سورة لقمان

مكية • ٣٤ آية • تبدأ في الصفحة ٤١١

السابقالجزء ٢ من ٣التالي
  1. الآية ١٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ ﴾

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثَارَانُ، فِي قَوْلِ الطَّبَرِيِّ وَالْقُتَبِيِّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مُشْكِمٌ. وَقِيلَ أَنْعَمُ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ ابْنَهُ وَامْرَأَتَهُ كَانَا كَافِرَيْنِ فَمَا زَالَ يَعِظُهُمَا حَتَّى أَسْلَمَا. قُلْتُ: وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الانعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" فَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُنْقَطِعًا مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ مُتَّصِلًا بِهِ فِي تَأْكِيدِ الْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الانعام: ٨٢] أَشْفَقَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" فَسَكَنَ إِشْفَاقُهُمْ، وَإِنَّمَا يَسْكُنُ إِشْفَاقُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَسْكُنُ الْإِشْفَاقُ بِأَنْ يَذْكُرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدٍ قَدْ وَصَفَهُ بِالْحِكْمَةِ وَالسَّدَادِ. وَ "إِذْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنَى اذكر. وقال الزجاج فِي كِتَابِهِ فِي الْقُرْآنِ: إِنَّ "إِذْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "آتَيْنا" وَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ إِذْ قَالَ. النَّحَّاسُ: وَأَحْسَبُهُ غَلَطًا، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ وَاوًا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ: "يَا بُنَيَّ" بِكَسْرِ الْيَاءِ، لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَمَنْ فَتَحَهَا فَلِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ عِنْدَهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "هُودَ" الْقَوْلُ فِي هَذَا. وَقَوْلُهُ: "يَا بُنَيَّ" لَيْسَ هُوَ عَلَى حَقِيقَةِ التَّصْغِيرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى لَفْظِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّرْقِيقِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: يا أخي، وللصبي هو كويس.
  2. الآيات ١٤–١٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا ۖ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ۚ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) ﴾

    فِيهِ ثَمَانِي مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَاتَانِ الْآيَتَانِ اعْتِرَاضٌ بَيِّنٌ أَثْنَاءَ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِمَّا أَوْصَى بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ، أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ، أَيْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وَلَا تُطِعْ فِي الشِّرْكِ وَالِدَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ وَصَّى بِهِمَا فِي طَاعَتِهِمَا مِمَّا لَا يَكُونُ شِرْكًا وَمَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: أَيْ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ، فَقُلْنَا لِلُقْمَانَ فِيمَا آتَيْنَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ، أَيْ قُلْنَا لَهُ اشْكُرْ لِلَّهِ، وَقُلْنَا لَهُ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ. وَقِيلَ: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ، لَا تُشْرِكْ، وَنَحْنُ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، وَأَمَرْنَا النَّاسَ بِهَذَا، وَأَمَرَ لُقْمَانُ بِهِ ابْنَهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقُشَيْرِيُّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي شَأْنِ سَعْدِ ابن أَبِي وَقَّاصٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْعَنْكَبُوتِ" وَعَلَيْهِ جماعة المفسرين. وَجُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ لَا تُرَاعَى فِي رُكُوبِ كَبِيرَةٍ وَلَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَتَلْزَمُ طَاعَتُهُمَا فِي الْمُبَاحَاتِ، وَيُسْتَحْسَنُ فِي تَرْكِ الطَّاعَاتِ النَّدْبِ، وَمِنْهُ أَمْرُ الْجِهَادِ الْكِفَايَةِ، وَالْإِجَابَةُ لِلْأُمِّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ إِمْكَانِ الْإِعَادَةِ، عَلَى أَنَّ هَذَا أَقْوَى مِنَ النَّدْبِ، لَكِنْ يُعَلَّلُ بِخَوْفِ هَلَكَةٍ عَلَيْهَا، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبِيحُ قَطْعَ الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ أَقْوَى مِنَ النَّدْبِ. وَخَالَفَ الْحَسَنُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ فَقَالَ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ مِنْ شُهُودِ الْعِشَاءِ شَفَقَةً فَلَا يُطِعْهَا. الثَّانِيَةُ- لَمَّا خَصَّ تَعَالَى الْأُمَّ بِدَرَجَةِ ذِكْرِ الْحَمْلِ وَبِدَرَجَةِ ذِكْرِ الرَّضَاعِ حَصَلَ لَهَا بِذَلِكَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ، وَلِلْأَبِ وَاحِدَةٌ، وَأَشْبَهَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَنْ أَبِرُّ؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أَبُوكَ) فَجَعَلَ لَهُ الرُّبُعَ مِنَ الْمَبَرَّةِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا كله في "سبحان". الثالثة- قوله تعالى: (وَهْناً عَلى وَهْنٍ) أَيْ حَمَلَتْهُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ. وَقِيلَ: الْمَرْأَةُ ضَعِيفَةُ الْخِلْقَةِ ثُمَّ يُضْعِفُهَا الْحَمْلُ. وَقَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِيُّ: "وَهْناً عَلى وَهْنٍ" بِفَتْحِ الْهَاءِ فِيهِمَا، وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهُمَا بمعنى واحد. قال قعنب ابن أُمِّ صَاحِبٍ: هَلْ لِلْعَوَاذِلِ مِنْ نَاهٍ فَيَزْجُرَهَا ... إِنَّ الْعَوَاذِلَ فِيهَا الْأَيْنُ وَالْوَهَنُ يُقَالُ: وَهَنَ يَهِنُ، وَوَهُنَ يَوْهَنُ وَوَهِنَ، يَهِنُ، مِثْلُ وَرِمَ يَرِمُ. وَانْتَصَبَ "وَهْناً" عَلَى الْمَصْدَرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. النَّحَّاسُ: عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، أَيْ حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلَى ضَعْفٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: "وَفِصالُهُ" وقرا الحسن ويعقوب: "وَفِصالُهُ" وَهُمَا لُغَتَانِ، أَيْ وَفِصَالُهُ فِي انْقِضَاءِ عَامَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْفِصَالِ الْفِطَامُ، فَعَبَّرَ بِغَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ. وَيُقَالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذَا أَيْ تَمَيَّزَ، وَبِهِ سمي الفصيل. الرَّابِعَةُ- النَّاسُ مُجْمِعُونَ عَلَى الْعَامَيْنِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ فِي بَابِ الْأَحْكَامِ وَالنَّفَقَاتِ، وَأَمَّا فِي تَحْرِيمِ اللَّبَنِ فَحَدَّدَتْ فِرْقَةٌ بِالْعَامِ لَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْعَامَانِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا مِنَ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ إِذَا كَانَ مُتَّصِلَ الرَّضَاعِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِنْ فُطِمَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْعَامَيْنِ وَتَرَكَ اللَّبَنَ فَإِنَّ مَا شُرِبَ بَعْدَ ذلك في الحو لين لَا يُحَرِّمُ، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ "أَنِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي قَوْلِ الزَّجَّاجِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ أَنِ اشْكُرْ لِي. النَّحَّاسُ: وَأَجْوَدُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ "أَنِ" مُفَسِّرَةً، وَالْمَعْنَى: قُلْنَا لَهُ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ. قِيلَ: الشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي قَبْلَهَا نَزَلَتَا فِي شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا أَسْلَمَ، وَأَنَّ أُمَّهُ وَهِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ حَلَفَتْ أَلَّا تَأْكُلَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ مُصَاحِبًا مَعْرُوفًا، يُقَالُ صَاحَبْتُهُ مُصَاحَبَةً وَمُصَاحِبًا. وَ "مَعْرُوفاً" أَيْ مَا يَحْسُنُ. وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى صِلَةِ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْمَالِ إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ، وَإِلَانَةِ الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِرِفْقٍ. وَقَدْ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسلام وقد قدمت عليه خَالَتُهَا وَقِيلَ أُمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ). وَرَاغِبَةٌ قِيلَ مَعْنَاهُ: عَنِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا رَاغِبَةٌ فِي الصِّلَةِ، وَمَا كَانَتْ لِتَقْدُمَ عَلَى أَسْمَاءَ لَوْلَا حَاجَتُهَا. وَوَالِدَةُ أَسْمَاءَ هِيَ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ أَسَدٍ. وَأُمُّ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ قديمة الإسلام. الثامنة- قوله تعالى: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ) وَصِيَّةٌ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ، كَأَنَّ الْمَأْمُورَ الْإِنْسَانُ. وَ "أَنابَ" مَعْنَاهُ مَالَ وَرَجَعَ إِلَى الشَّيْءِ، وَهَذِهِ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّ الْمَأْمُورَ سَعْدٌ، وَالَّذِي أَنَابَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَسْلَمَ أَتَاهُ سَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَسَعِيدٌ وَالزُّبَيْرٌ فَقَالُوا: آمَنْتَ! قال نعم، فنزلت فيه:" أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ" [الزمر: ٩] فَلَمَّا سَمِعَهَا السِّتَّةُ آمَنُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: "وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى " - إِلَى قَوْلِهِ- ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨ - ١٧]. قيل: الَّذِي أَنَابَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمَّا أَسْلَمَ سَعْدٌ أَسْلَمَ مَعَهُ أَخَوَاهُ عَامِرٌ وَعُوَيْمِرٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مُشْرِكٌ إِلَّا عُتْبَةَ. ثُمَّ تَوَعَّدَ عَزَّ وَجَلَّ بِبَعْثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ لِلْجَزَاءِ والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
  3. الآية ١٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍۢ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌۭ ﴾

    الْمَعْنَى: وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ لُقْمَانَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِعْلَامَ ابْنِهِ بِقَدْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْغَايَةُ الَّتِي أَمْكَنَهُ أَنْ يُفْهِمَهُ، لِأَنَّ الْخَرْدَلَةَ يُقَالُ: إِنَّ الْحِسَّ لَا يُدْرِكُ لَهَا ثِقَلًا، إِذْ لَا تُرَجِّحُ مِيزَانًا أَيْ لَوْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ رِزْقُ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ جَاءَ اللَّهُ بِهَا حَتَّى يَسُوقَهَا إِلَى مَنْ هِيَ رِزْقُهُ، أَيْ لَا تَهْتَمُّ لِلرِّزْقِ حَتَّى تَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (لَا تُكْثِرْ هَمَّكَ مَا يُقَدَّرُ يَكُونُ وَمَا تُرْزَقُ يَأْتِيكَ). وَقَدْ نَطَقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِأَنَّ اللَّهَ تعالى قد أحاط بكل شي علما، وأحصى كل شي عَدَدًا، سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تَقَعُ فِي سُفْلِ الْبَحْرِ أَيَعْلَمُهَا اللَّهُ؟ فَرَاجَعَهُ لُقْمَانُ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَعْمَالَ، الْمَعَاصِيَ وَالطَّاعَاتِ، أَيْ إِنْ تَكُ الْحَسَنَةُ أَوِ الْخَطِيئَةُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، أَيْ لَا تَفُوتُ الْإِنْسَانَ الْمُقَدَّرُ وُقُوعُهَا مِنْهُ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَصَّلُ فِي الْمَوْعِظَةِ تَرْجِيَةٌ وَتَخْوِيفٌ مُضَافٌ [ذَلِكَ] إِلَى تَبْيِينِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيَةٌ وَلَا تَخْوِيفٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ عِبَارَةٌ تَصْلُحُ لِلْجَوَاهِرِ، أَيْ قَدْرَ حَبَّةٍ، وَتَصْلُحُ لِلْأَعْمَالِ، أَيْ مَا يَزِنُهُ عَلَى جِهَةِ الْمُمَاثَلَةِ قَدْرَ حَبَّةٍ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ هِيَ مِنَ الْجَوَاهِرِ: قِرَاءَةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ "فَتَكُنْ" بِكَسْرِ الْكَافِ وَشَدِّ النُّونِ، مِنَ الْكِنِّ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ الْمُغَطَّى. وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ: "إِنْ تَكُ" بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقٍ "مِثْقالَ" بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَاسْمُهَا مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مَسْأَلَتُكَ، عَلَى مَا رُوِيَ، أَوِ الْمَعْصِيَةُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُ ابْنِ لُقْمَانَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنْ عَمِلْتُ الْخَطِيئَةَ حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَدٌ كَيْفَ يَعْلَمُهَا اللَّهُ؟ فَقَالَ لُقْمَانُ له: "يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ" الْآيَةَ. فَمَا زَالَ ابْنُهُ يَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالضَّمِيرُ فِي "إِنَّها" ضَمِيرُ الْقِصَّةِ، كَقَوْلِكَ: إِنَّهَا هِنْدٌ قَائِمَةٌ، أَيِ الْقِصَّةُ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ. وَالْبَصْرِيُّونَ يُجِيزُونَ: إِنَّهَا زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ، بِمَعْنَى إِنَّ الْقِصَّةَ. وَالْكُوفِيُّونَ لَا يُجِيزُونَ هَذَا إِلَّا فِي الْمُؤَنَّثِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ: "مِثْقالَ" بِالرَّفْعِ، وَعَلَى هَذَا "تَكُ" يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى خَرْدَلَةٍ، أَيْ إِنْ تَكُ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ. وَقِيلَ: أَسْنَدَ إِلَى الْمِثْقَالِ فِعْلًا فِيهِ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ مِنْ حَيْثُ انْضَافَ إِلَى مُؤَنَّثٍ هُوَ مِنْهُ، لِأَنَّ مِثْقَالَ الْحَبَّةِ مِنَ الْخَرْدَلِ إِمَّا سَيِّئَةً أَوْ حَسَنَةً، كَمَا قَالَ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الانعام: ١٦٠] فَأَنَّثَ وَإِنْ كَانَ الْمِثْلُ مُذَكَّرًا، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَسَنَاتِ. وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمُ وَ "تَكُ" هَاهُنَا بِمَعْنَى تَقَعُ فَلَا تَقْتَضِي خَبَرًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ قِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الْمُبَالَغَةُ وَالِانْتِهَاءُ فِي التَّفْهِيمِ، أَيْ أَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى تَنَالُ مَا يَكُونُ فِي تَضَاعِيفِ صَخْرَةٍ وَمَا يَكُونُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّخْرَةُ تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَعَلَيْهَا الْأَرْضُ. وَقِيلَ: هِيَ الصَّخْرَةُ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ. وَقَالَ السُّدِّيَّ: هِيَ صَخْرَةٌ لَيْسَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ هِيَ وَرَاءَ سَبْعِ أَرَضِينَ عَلَيْهَا مَلَكٌ قَائِمٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: "أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ" وَفِيهِمَا غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: "فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ"، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُمْكِنٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: "فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ" تَأْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ" [العلق: ٢ - ١]، وقوله:" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا" [الاسراء: ١].
  4. الآية ١٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴾

    فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ وَصَّى ابْنَهُ بِعُظْمِ الطَّاعَاتِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَهَذَا إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَزْدَجِرَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُنَا هِيَ الطَّاعَاتُ وَالْفَضَائِلُ أَجْمَعُ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فِي أَبْيَاتٍ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" ذِكْرُهَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ﴾ يَقْتَضِي حَضًّا عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ نَالَكَ ضَرَرٌ، فَهُوَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُغَيِّرَ يُؤْذَى أَحْيَانًا، وَهَذَا الْقَدْرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَالْقُوَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَّا عَلَى اللُّزُومِ فَلَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةَ". وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا كَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، وَأَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الْجَزَعِ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجل، وهذا قول حسن لأنه يعم. الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أَيْ مِمَّا عَزَمَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَعَزَائِمِ أَهْلِ الْحَزْمِ السَّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجَاةِ. وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَصْوَبُ.
