- الآية ١٤بلّغ عن خطأ
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ﴾
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ زُيِّنَ مِنَ التَّزْيِينِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ مَنِ الْمُزَيِّنُ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: اللَّهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي التَّنْزِيلِ:" إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها"، وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ: الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لنا! نزلت: "قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ" وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُزَيِّنُ هُوَ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ زَيَّنَهَا؟ مَا أَحَدٌ أَشَدَّ لَهَا ذَمًّا مِنْ خَالِقِهَا. فَتَزْيِينُ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفَاعِ وَإِنْشَاءِ الْجِبِلَّةِ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هُوَ بالوسوسة والخد يعه وَتَحْسِينِ أَخْذِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُوهِهَا. وَالْآيَةُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ابْتِدَاءُ وَعْظٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعَاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ "زُيِّنَ" عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وَرَفْعِ "حُبٍّ". وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ، وَنَصْبِ "حُبٍّ" وَحُرِّكَتِ الْهَاءُ مِنَ "الشَّهَوَاتِ" فَرْقًا بَيْنَ الِاسْمِ وَالنَّعْتِ. وَالشَّهَوَاتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ وهى معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشئ شَهِيٌّ أَيْ مُشْتَهًى. وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ مُرْدٍ وَطَاعَتُهَا مَهْلَكَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ "رَوَاهُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفَائِدَةُ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِزِ الْمَكَارِهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا. وَأَنَّ النَّارَ لَا يُنْجَى مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَفِطَامِ النَّفْسِ عَنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" طَرِيقُ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ"، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" أَيْ طَرِيقُ الْجَنَّةِ صَعْبَةُ الْمَسْلَكِ فِيهِ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الرَّوَابِي، وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ لَا غِلَظَ فِيهِ وَلَا وُعُورَةَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ "سَهْلٌ بسهوة" وهو بالسين المهملة. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَدَأَ بِهِنَّ لِكَثْرَةِ تَشَوُّفِ النُّفُوسِ إِلَيْهِنَّ، لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَةُ الرِّجَالِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَشَدَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَفِتْنَةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَيُقَالُ: فِي النِّسَاءِ فِتْنَتَانِ، وَفِي الْأَوْلَادِ فِتْنَةٌ وَاحِدَةٌ. فَأَمَّا اللَّتَانِ فِي النِّسَاءِ فَإِحْدَاهُمَا أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْمُرُ زَوْجَهَا بِقَطْعِهِ عَنِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ. وَالثَّانِيَةُ يُبْتَلَى بِجَمْعِ المال من الحلال والحرام. وَأَمَّا الْبَنُونَ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ فِيهِمْ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَا ابْتُلِيَ بِجَمْعِ الْمَالِ لِأَجْلِهِمْ. وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمُ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَ". حَذَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ فِي إِسْكَانِهِنَّ الْغُرَفَ تَطَلُّعًا إِلَى الرِّجَالِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِينٌ لَهُنَّ وَلَا سِتْرٌ، لِأَنَّهُنَّ قَدْ يُشْرِفْنَ عَلَى الرِّجَالِ فَتَحْدُثُ الْفِتْنَةُ وَالْبَلَاءُ، وَلِأَنَّهُنَّ قَدْ خُلِقْنَ مِنَ الرَّجُلِ، فَهِمَّتُهَا فِي الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ خُلِقَ فِيهِ الشَّهْوَةُ وَجُعِلَتْ سَكَنًا لَهُ، فَغَيْرُ مَأْمُونٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَفِي تَعَلُّمِهِنَّ الْكِتَابَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْفِتْنَةِ وَأَشَدُّ. وَفِي كِتَابِ الشِّهَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَعْرُوا النِّسَاءَ يَلْزَمْنَ الْحِجَالَ". فَعَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا لَمْ يَصْبِرْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ ذَاتِ الدِّينِ لِيَسْلَمَ لَهُ الدِّينُ، قَالَ ﷺ:" عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ "أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبي هريرة. وفى سنن ابن ماجة أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ؟ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ، عَلَى الدِّينِ وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ". الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾ عُطِفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَوَاحِدٌ مِنَ الْبَنِينَ ابْنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ". وَتَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ "بُنَيَّ" كَمَا قَالَ لُقْمَانُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: "هَلْ لَكَ مِنَ ابْنَةِ حَمْزَةَ مِنْ وَلَدٍ"؟ قَالَ: نَعَمْ، لِي مِنْهَا غُلَامٌ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِهِ جَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ أُطْعِمُهَا مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي جَبَلَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" لَئِنْ قُلْتُ؟ بذلك إِنَّهُمْ لَثَمَرَةُ الْقُلُوبِ وَقُرَّةُ الْأَعْيُنِ وَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ". الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَناطِيرِ.﴾ الْقَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً" وَهُوَ الْعُقْدَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمِعْيَارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَمَا هُوَ الرِّطْلُ وَالرُّبْعُ. وَيُقَالُ لِمَا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَزْنُ: هَذَا قِنْطَارٌ، أَيْ يَعْدِلُ الْقِنْطَارَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَ مَالُهُ أَنْ يُوزَنَ بِالْقِنْطَارِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْقِنْطَارُ مَأْخُوذٌ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ لِإِحْكَامِهَا. قَالَ طَرَفَةُ: كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا ... لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادُ بِقَرْمَدِ وَالْقَنْطَرَةُ الْمَعْقُودَةُ، فَكَأَنَّ الْقِنْطَارَ عَقْدُ مَالٍ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ عَلَى أَقْوَالٍ عَدِيدَةٍ، فَرَوَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ"، وَقَالَ بِذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: "وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ الْقِنْطَارَ عَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي قَدْرِ الْأُوقِيَّةِ". وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ، أَسْنَدَهُ الْبُسْتِيُّ فِي مُسْنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ الْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ". وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَمَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ بِخَمْسِمِائَةِ آيَةٍ إِلَى الْأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ من الأجر" قيل: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: "مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا". مَوْقُوفٌ، وَقَالَ بِهِ أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ. وَذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ أَنَّهُ هَكَذَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَالَ النَّقَّاشُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ هَكَذَا بِلُغَةِ الرُّومِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ: أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرَفَعَهُ الْحَسَنُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَمِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ دِيَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَاكِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. قَتَادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ: الْقِنْطَارُ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. السُّدِّيُّ: أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ. مُجَاهِدٌ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَحَكَى مَكِّيٌّ قَوْلًا أَنَّ الْقِنْطَارَ أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ، وقال: القنطار بربر ألف مثقال. وقال الربيع ابن أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً" أَيْ مَالًا كَثِيرًا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: "إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَنْطَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَنْطَرَ أَبُوهُ" أَيْ صَارَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْمَالِ. وَعَنِ الْحَكَمِ هُوَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى "الْمُقَنْطَرَةِ" فَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ الْمُضَعَّفَةُ، وَكَأَنَّ الْقَنَاطِيرَ ثَلَاثَةٌ وَالْمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ. وَرُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَنَاطِيرُ جَمْعُ الْقِنْطَارِ، وَالْمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الْجَمْعِ، فَيَكُونُ تِسْعَ قَنَاطِيرَ. السُّدِّيُّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمَضْرُوبَةُ حَتَّى صَارَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. مَكِّيٌّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمُكَمَّلَةُ، وَحَكَاهُ الْهَرَوِيُّ، كَمَا يُقَالُ: بِدَرٌّ مُبَدَّرَةٌ، وَآلَافٌ مُؤَلَّفَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ. وَلِهَذَا سُمِّيَ الْبِنَاءُ الْقَنْطَرَةَ لِتَكَاثُفِ الْبِنَاءِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. ابْنُ كَيْسَانَ وَالْفَرَّاءُ: لَا تَكُونُ الْمُقَنْطَرَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعِ قَنَاطِيرَ. وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ إِشَارَةٌ إِلَى حُضُورِ الْمَالِ وَكَوْنِهِ عَتِيدًا. وَفِي صَحِيحِ الْبُسْتِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المقنطرين. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ الذَّهَبُ، مُؤَنَّثَةٌ، يُقَالُ: هِيَ الذَّهَبُ الْحَسَنَةُ جَمْعُهَا ذَهَابٌ وَذُهُوبٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ ذَهَبَةٍ، وَيُجْمَعُ على الا ذهاب. وَذَهَبَ فُلَانٌ مَذْهَبًا حَسَنًا. وَالذَّهَبُ: مِكْيَالٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ. وَرَجُلٌ ذَهِبٌ إِذَا رَأَى مَعْدِنَ الذَّهَبِ فَدَهِشَ. وَالْفِضَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وَجَمْعُهَا فِضَضٌ. فَالذَّهَبُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّهَابِ، وَالْفِضَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ تَفَرَّقَ، وَمِنْهُ فَضَضْتُ الْقَوْمَ فَانْفَضُّوا، أَيْ فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا. وَهَذَا الِاشْتِقَاقُ يُشْعِرُ بِزَوَالِهِمَا وَعَدَمِ ثُبُوتِهِمَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْوُجُودِ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ بَعْضِهِمْ: النَّارُ آخِرُ دِينَارٍ نَطَقْتَ بِهِ ... وَالْهَمُّ آخِرُ هَذَا الدِّرْهَمِ الْجَارِي وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَ ذَا وَرَعٍ ... مُعَذَّبُ الْقَلْبِ بَيْنَ الْهَمِّ وَالنَّارِ السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالْخَيْلِ) الْخَيْلُ مُؤَنَّثَةٌ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: وَاحِدُ الْخَيْلِ خَائِلٌ، مِثْلُ طَائِرٍ وَطَيْرٍ، وَضَائِنٍ وَضَيْنٍ، وَسُمِّيَ الْفَرَسُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَخْتَالُ فِي مَشْيِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ واحد فَرَسٌ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالنِّسَاءِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا. وَفِي الْخَبَرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْفَرَسَ مِنَ الرِّيحِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تَطِيرُ بِلَا جَنَاحٍ". وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَهَا مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ. قَالَ وَهْبٌ: فَلَيْسَ تَسْبِيحَةٌ وَلَا تَكْبِيرَةٌ وَلَا تَهْلِيلَةٌ يُكَبِّرُهَا صَاحِبُهَا إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُهَا فَيُجِيبُهُ بِمِثْلِهَا. وَسَيَأْتِي لِذِكْرِ الْخَيْلِ وَوَصْفِهَا فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" مَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ عَلَى آدَمَ جَمِيعَ الدَّوَابِّ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ مِنْهَا وَاحِدًا فَاخْتَارَ الْفَرَسَ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْتَ عِزَّكَ، فَصَارَ اسْمُهُ الْخَيْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَسُمِّيَتْ خَيْلًا لِأَنَّهَا مَوْسُومَةٌ بِالْعِزِّ فَمَنْ رَكِبَهُ اعْتَزَّ بِنِحْلَةِ اللَّهِ لَهُ وَيَخْتَالُ بِهِ عَلَى أَعْدَاءِ الله تعالى. وسمي فرسا لِأَنَّهُ يَفْتَرِسُ مَسَافَاتِ الْجَوِّ افْتِرَاسَ الْأَسَدِ وَثَبَانًا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شي خبطا وتناولا، وسمي عربيا لأنه جئ بِهِ مِنْ بَعْدِ آدَمَ لِإِسْمَاعِيلَ جَزَاءً عَنْ رَفْعِ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَإِسْمَاعِيلُ عَرَبِيٌّ، فَصَارَ لَهُ نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسُمِّيَ عَرَبِيًّا. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:" لَا يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ دَارًا فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ". وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّصَ مِنَ الْهِجَانَةِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ:" خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْأَرْثَمُ [ثُمَّ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ] طَلْقُ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ فَرَسًا [فَأَيُّهَا أَشْتَرِي]؟ قَالَ:" اشْتَرِ أَدْهَمَ أَرْثَمَ مُحَجَّلًا طَلْقَ الْيَمِينِ أَوْ مِنَ الْكُمَيْتِ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ تَغْنَمُ وَتَسْلَمُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ ... (الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، شُهْرَتُهُ أَغْنَتْ عَنْ ذِكْرِهِ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُ أَحْكَامِ الْخَيْلِ فِي "الْأَنْفَالِ" وَ "النَّحْلِ" بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (الْمُسَوَّمَةِ) يَعْنِي الرَّاعِيَةَ فِي الْمُرُوجِ وَالْمَسَارِحِ، قَالَهُ سعيد ابن جُبَيْرٍ. يُقَالُ: سَامَتِ الدَّابَّةُ وَالشَّاةُ إِذَا سَرَحَتْ تَسُومُ سَوْمًا فَهِيَ سَائِمَةٌ. وَأَسَمْتُهَا أَنَا إِذَا تَرَكْتُهَا لِذَلِكَ فَهِيَ مُسَامَةٌ. وَسَوَّمْتُهَا تَسْوِيمًا فَهِيَ مُسَوَّمَةٌ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قال: نهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعَنْ ذَبْحِ ذَوَاتِ الدَّرِّ) السَّوْمُ هُنَا فِي مَعْنَى الرَّعْيِ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "فِيهِ تُسِيمُونَ" قَالَ الْأَخْطَلُ: مِثْلِ ابْنِ بِزْعَةَ أَوْ كَآخَرَ مِثْلِهِ ... أَوْلَى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الْأَجْمَالِ أَرَادَ ابْنَ رَاعِيَةِ الْإِبِلِ. وَالسَّوَامُ: كُلُّ بَهِيمَةٍ تَرْعَى، وَقِيلَ: الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. مُجَاهِدٌ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَهَا الْحُسْنُ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وَسِيمٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُعَلَّمَةُ بِشِيَاتِ الْخَيْلِ فِي وُجُوهِهَا، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ. قُلْتُ: كُلُّ مَا ذُكِرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَتَكُونُ رَاعِيَةً مُعَدَّةً حِسَانًا مُعَلَّمَةً لِتُعْرَفَ مِنْ غَيْرِهَا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهَا صُوفَةً أَوْ عَلَامَةً تُخَالِفُ سَائِرَ جَسَدِهَا لِتَبِينَ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْمَرْعَى. وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ فِي مُجْمَلِهِ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُرْسَلَةُ وَعَلَيْهَا رُكْبَانُهَا. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: الْمُسَوَّمَةُ الْمَكْوِيَّةُ. الْمُبَرِّدُ: الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبُلْدَانِ. ابْنُ كَيْسَانَ: الْبُلْقُ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبٌ مِنَ السِّيمَا. قَالَ النَّابِغَةُ: وَضُمْرٍ كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ ... عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جِنٍّ الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِذَا قُلْتُ نَعَمٌ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِلْإِبِلِ، فَإِذَا قُلْتُ أَنْعَامٌ وَقَعَتْ لِلْإِبِلِ وَكُلِّ مَا يَرْعَى. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مُذَكَّرٌ وَلَا يؤنث، يقولون هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ، وَيُجْمَعُ أَنْعَامًا. قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَالنَّعَمُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالْأَنْعَامُ الْمَوَاشِي مِنَ الْإِبِلِ والبقر والغنم، إذا قِيلَ: النَّعَمُ فَهُوَ الْإِبِلُ خَاصَّةً. وَقَالَ حَسَّانٌ: وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ... خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: "الْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ وَالْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشَّاةُ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ". وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَالْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ. وَقَالَ: عِنْدَ اتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَلَاكِ الْقُرَى. وَفِيهِ عَنْ أم هاني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "اتَّخِذِي غَنَمًا فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً". أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الْحَرْثُ هُنَا اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُحْرَثُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا