له"دينا قيما"= فالدين منصوب من المحذوف الذي هو"اهتديت"، الذي ناب عنه قوله: ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ . * * وقال بعض نحويي البصرة: إنما نصب ذلك، لأنه لما قال: ﴿هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ ، قد أخبر أنه عرف شيئًا، فقال:"دينًا قيمًا"، كأنه قال: عرفت دينًا قيما ملّة إبراهيم. * * وأما معنى الحنيف، فقد بينته في مكانه في"سورة البقرة" بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
  3. الآيات ١٦٢–١٦٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ (١٦٣) ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ ، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان = ﴿إن صلاتي ونسكي﴾ ، يقول: وذبحي = ﴿ومحياي﴾ ، يقول: وحياتي = ﴿ومماتي﴾ يقول: ووفاتي = ﴿لله رب العالمين﴾ ، يعني: أن ذلك كله له خالصًا دون ما أشركتم به، أيها المشركون، من الأوثان = ﴿لا شريك له﴾ في شيء من ذلك من خلقه، ولا لشيء منهم فيه نصيب، لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصًا = ﴿وبذلك أمرت﴾ ، يقول: وبذلك أمرني ربي = ﴿وأنا أول المسلمين﴾ ، يقول: وأنا أوّل من أقرَّ وأذْعن وخضع من هذه الأمة لربه بأن ذلك كذلك. * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال:"النسك"، في هذا الموضع، الذبح. ١٤٢٩٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿إن صلاتي ونسكي﴾ ، قال:"النسك"، الذبائح في الحج والعمرة. ١٤٢٩٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿ونسكي﴾ ، ذبحي في الحج والعمرة. ١٤٢٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ونسكي﴾ ، ذبيحتي في الحج والعمرة. ١٤٢٩٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، وليس بابن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿صلاتي ونسكي﴾ ، قال: ذبحي. ١٤٣٠٠- حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿صلاتي ونسكي﴾ ، قال: ذبحي. ١٤٣٠١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير= قال ابن مهدي: لا أدري من"إسماعيل" هذا! = ﴿صلاتي ونسكي﴾ ، قال: صلاتي وذبيحتي. ١٤٣٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿صلاتي ونسكي﴾ ، قال: وذبيحتي. ١٤٣٠٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ونسكي﴾ ، قال: ذبحي. ١٤٣٠٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿ونسكي﴾ ، قال: ذبيحتي. ١٤٣٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿صلاتي ونسكي﴾ ، قال:"الصلاة"، الصلاة، و"النسك"، الذبح. * * وأما قوله: ﴿وأنا أوّل المسلمين﴾ ، فإن:- ١٤٣٠٦- محمد بن عبد الأعلى حدثنا قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وأنا أول المسلمين﴾ ، قال: أول المسلمين من هذه الأمة.
  4. الآية ١٦٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ ، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان = ﴿أغير الله أبغي ربًّا﴾ ، يقول: أسوى الله أطلب سيدًا يسودني؟ = (وهو رب كل شيء) ، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه = ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ ، يقول: ولا تجترح نفس إثمًا إلا عليها، أي: لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى، وركبت من الخطيئة، سواها، بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه = ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ، يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها، وعليه تعاقب، دون إثم أخرى غيرها. وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمرَ الله نبيه ﷺ أن يقول هذا القول لهم. يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم، وعليكم عقوبة إجرامكم، ولنا جزاء أعمالنا. وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن يقول لهم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون:٦] ، وذلك كما:- ١٤٣٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: كان في ذلك الزمان، لا مخرج للعلماء العابدين إلا إحدى خَلَّتين: إحداهما أفضل من صاحبتها. إمَّا أمرٌ ودعاء إلى الحق، أو الاعتزال = فلا تشارك أهل الباطل في عملهم، وتؤدي الفرائض فيما بينك وبين ربك، وتحبّ لله وتبغض لله، ولا تشارك أحدًا في إثم. قال: وقد أنزل في ذلك آية محكمة: ﴿قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء﴾ ، إلى قوله: ﴿فيه تختلفون﴾ ، وفي ذلك قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [سورة البينة: ٤] . * * يقال من"الوزر""وزَر يَزِر"،"و"وزَرَ يَوْزَر"، و"وُزِرَ يُؤزر، فهو موزور". * * القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان: كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله، وعليه وزره، فاعملوا ما أنتم عاملوه - ﴿ثم إلى ربكم﴾ ، أيها الناس = ﴿مرجعكم﴾ ، يقول: ثم إليه مصيركم ومنقلبكم = ﴿فينبئكم بما كنتم فيه﴾ ، في الدنيا، ﴿تختلفون﴾ من الأديان والملل، إذ كان بعضكم يدين باليهودية، وبعضٌ بالنصرانية، وبعض بالمجوسية، وبعض بعبادة الأصنام وادِّعاء الشركاء مع الله والأنداد، ثم يجازي جميعَكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو شر، فتعلموا حينئذ من المحسنُ منَّا والمسيء. * * القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وأمته: والله الذي جعلكم، أيها الناس، ﴿خلائفَ الأرض﴾ ، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية، واستخلفكم، فجعلكم خلائف منهم في الأرض، تخلفونهم فيها، وتعمرُونها بعدَهم. * * و"الخلائف" جمع"خليفة"، كما"الوصائف" جمع"وصيفة"، وهي من قول القائل:"خَلَف فلان فلانًا في داره يخلُفه خِلافة، فهو خليفة فيها"، كما قال الشماخ: تُصِيبُهُمُ وَتُخْطِئُنِي المَنَايا ... وَأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ وذلك كما:- ١٤٣٠٨- حدثني الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ ، قال: أما"خلائف الأرض"، فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم. * * وأما قوله: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ ، فإنه يقول: وخالف بين أحوالكم، فجعل بعضكم فوق بعض، بأن رفع هذا على هذا، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى، فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا. وذلك كالذي:- ١٤٣٠٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ ، يقول: في الرزق. * * وأما قوله: ﴿ليبلوكم فيما آتاكم﴾ ، فإنه يعني: ليختبركم فيما خوَّلكم من فضله ومنحكم من رزقه، فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه، والعاصي؛ ومن المؤدِّي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه، والمفرِّط في أدائه.
  5. الآية ١٦٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ﴾

    القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ:"إن ربك"، يا محمد، لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه، وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه، ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطَوْله، تولِّيًا وإدبارًا عنه، مع إنعامه عليه، وتمكينه إياه في الأرض، كما فعل بالقرون السالفة = ﴿وإنه لغفور﴾ ، يقول: وإنه لساتر ذنوبَ مَنْ ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة، واختباره إياه بأمره ونهيه، فمغطٍّ عليه فيها، وتارك فضيحته بها في موقف الحساب = ﴿رحيم﴾ بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه، إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه. * * آخر تفسير سورة الأنعام
السابقالجزء ٢٤ من ٢٤

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.