  5. الآية ١٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍۢ ﴾

    فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تُصَاعِرْ" بِالْأَلِفِ بَعْدَ الصَّادِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: "تُصَعِّرْ" وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ: "تُصْعِرْ" بِسُكُونِ الصَّادِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالصَّعَرُ: الْمَيَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ: وَقَدْ أَقَامَ الدَّهْرُ صَعَرِي، بَعْدَ أَنْ أَقَمْتُ صَعَرَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ حُنَيٍّ التَّغْلِبِيِّ: وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَ وَأَنْشَدَهُ الطَّبَرِيُّ: "فَتَقَوَّمَا". قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ قَافِيَةَ الشِّعْرِ مَخْفُوضَةٌ. وَفِي بَيْتٍ آخَرَ: أَقَمْنَا لَهُ مِنْ خَدِّهِ الْمُتَصَعِّرِ قَالَ الهروي: "لا تُصَاعِرْ" أَيْ لَا تُعْرِضُ عَنْهُمْ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ، يُقَالُ: أَصَابَ الْبَعِيرَ صَعَرٌ وَصَيَدٌ إِذْ أَصَابَهُ دَاءٌ يَلْوِي مِنْهُ عُنُقَهُ. ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُتَكَبِّرِ: فِيهِ صَعَرٌ وَصَيَدٌ، فَمَعْنَى: "لَا تُصَعِّرْ" أَيْ لَا تُلْزِمْ خَدّكَ الصَّعَرَ. وَفِي الْحَدِيثِ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَصْعَرُ أو أبتر) وَالْأَصْعَرُ: الْمُعْرِضُ بِوَجْهِهِ كِبْرًا، وَأَرَادَ رُذَالَةَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: (كُلُّ صَعَّارٍ مَلْعُونٌ) أَيْ كُلُّ ذِي أُبَّهَةٍ وَكِبْرٍ. الثَّانِيَةُ- مَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا تُمِلْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ كِبْرًا عَلَيْهِمْ وَإِعْجَابًا وَاحْتِقَارًا لَهُمْ. وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ تَلْوِيَ شِدْقَكَ إِذَا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأَنَّكَ تَحْتَقِرُهُ، فَالْمَعْنَى: أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا، وَإِذَا حَدَّثَكَ أَصْغَرُهُمْ فَأَصْغِ إِلَيْهِ حَتَّى يُكْمِلَ حَدِيثَهُ. وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ). فَالتَّدَابُرُ الْإِعْرَاضُ وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابُرٌ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضْتُهُ أَعْرَضْتَ عَنْهُ وَوَلَّيْتُهُ دُبُرَكَ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ هُوَ بِكَ. وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ وَوَاجَهْتَهُ لِتُسِرَّهُ وَيُسِرَّكَ، فَمَعْنَى التَّدَابُرِ مَوْجُودٌ فِيمَنْ صَعَّرَ خَدَّهُ، وَبِهِ فَسَّرَ مُجَاهِدٌ الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: قَوْلُهُ: "وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ" كَأَنَّهُ نَهَى أَنْ يُذِلَّ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ). الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أَيْ مُتَبَخْتِرًا مُتَكَبِّرًا، مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ". وَهُوَ النَّشَاطُ وَالْمَشْيُ فَرَحًا فِي غَيْرِ شُغْلٍ وَفِي غَيْرِ حَاجَةٍ. وَأَهْلُ هَذَا الْخُلُقِ مُلَازِمُونَ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَالْمَرِحُ مُخْتَالٌ فِي مِشْيَتِهِ. رَوَى يحيى ابن جَابِرٍ الطَّائِيُّ عَنِ ابْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: فَجَلَسْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ الْقَبْرَ يُكَلِّمُ العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الظُّلْمَةِ! ألم تعلم أني بيت الحق! يا ابن آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي! لَقَدْ كُنْتَ تَمْشِي حولي فَدَّادًا. قَالَ ابْنُ عَائِذٍ قُلْتُ لِغُضَيْفٍ: مَا الْفَدَّادُ يَا أَبَا أَسْمَاءَ؟ قَالَ: كَبَعْضِ مِشْيَتِكَ يا ابن أَخِي أَحْيَانًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْمَعْنَى ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَذَا خُيَلَاءَ. وَقَالَ ﷺ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وَالْفَخُورُ: هُوَ الَّذِي يُعَدِّدُ مَا أُعْطِيَ وَلَا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَفِي اللَّفْظَةِ الْفَخْرُ بِالنَّسَبِ وغير ذلك.