إِذَا أَثَارَ الْأَرْضَ لِمَعْنَى الْفِلَاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الْحِرَاثَةِ عَلَى زَرْعِ الْحُبُوبِ وَعَلَى الْجَنَّاتِ وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْفِلَاحَةِ. وَفَى الْحَدِيثِ: "احْرُثْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا". يُقَالُ حَرَثْتُ وَاحْتَرَثْتُ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ "احْرُثُوا هَذَا الْقُرْآنَ" أَيْ فَتِّشُوهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْحَرْثُ التَّفْتِيشُ، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ" لِأَنَّ الْحَارِثَ هُوَ الْكَاسِبُ، وَاحْتِرَاثُ الْمَالِ كَسْبُهُ، وَالْمِحْرَاثُ مُسْعِرُ النَّارِ وَالْحِرَاثُ مَجْرَى الْوَتَرِ فِي الْقَوْسِ، وَالْجَمْعُ أَحْرِثَةٌ، وَأَحْرَثَ الرَّجُلُ نَاقَتَهُ أَهْزَلَهَا. وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: مَا فَعَلَتْ نَوَاضِحِكُمْ؟ قَالُوا: حَرَثْنَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنُونَ هَزَّلْنَاهَا، يُقَالُ: حَرَثْتُ الدَّابَّةَ وَأَحْرَثْتُهَا، لُغَتَانِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قال وقد رأى سكة وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ". قِيلَ: إِنَّ الذُّلَّ هُنَا مَا يَلْزَمُ أَهْلَ الشُّغْلِ بِالْحَرْثِ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ الَّتِي يُطَالِبُهُمْ بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قول فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَضُّ عَلَى مَعَالِي الْأَحْوَالِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ أَشْرَفِ الصِّنَاعَاتِ، وَذَلِكَ لَمَّا خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْحَرْثِ وَتَضْيِيعِ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ إِنِ اشْتَغَلُوا بِالْحَرْثِ غَلَبَتْهُمُ الْأُمَمُ الرَّاكِبَةُ لِلْخَيْلِ الْمُتَعَيِّشَةُ مِنْ مَكَاسِبِهَا، فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّعَيُّشِ مِنَ الْجِهَادِ لَا مِنَ الْخُلُودِ إِلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَلُزُومِ الْمِهْنَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ قَالَ: تَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاقْطَعُوا الرُّكُبَ وَثِبُوا عَلَى الْخَيْلِ وَثْبًا لَا تَغْلِبَنَّكُمْ عَلَيْهَا رُعَاةُ الْإِبِلِ. فَأَمَرَهُمْ بِمُلَازَمَةِ الْخَيْلِ، وَرِيَاضَةِ أَبْدَانِهِمْ بِالْوُثُوبِ عَلَيْهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "ما من مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زَرَعَ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْمَالِ يَتَمَوَّلُ بِهِ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ، أَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا التُّجَّارُ، وَأَمَّا الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الْأَنْعَامُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا أَهْلُ الْبَوَادِي، وَأَمَّا الْحَرْثُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ. فَتَكُونُ فِتْنَةُ كُلِّ صِنْفٍ فِي النَّوْعِ الَّذِي يَتَمَوَّلُ، فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالْبَنُونَ فَفِتْنَةٌ لِلْجَمِيعِ. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أَيْ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيهَا ثُمَّ يَذْهَبُ وَلَا يَبْقَى. وَهَذَا مِنْهُ تَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبٌ فِي الْآخِرَةِ. رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَلَيْسَ مِنْ متاع الدنيا شي أَفْضَلَ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ". وَفِي الْحَدِيثِ: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ" أَيْ فِي مَتَاعِهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ الزَّائِدِ عَلَى الضَّرُورِيِّ. قَالَ ﷺ:" لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بن معد يكرب. وسيل سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بِمَ يَسْهُلُ عَلَى الْعَبْدِ تَرْكُ الدُّنْيَا وَكُلِّ الشَّهَوَاتِ؟ قَالَ: بِتَشَاغُلِهِ بما أمر به. الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَالْمَآبُ المرجع، آب يؤوب إِيَابًا إِذَا رَجَعَ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ وقال آخر: وكل ذى غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب وَأَصْلُ مَآبٍ مَأَوِبٌ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْهَمْزَةِ وَأُبْدِلَ مِنَ الْوَاوِ أَلِفٌ، مِثْلَ مَقَالٍ. وَمَعْنَى الْآيَةِ تَقْلِيلُ الدُّنْيَا وَتَحْقِيرُهَا وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ. - الآية ١٥بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴾
