- الآية ٢٦بلّغ عن خطأ
﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴾
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنَزِّلَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وشَهِدَ اللَّهُ وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ إِلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ تَعَلَّقْنَ بِالْعَرْشِ وَلَيْسَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ وَقُلْنَ يَا رَبُّ تَهْبِطُ بِنَا دَارَ الذُّنُوبِ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ فَقَالَ الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكن عبد عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ إِلَّا أَسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ الْقُدُسِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَإِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنِي الْمَكْنُونَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةً، وَإِلَّا قَضَيْتُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعدته مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ وَنَصَرْتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ (. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: احْتَبَسْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَلَمْ أُصَلِّ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فَقَالَ:) يَا مُعَاذُ مَا مَنَعَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ ليوحنا بن بارئا الْيَهُودِيِّ عَلَيَّ أُوقِيَّةٌ مِنْ تِبْرٍ وَكَانَ عَلَى بَابِي يَرْصُدُنِي فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي دُونَكَ. قَالَ: (أَتُحِبُّ يَا مُعَاذُ أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ دَيْنَكَ)؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: (قُلْ كُلَّ يَوْمٍ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ- إِلَى قَوْلِهِ- بِغَيْرِ حِسابٍ رحمان الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا تُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ وَتَمْنَعُ مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَأَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ (. خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ- أَوْ كَلِمَاتٍ- مَا فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو بِهِنَّ وَهُوَ مَكْرُوبٌ أَوْ غَارِمٌ أَوْ ذُو دَيْنٍ إِلَّا قَضَى اللَّهُ عَنْهُ وَفَرَّجَ هَمَّهُ، احْتَبَسْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَهُ. غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ أَرْسَلَهُ عَنْ مُعَاذٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَمَّا. افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَوَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ قَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! مِنْ أَيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فَارِسَ وَالرُّومِ! هُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حَتَّى طَمِعَ فِي مُلْكِ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ دَامِغَةً لِبَاطِلِ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفطرة أن عيسى ليس في شي مِنْهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِعِنَادِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَأَنَّ عِيسَى ﷺ وَإِنْ كَانَ الله تعالى أَعْطَاهُ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، مِنْ قَوْلِهِ: "تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ". وَقَوْلِهِ: "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ" فَلَوْ كَانَ عِيسَى إِلَهًا كَانَ هَذَا إِلَيْهِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ اعْتِبَارٌ وَآيَةٌ بَيِّنَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللَّهُمَّ" بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهَا مَضْمُومَةُ الْهَاءِ مُشَدَّدَةُ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ، وَأَنَّهَا مُنَادَى، وَقَدْ جَاءَتْ مُخَفَّفَةَ الْمِيمِ فِي قَوْلِ الْأَعْشَى: كَدَعْوَةٍ مِنْ أبي رباح ... يسمعها اللهم الْكُبَارُ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَجَمِيعُ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّ أَصْلَ اللَّهُمَّ يَا أَللَّهُ، فَلَمَّا اسْتُعْمِلَتِ الْكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِّدَاءِ الَّذِي هُوَ "يَا" جَعَلُوا بَدَلَهُ هَذِهِ الْمِيمَ الْمُشَدَّدَةَ، فَجَاءُوا بِحَرْفَيْنِ وَهُمَا الْمِيمَانِ عِوَضًا مِنْ حَرْفَيْنِ وَهُمَا الْيَاءُ وَالْأَلِفُ، وَالضَّمَّةُ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ. وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ وَالْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّهُمَّ يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، فَحَذَفَ وَخَلَطَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنَّ الضَّمَّةَ الَّتِي فِي الْهَاءِ هِيَ الضَّمَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي أُمِّنَا لَمَّا حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ انْتَقَلَتِ الْحَرَكَةُ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْخَطَأِ الْعَظِيمِ، وَالْقَوْلُ فِي هَذَا مَا قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مُحَالٌ أَنْ يُتْرَكَ الضَّمُّ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ عَلَى النِّدَاءِ الْمُفْرَدِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي اسْمِ اللَّهِ ضَمَّةُ أُمَّ، هَذَا إِلْحَادٌ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا غُلُوٌّ مِنَ الزَّجَّاجِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مَا سُمِعَ قَطُّ يَا أَللَّهُ أُمَّ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ يَا اللَّهُمَّ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ حَرْفُ النِّدَاءِ عَلَى "اللَّهُمَّ" وَأَنْشَدُوا عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ الرَّاجِزِ: غَفَرْتَ أَوْ عَذَّبْتَ يَا اللَّهُمَّا آخَرُ: وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا ... سَبَّحْتِ أَوْ هللت يا اللهم ما ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخنَا مُسَلَّمَا ... فَإِنَّنَا مِنْ خَيْرِهِ لن نعدما آخَرُ: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا ... أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْمِيمُ عِوَضًا مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ لَمَا اجْتَمَعَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا شَاذٌّ وَلَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَفِي جَمِيعِ دِيوَانِ الْعَرَبِ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: هُمَا نَفَثَا فِي فِيِّ من فمويهما ... ما عَلَى النَّابِحِ الْعَاوِي أَشَدَّ رِجَامِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ: وَإِنَّمَا تُزَادُ الْمِيمُ مُخَفَّفَةً فِي فَمٍ وَابْنُمٍ، وَأَمَّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلَا تُزَادُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَا قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: "اللَّهُمَّ" وَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعَهُ دُعَاءٌ. وَأَيْضًا فَقَدْ تَقُولُ: أَنْتَ اللَّهُمَّ الرَّزَّاقُ. فَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَوْا لَكُنْتُ قَدْ فَصَلْتُ بِجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ. قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ كُلِّهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُمَّ تَجْمَعُ الدُّعَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مالِكَ الْمُلْكِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْطِيَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَ "مالِكَ" مَنْصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهُ نِدَاءٌ ثَانٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُمَّ لِأَنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إِلَيْهِ الْمِيمُ. وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ فَقَالَا: "مالِكَ" فِي الْإِعْرَابِ صِفَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ "فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ". قَالَ أَبُو عَلِيٍّ، هُوَ مذهب أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ، وَمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ أَصْوَبُ وَأَبْيَنُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُوفَةِ شي عَلَى حَدِّ "اللَّهُمَّ" لِأَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إِلَيْهِ صَوْتٌ، وَالْأَصْوَاتُ لَا تُوصَفُ، نَحْوَ غَاقٍ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَكَانَ حُكْمُ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَلَّا يُوصَفَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ وَصَفُوهُ فِي مَوَاضِعَ. فَلَمَّا ضُمَّ هُنَا مَا لَا يُوصَفُ إِلَى مَا كَانَ قِيَاسُهُ أَلَّا يُوصَفَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إِلَى صَوْتٍ، نَحْوَ حَيَّهَلْ فَلَمْ يُوصَفْ. وَ "الْمُلْكِ" هُنَا النُّبُوَّةُ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقِيلَ، الْغَلَبَةُ. وَقِيلَ: الْمَالُ وَالْعَبِيدُ. الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى مَالِكُ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَالِكُ الدنيا والآخرة. ومعنى (تُؤْتِي الْمُلْكَ) أي أَيِ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ. (مَنْ تَشاءُ) أَيْ مَنْ تَشَاءُ أَنْ تُؤْتِيَهُ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ الْحَذْفِ، أَيْ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ، ثُمَّ حَذَفَ هَذَا، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: أَلَا هَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلِ ... عَلَى النَّاسِ مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَهْمَا شَاءَ أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: (تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ) يُقَالُ: عَزَّ إِذَا عَلَا وَقَهَرَ وَغَلَبَ، وَمِنْهُ، "وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ". "(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) " ذل يذل ذلا [إِذَا غَلَبَ وَعَلَا وَقَهَرَ]. قَالَ طَرَفَةُ: بَطِيءٍ عَنِ الْجُلَّى سَرِيعٍ إِلَى الْخَنَا ... ذَلِيلٍ بِأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) أَيْ بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فَحُذِفَ، كَمَا قَالَ: "سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ". وَقِيلَ: خَصَّ الْخَيْرَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ دُعَاءٍ وَرَغْبَةٍ فِي فَضْلِهِ. قَالَ النَّقَّاشُ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أَيِ النَّصْرُ وَالْغَنِيمَةُ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِشَارَاتِ: كَانَ أَبُو جَهْلٍ يَمْلِكُ الْمَالَ الْكَثِيرَ، وَوَقَعَ فِي الرَّسِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالْفُقَرَاءُ صُهَيْبٌ وَبِلَالٌ وَخَبَّابٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، وَكَانَ مُلْكُهُمُ الْإِيمَانَ، "قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ" تُقِيمُ الرَّسُولَ يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَأْسِ الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إِلَى الْقَلِيبِ: يَا عُتْبَةُ، يَا شَيْبَةُ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ أَيْ صُهَيْبُ، أَيْ بِلَالُ، لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّا مَنَعْنَاكُمْ مِنَ الدُّنْيَا بِبُغْضِكُمْ. بِيَدِكَ الْخَيْرُ مَا مَنْعَكُمْ مِنْ عَجْزٍ "إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" إِنْعَامُ الحق عام يتولى من يشاء. - الآية ٢٧بلّغ عن خطأ
﴿ تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ" الْآيَةَ، أَيْ تُدْخِلُ مَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، حَتَّى يَصِيرَ النَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَهُوَ أَطْوَلُ مَا يَكُونُ، وَاللَّيْلُ تِسْعَ سَاعَاتٍ وَهُوَ أَقْصَرُ مَا يَكُونُ. وَكَذَا (تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَتَحْتَمِلُ أَلْفَاظُ الْآيَةِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، كَأَنَّ زَوَالَ أَحَدِهِمَا وُلُوجٌ فِي الْآخَرِ. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) فَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ تُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَإِذَا بِامْرَأَةٍ حَسَنَةِ الْهَيْئَةِ قَالَ: (مَنْ هَذِهِ)؟ قُلْنَ إِحْدَى خَالَاتِكَ. قَالَ: (وَمَنْ هِيَ)؟ قُلْنَ: هِيَ خَالِدَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ). وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً وَكَانَ أَبُوهَا كَافِرًا. فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الْكَافِرِ وَحَيَاةُ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، فَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ مُسْتَعَارَانِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ فِي الْآيَةِ حَقِيقَتَانِ، فقال كرمة: هِيَ إِخْرَاجُ الدَّجَاجَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ مِنَ الْبَيْضَةِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، وَإِخْرَاجُ الْبَيْضَةِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ مِنَ الدَّجَاجَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَّجُلِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ وَهُوَ حَيٌّ، وَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيِّتَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ الْحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُّنْبُلَةِ وَالسُّنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحَبَّةِ، وَالنَّوَاةُ مِنَ النخلة والنخلة تَخْرُجُ مِنَ النَّوَاةِ، وَالْحَيَاةُ فِي النَّخْلَةِ وَالسُّنْبُلَةِ تشبيه. قال: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) أَيْ بِغَيْرِ تَضْيِيقٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يُعْطِي بِغَيْرِ حِسَابٍ، كَأَنَّهُ لَا يَحْسِبُ مَا يُعْطِي. - الآية ٢٨بلّغ عن خطأ
﴿ لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ فَيَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ، وَمَثَلُهُ" لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ" وَهُنَاكَ يَأْتِي بيان هذا المعنى. (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أَيْ فَلَيْسَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَلَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي شي، مثل "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ". وَحَكَى سِيبَوَيْهِ "هُوَ مِنِّي فَرْسَخَيْنِ" أَيْ مِنْ أَصْحَابِي وَمَعِي. ثُمَّ اسْتَثْنَى وَهِيَ: الثَّانِيَةُ- فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جِدَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ أَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يَأْتِي مَأْثَمًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْإِنْسَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقِيَّةَ فِي الْقَتْلِ. وَقَرَأَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: "إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً" وَقِيلَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ قَائِمًا بَيْنَ الْكُفَّارِ فَلَهُ أَنْ يُدَارِيَهُمْ بِاللِّسَانِ إِذَا كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقِيَّةُ لَا تَحِلُّ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ. وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَلَّبَ وَلَا يُجِيبَ إِلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "النَّحْلِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَالَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "تُقَاةً"، وَفَخَّمَ الْبَاقُونَ، وَأَصْلُ "تُقاةً" وُقَيَةٌ على وزن فعلة، مثل تُؤَدَةٍ وَتُهَمَةٍ، قُلِبَتِ الْوَاوُ تَاءً وَالْيَاءُ أَلِفًا. وروى الضحاك ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ بَدْرِيًّا تَقِيًّا وَكَانَ لَهُ حِلْفٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ قَالَ عُبَادَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأَسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ تَكَلَّمَ بِبَعْضِ مَا أَرَادَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي [النَّحْلِ]. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ. ثُمَّ اسْتَغْنُوا عَنْ ذَلِكَ بِذَا وَصَارَ الْمُسْتَعْمَلَ، قَالَ تَعَالَى: "تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ" فَمَعْنَاهُ تَعْلَمُ مَا عِنْدِي وَمَا فِي حَقِيقَتِي وَلَا أَعْلَمُ مَا عِنْدَكَ وَلَا مَا فِي حَقِيقَتِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: المعنى ويحذركم الله عقابه، مثل "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ". وَقَالَ: "تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي" أَيْ مُغَيَّبِي، فَجُعِلَتِ النَّفْسُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ فِيهَا يَكُونُ. (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أَيْ وَإِلَى جزاء الله المصير. وفية إقرار بالبعث. - الآية ٢٩بلّغ عن خطأ
﴿ قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩). فَهُوَ الْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الصُّدُورِ وما اشتملت عليه، وبما في السموات وَالْأَرْضِ وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ، عَلَّامُ الْغُيُوبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شي، سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. - الآية ٣٠بلّغ عن خطأ
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴾
"يَوْمَ" مَنْصُوبٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ". "يَوْمَ تَجِدُ". وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ." "يَوْمَ تَجِدُ". وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ" وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَلَى إِضْمَارٍ اذْكُرْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ" [إبراهيم: ٤٧، ٤٨] وَ "مُحْضَراً" حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ مِنْ صِلَةِ "مَا" تَقْدِيرُهُ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، مَا عَمِلَتْهُ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا. هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ "تَجِدُ" مِنْ وُجْدَانِ الضَّالَّةِ. وَ "مَا" مِنْ قَوْلِهِ "وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ" عَطْفٌ عَلَى "مَا" الْأُولَى. وَ "تَوَدُّ" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ "مَا" الثَّانِيَةُ. وَإِنْ جُعِلَتْ "تَجِدُ" بِمَعْنَى تَعْلَمُ كَانَ "مُحْضَراً" الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ "تَوَدُّ" فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، تَقْدِيرُهُ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ مُحْضَرًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" الثَّانِيَةُ رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَ "تَوَدُّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ "مَا" بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، لِأَنَّ "تَوَدُّ" مَرْفُوعٌ، وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ جَزَاءً، وَكَانَ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، أَيْ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلَا يَكُونُ الْمُسْتَقْبَلُ إِذَا جُعِلَتْ "مَا" لِلشَّرْطِ إِلَّا مَجْزُومًا، إِلَّا أَنْ تَحْمِلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْفَاءِ، عَلَى تَقْدِيرِ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ فَهِيَ تَوَدُّ. أَبُو عَلِيٍّ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْفَرَّاءِ عِنْدِي، لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الانعام: ١٢١]: إِنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْفَاءِ. وَالْأَمَدُ: الْغَايَةُ، وَجَمْعُهُ آمَادٌ. وَيُقَالُ: اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ، أَيْ غَلَبَ سَابِقًا. قَالَ النَّابِغَةُ: إِلَّا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ وَالْأَمَدُ: الْغَضَبُ. يُقَالُ: أَمِدَ أَمَدًا، إِذَا غضب [غضبا]. - الآية ٣١بلّغ عن خطأ
﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴾
الْحُبُّ: الْمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الْحِبُّ بِالْكَسْرِ. وَالْحِبُّ أَيْضًا الْحَبِيبُ، مِثْلَ الْخِدْنِ وَالْخَدِينِ، يُقَالُ أَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَحَبَّهُ يَحِبُّهُ (بِالْكَسْرِ) فَهُوَ مَحْبُوبٌ. قَالَ الجوهري: وهذا شاد، لأنه لَا يَأْتِي فِي الْمُضَاعَفِ يَفْعِلُ بِالْكَسْرِ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَالْأَصْلُ فِيهِ حَبُبَ كَظَرُفَ، فَأُسْكِنَتِ الْبَاءُ وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَةِ. قَالَ ابْنُ الدَّهَّانِ سَعِيدٌ: فِي حَبَّ لُغَتَانِ: حَبَّ وَأَحَبَّ، وَأَصْلُ "حَبَّ" فِي هَذَا الْبِنَاءِ حَبُبَ كَظَرُفَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: حَبُبْتُ، وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ فَعِيلٌ مِنْ فَعُلَ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَالدِّلَالَةُ على أحب قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] بضم الياء. و ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَ "حَبَّ" يَرِدُ عَلَى فَعُلَ لِقَوْلِهِمْ حَبِيبٌ. وَعَلَى فَعُلَ كَقَوْلِهِمْ مَحْبُوبٌ: وَلَمْ يَرِدِ اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ حَبَّ الْمُتَعَدِّي، فَلَا يُقَالُ: أَنَا حَابٌّ. وَلَمْ يَرِدِ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْ أَفْعَلُ إِلَّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ وحكى أبو زيد: حببته أحبه. وأنشد: فو الله لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَبَبْتُهُ ... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُوَيْفٍ وَهَاشِمِ وَأَنْشَدَ: لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَطِلَابَ مِصْرٍ ... لَكَالْمُزْدَادِ مِمَّا حَبَّ بُعْدَا وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ فتح حرف المضارعة مع الباء وَحْدَهَا. وَالْحُبُّ الْخَابِيَةُ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالْجَمْعُ حِبَابٌ وَحِبَبَةٌ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ مَا ادَّعَوْهُ فِي عِيسَى حُبٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبُّ رَبَّنَا. وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّا لَنُحِبُّ رَبَّنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي". قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَحَبَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ إِرَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى قَصْدٍ لَهُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ ورسول طَاعَتُهُ لَهُمَا وَاتِّبَاعُهُ أَمْرَهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي". وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ إِنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالْغُفْرَانِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] أَيْ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ حُبُّ الْقُرْآنِ، وعلامة حب الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَامَةُ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ حُبُّ السُّنَّةِ، وَعَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ الْقُرْآنِ وحب النبي وَحُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الْآخِرَةِ، وَعَلَامَةُ حُبِّ الْآخِرَةِ أن يجب نَفْسَهُ، وَعَلَامَةُ حُبِّ نَفْسِهِ أَنْ يُبْغِضَ الدُّنْيَا، وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهَا إِلَّا الزَّادَ وَالْبُلْغَةَ. وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" قَالَ: (عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالتَّوَاضُعِ وَذِلَّةِ النَّفْسِ) خَرَّجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَعَلَيْهِ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَأَلَّا يُؤْذِيَ جَارَهُ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إن الله يجب فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ- قَالَ- ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ- قَالَ- فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ (. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي آخِرِ سُورَةِ "مَرْيَمَ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ (فَاتَّبِعُونِي) بِفَتْحِ الْبَاءِ، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) عَطْفٌ عَلَى "يُحْبِبْكُمُ". وَرَوَى مَحْبُوبٌ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ أَدْغَمَ الرَّاءَ مِنْ "يَغْفِرْ" فِي اللَّامِ مِنْ "لَكُمْ". قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ إِدْغَامَ الرَّاءِ فِي اللَّامِ، وَأَبُو عَمْرٍو أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَغْلَطَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخْفِي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة. - الآية ٣٢بلّغ عن خطأ
﴿ قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "النِّسَاءِ". "فَإِنْ تَوَلَّوْا" شَرْطٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَاضٍ لَا يُعْرَبُ. وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ تَوَلَّوْا عَلَى كُفْرِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) أَيْ لَا يَرْضَى فِعْلَهُمْ وَلَا يغفر لهم كما تقدم. وَقَالَ "فَإِنَّ اللَّهَ" وَلَمْ يَقُلْ "فَإِنَّهُ" لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا عَظَّمَتِ الشَّيْءَ أَعَادَتْ ذِكْرَهُ، وَأَنْشَدَ سيبويه: لا أرى الموت يسبق الموت شي ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا - الآية ٣٣بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً﴾ اصْطَفَى اخْتَارَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ. وَتَقَدَّمَ فِيهَا اشْتِقَاقُ آدَمَ وَكُنْيَتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى دِينَهُمْ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: اخْتَارَهُمْ لِلنُّبُوَّةِ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ. "وَنُوحاً" قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ نَاحَ يَنُوحُ، وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ انْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، وَهُوَ شَيْخُ الْمُرْسَلِينَ، وَأَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "الْأَعْرَافِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَعْنَى الْآلِ وَعَلَى مَا يُطْلَقُ مُسْتَوْفًى. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ وَآلِ يَاسِينَ وَآلِ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَقِيلَ: آلُ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: آلُ إِبْرَاهِيمَ نَفْسُهُ، وَكَذَا آلُ عِمْرَانَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. وَفِي الْحَدِيثِ: (لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آل داود)، وقال الشاعر: وَلَا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أَحَبَّهُ ... عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وَآلُ أَبِي بَكْرِ وَقَالَ آخَرُ: يُلَاقِي مِنْ تَذَكُّرِ آلِ لَيْلَى ... كَمَا يَلْقَى السَّلِيمُ مِنَ الْعِدَادِ أَرَادَ مِنْ تَذَكُّرِ لَيْلَى نَفْسِهَا. وَقِيلَ: آلُ عِمْرَانَ آلُ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا قَالَ: "ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ" [آل عمران: ٣ ٤ [. وَقِيلَ: الْمُرَادُ عِيسَى، لِأَنَّ أُمَّهُ ابْنَةُ عِمْرَانَ. وَقِيلَ: نَفْسُهُ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ عِمْرَانُ أَبُو مُوسَى وَهَارُونَ، وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ فَاهَاثَ بْنِ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ عِمْرَانُ أَبُو مَرْيَمَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ: عمران ابن مَاتَانَ، وَامْرَأَتُهُ حَنَّةُ (بِالنُّونِ). وَخُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ بِقَضِّهِمْ وَقَضِيضِهِمْ مِنْ نَسْلِهِمْ. وَلَمْ يَنْصَرِفْ عِمْرَانُ لِأَنَّ فِي آخِرِهِ أَلِفًا وَنُونًا زَائِدَتَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "عَلَى الْعالَمِينَ" أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: جَمِيعُ الْخَلْقِ كُلُّهُمْ. وَقِيلَ "عَلَى الْعالَمِينَ": عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إِلَى يَوْمِ الصُّورِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رُسُلٌ وَأَنْبِيَاءُ فَهُمْ صَفْوَةُ الْخَلْقِ، فَأَمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَدْ جَازَتْ مَرْتَبَتُهُ الِاصْطِفَاءَ لِأَنَّهُ حَبِيبٌ وَرَحْمَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَالرُّسُلُ خُلِقُوا لِلرَّحْمَةِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ خُلِقَ بِنَفْسِهِ رَحْمَةً، فَلِذَلِكَ صَارَ أَمَانًا لِلْخَلْقِ، لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ أَمِنَ الْخَلْقُ الْعَذَابَ إِلَى نَفْخَةِ الصُّورِ. وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَحِلُّوا هَذَا الْمَحَلَّ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) يُخْبِرُ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ (مُهْدَاةٌ) أَيْ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ. وَيُقَالُ: اخْتَارَ آدَمَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ بِقُدْرَتِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَالثَّالِثُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنْ يَسْجُدُوا لَهُ، وَالرَّابِعُ أَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، وَالْخَامِسُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَرِ. وَاخْتَارَ نُوحًا بخمسة أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَرِ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ غَرِقُوا وَصَارَ ذُرِّيَّتُهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ أَطَالَ عُمْرَهُ، وَيُقَالُ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالرَّابِعُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى السَّفِينَةِ، وَالْخَامِسُ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَخَ الشَّرَائِعَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ تَزْوِيجُ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ. وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيمَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صُلْبِهِ أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ زَمَانِهِ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالثَّانِي أَنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أَنْجَاهُ مِنَ النَّارِ، وَالرَّابِعُ أَنَّهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ، وَالْخَامِسُ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِالْكَلِمَاتِ فَوَفَّقَهُ حَتَّى أَتَمَّهُنَّ. ثُمَّ قَالَ: "وَآلَ عِمْرانَ" فَإِنْ كَانَ عِمْرَانُ أَبَا مُوسَى وَهَارُونَ فَإِنَّمَا اخْتَارَهُمَا عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ بَعَثَ عَلَى قَوْمِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْعَالَمِ. وَإِنْ كَانَ أَبَا مَرْيَمَ فَإِنَّهُ اصْطَفَى لَهُ مَرْيَمَ بِوِلَادَةِ عِيسَى بِغَيْرِ أَبٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ فِي الْعَالَمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. - الآية ٣٤بلّغ عن خطأ
﴿ ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَعْنَى الذُّرِّيَّةِ واشتقاقها. وهي نصب على الحال، قال الْأَخْفَشُ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، أَيْ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ. الْكُوفِيُّونَ: عَلَى الْقَطْعِ. الزَّجَّاجُ: بَدَلٌ، أَيِ اصْطَفَى ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمَعْنَى بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، يَعْنِي فِي التَّنَاصُرِ فِي الدِّينِ، كَمَا قال: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني في الضلالة، قال الْحَسَنُ وقَتَادَةُ. وَقِيلَ: فِي الِاجْتِبَاءِ وَالِاصْطِفَاءِ وَالنُّبُوَّةِ. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها.
تفسير القرطبي — أبو عبد الله القرطبي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.