  6. الآية ١٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾

    فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ لَمَّا نَهَاهُ عَنِ الْخُلُقِ الذَّمِيمِ رَسَمَ لَهُ الْخُلُقَ الْكَرِيمَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فَقَالَ: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ" أَيْ تَوَسَّطْ فِيهِ. وَالْقَصْدُ: مَا بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ، أَيْ لَا تَدِبَّ دَبِيبَ الْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا تَثِبْ وَثْبَ الشُّطَّارِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سُرْعَةُ الْمَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ). فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ- فَإِنَّمَا أَرَادَتِ السُّرْعَةَ الْمُرْتَفِعَةَ عَنْ دَبِيبِ الْمُتَمَاوِتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ حَسْبَمَا تقدم بيانه في "الفرقان". الثانية- قوله تعالى: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أَيِ انْقُصْ مِنْهُ، أَيْ لَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَ الصَّوْتِ وَخُذْ مِنْهُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْجَهْرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ تَكَلُّفٌ يُؤْذِي. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَّوَاضُعُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِمُؤَذِّنٍ تَكَلَّفَ رَفْعَ الْأَذَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ! وَالْمُؤَذِّنُ هُوَ أَبُو مَحْذُورَةَ سَمُرَةُ بْنُ مِعْيَرٍ. وَالْمُرَيْطَاءُ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الْعَانَةِ. الثَّالِثَةُ- قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) أَيْ أَقْبَحَهَا وَأَوْحَشَهَا، وَمِنْهُ أَتَانَا بِوَجْهٍ مُنْكَرٍ. وَالْحِمَارُ مَثَلٌ فِي الذَّمِّ الْبَلِيغِ وَالشَّتِيمَةِ، وَكَذَلِكَ نُهَاقُهُ، وَمِنِ استفحاشهم لِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا أَنَّهُمْ يَكْنُونَ عَنْهُ وَيَرْغَبُونَ عَنِ التَّصْرِيحِ فَيَقُولُونَ: الطَّوِيلُ الْأُذُنَيْنِ، كَمَا يُكْنَى عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ. وَقَدْ عُدَّ فِي مَسَاوِئِ الْآدَابِ أَنْ يَجْرِيَ ذِكْرُ الْحِمَارِ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ مِنْ أُولِي الْمُرُوءَةِ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَرْكَبُ الْحِمَارَ اسْتِنْكَافًا وَإِنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الرَّجْلَةُ. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرْكَبُهُ تَوَاضُعًا وَتَذَلُّلًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. الرَّابِعَةُ- فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْرِيفِ قُبْحِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُلَاحَاةِ بِقُبْحِ أَصْوَاتِ الْحَمِيرِ، لِأَنَّهَا عَالِيَةٌ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا). وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ مَا صَاحَ حِمَارٌ وَلَا نَبَحَ كَلْبٌ إِلَّا أَنْ يَرَى شَيْطَانًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثوري: صياح كل شي تَسْبِيحٌ إِلَّا نَهِيقَ الْحَمِيرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: نَهِيقُ الْحَمِيرِ دُعَاءٌ عَلَى الظَّلَمَةِ. الْخَامِسَةُ- وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدَبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الصِّيَاحِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ تَهَاوُنًا بِهِمْ، أَوْ بِتَرْكِ الصِّيَاحِ جُمْلَةً، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْخَرُ بِجَهَارَةِ الصَّوْتِ الْجَهِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَشَدَّ صَوْتًا كَانَ أَعَزَّ، وَمَنْ كَانَ أَخْفَضَ كَانَ أَذَلَّ، حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ: جَهِيرُ الْكَلَامِ جَهِيرُ الْعُطَاسِ ... جَهِيرُ الرُّوَاءِ جَهِيرُ النَّعَمْ وَيَعْدُو عَلَى الْأَيْنَ عَدْوَى الظَّلِيمِ ... وَيَعْلُو الرِّجَالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْخُلُقِ الْجَاهِلِيَّةِ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" أَيْ لَوْ أَنَّ شَيْئًا يُهَابُ لِصَوْتِهِ لَكَانَ الْحِمَارُ، فَجَعَلَهُمْ فِي الْمِثْلِ سَوَاءً. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَوَحَّدَ الصَّوْتَ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ صَاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهُوَ صَائِتٌ. وَيُقَالُ: صَوَّتَ تَصْوِيتًا فَهُوَ مُصَوِّتٌ. وَرَجُلٌ صَاتٌ أَيْ شَدِيدُ الصَّوْتِ بِمَعْنَى صائت، كقولهم: رجال مال ونال، أي كثير المال والنوال.
  7. الآيات ٢٠–٢١بلّغ عن خطأ

    ﴿ أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةًۭ وَبَاطِنَةًۭ ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ (٢١) ﴾

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ذَكَرَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَأَنَّهُ سَخَّرَ لَهُمْ "مَا فِي السَّماواتِ" مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ وَمَلَائِكَةٍ تَحُوطُهُمْ وَتَجُرُّ إِلَيْهِمْ مَنَافِعَهُمْ. "وَما فِي الْأَرْضِ" عَامٌّ فِي الْجِبَالِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَمَا لَا يُحْصَى. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) أَيْ أَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ: "وَأَصْبَغَ" بِالصَّادِ عَلَى بَدَلِهَا مِنَ السِّينِ، لِأَنَّ حُرُوفَ الِاسْتِعْلَاءِ تَجْتَذِبُ السِّينَ مِنْ سُفْلِهَا إِلَى عُلُوِّهَا فَتَرُدَّهَا صَادًا. وَالنِّعَمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ (بِفَتْحِ الدَّالِ) وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَحَفْصٍ. الْبَاقُونَ: "نِعْمَةً" عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالْإِفْرَادُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهَا الْإِسْلَامُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (الظَّاهِرَةُ الْإِسْلَامُ وَمَا حَسُنَ مِنْ خُلُقِكَ، وَالْبَاطِنَةُ مَا سُتِرَ عَلَيْكَ مِنْ سيئ عملك). النَّحَّاسُ: وَشَرْحُ هَذَا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قَالَ: يُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ. وَتَمَامُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، فَكَذَا لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ سُمِّيَ نِعْمَةً. وَقِيلَ: الظَّاهِرَةُ الصِّحَّةُ وَكَمَالُ الْخَلْقِ، وَالْبَاطِنَةُ الْمَعْرِفَةُ وَالْعَقْلُ. وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: الظَّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيَا، وَالْبَاطِنَةُ نِعَمُ الْعُقْبَى. وَقِيلَ: الظَّاهِرَةُ مَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْجَمَالِ فِي النَّاسِ وَتَوْفِيقِ الطَّاعَاتِ، وَالْبَاطِنَةِ مَا يَجِدُهُ الْمَرْءُ في نفسه من العلم بالله وَحُسْنِ الْيَقِينِ وَمَا يَدْفَعُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْعَبْدِ مِنَ الْآفَاتِ. وَقَدْ سَرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي هَذَا أَقْوَالًا تِسْعَةَ، كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى هَذَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي (الْحَجِّ) وَغَيْرِهَا. نَزَلَتْ فِي يَهُودِيٍّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ، من أي شي هُوَ؟ فَجَاءَتْ صَاعِقَةٌ فَأَخَذَتْهُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الرَّعْدِ". وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. "يُجادِلُ" يُخَاصِمُ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ (وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) أَيْ نَيِّرٍ بَيِّنٍ، إِلَّا الشَّيْطَانُ فِيمَا يُلْقِي إِلَيْهِمْ. ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ [الانعام: ١٢١] وَإِلَّا تَقْلِيدَ الْأَسْلَافِ كَمَا فِي الْآيَةِ بَعْدُ. (أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) يتبعونه.
  8. الآية ٢٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ﴾

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ يُخْلِصُ عِبَادَتَهُ وَقَصْدَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. (وَهُوَ مُحْسِنٌ) لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مِنْ غَيْرِ إِحْسَانٍ وَلَا مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ لَا تَنْفَعُ، نَظِيرُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢]. وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ". وَقَدْ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالسُّلَمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ: "وَمَنْ يُسْلِمْ". النَّحَّاسُ: وَ "يُسْلِمُ" فِي هَذَا أَعْرَفُ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وَمَعْنَى: "أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ" قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكُونُ "يُسَلِّمُ" عَلَى التَّكْثِيرِ، إلا أن المستعمل فِي سَلَّمْتُ أَنَّهُ بِمَعْنَى دَفَعْتُ، يُقَالُ سَلَّمْتُ فِي الْحِنْطَةِ، وَقَدْ يُقَالُ أَسْلَمْتُ. الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "وَمَنْ يُسَلِّمْ" بِالتَّشْدِيدِ، يُقَالُ: أَسْلِمْ أَمْرَكَ وَسَلِّمْ أَمْرَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْتَ: ماله عُدِّيَ بِإِلَى، وَقَدْ عُدِّيَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ "؟ [البقرة: ١١٢] قُلْتُ: مَعْنَاهُ مَعَ اللَّامِ أَنَّهُ جَعَلَ وَجْهَهُ وَهُوَ ذَاتُهُ وَنَفْسُهُ سَالِمًا لِلَّهِ، أَيْ خَالِصًا لَهُ. وَمَعْنَاهُ مَعَ إِلَى رَاجِعٍ إِلَى أَنَّهُ سَلَّمَ إِلَيْهِ نَفْسَهُ كَمَا يُسَلَّمُ الْمَتَاعُ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ. وَالْمُرَادُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالتَّفْوِيضُ إِلَيْهِ. (وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أَيْ مصيرها.
  9. الآيات ٢٣–٢٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُۥٓ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًۭا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ (٢٤) ﴾

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أَيْ نُجَازِيهِمْ. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ). (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا) أَيْ نُبْقِيهِمْ فِي الدُّنْيَا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِهَا. (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ) أَيْ نُلْجِئُهُمْ وَنَسُوقُهُمْ. (إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ) وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ. وَلَفَظُ "مَنْ" يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، فَلِهَذَا قَالَ: "كُفْرُهُ" ثُمَّ قَالَ: "مَرْجِعُهُمْ" وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَعْنَى.
  10. الآيات ٢٥–٢٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (٢٦) ﴾

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فَلِمَ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ عَلَى مَا هَدَانَا لَهُ مِنْ دِينِهِ، وَلَيْسَ الْحَمْدُ لِغَيْرِهِ. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ لا ينظرون ولا يتدبرون. (لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ مُلْكًا وَخَلْقًا. (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ) أَيِ الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ لِيَنْفَعَهُمُ. (الْحَمِيدُ) أي المحمود على صنعه.
السابقالجزء ٢ من ٣التالي

تفسير القرطبي — أبو عبد الله القرطبي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.