مُنْتَهَى الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: "مِنْ ذلِكُمْ"، "لِلَّذِينَ اتَّقَوْا" خبر مقدم، و "جَنَّاتٌ" رفع بالابتداء. وقيل: منتهاه "عِنْدَ رَبِّهِمْ"، و "جَنَّاتٌ" عَلَى هَذَا رُفِعَ بِابْتِدَاءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ جَنَّاتٌ. وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ "جَنَّاتٌ" بِالْخَفْضِ بدلا من "بِخَيْرٍ" وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ "خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. فَقَوْلُهُ" فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ" مِثَالٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ. وَمَا قَبْلُ مِثَالٌ لِلْأُولَى. فَذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ تَسْلِيَةً عَنِ الدُّنْيَا وَتَقْوِيَةً لِنُفُوسِ تَارِكِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَعَانِي ألفاظ هذه الآية. وَالرِّضْوَانُ مَصْدَرٌ مِنَ الرِّضَا، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ "تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ"؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا وأى شي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: "رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبْدًا" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي قَوْلِهِ تعالى: "وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ" وعد ووعيد. - الآيات ١٦–١٧بلّغ عن خطأ
﴿ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٦) ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ (١٧) ﴾
"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ "لِلَّذِينَ اتَّقَوْا" وَإِنْ شِئْتَ كَانَ رَفْعًا أَيْ هُمُ الَّذِينَ، أَوْ نَصْبًا عَلَى الْمَدْحِ. (رَبَّنا) أَيْ يَا رَبَّنَا. (إِنَّنا آمَنَّا) أَيْ صَدَّقْنَا. (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) دُعَاءٌ بِالْمَغْفِرَةِ. (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ. (الصَّابِرِينَ) يَعْنِي عَنِ الْمَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: عَلَى الطَّاعَاتِ. (وَالصَّادِقِينَ) أَيْ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ (وَالْقانِتِينَ) الطَّائِعِينَ. (وَالْمُنْفِقِينَ) يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى الْكَمَالِ. فَفَسَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَحْوَالَ الْمُتَّقِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْجَنَّاتِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ" فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: هُمُ السَّائِلُونَ الْمَغْفِرَةَ. قَتَادَةُ: الْمُصَلُّونَ. قُلْتُ: وَلَا تَنَاقُضَ، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ. وَخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَظَانُّ الْقَبُولِ وَوَقْتُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَنِيهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي": "إِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى السَّحَرِ" خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَسَيَأْتِي. وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ "أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ"؟ فَقَالَ: "لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ عِنْدَ السَّحَرِ". يُقَالُ سَحَرٌ وَسَحْرٌ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: السَّحَرُ مِنْ حِينِ يُدْبِرُ اللَّيْلُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّحَرُ هُوَ سدس الليل الأخر. قُلْتُ: أَصَحُّ مِنْ هَذَا مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ" فِي رِوَايَةٍ "حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ" لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ مُفَسَّرًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى". صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ، وَهُوَ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ كُلَّ احْتِمَالٍ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ يَنْزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا فَيَقُولُ. وَقَدْ رُوِيَ "يُنْزِلُ" بِضَمِ الْيَاءِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِهِ فِي "الْكِتَابِ الْأَسْنَى؟ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى". مَسْأَلَةٌ- الِاسْتِغْفَارُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ: "وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ". وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَّحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفَارَةً. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ اللَّيْلِ نَادَى مُنَادٍ لِيَقُمِ الْقَانِتُونَ فَيَقُومُونَ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ إِلَى السَّحَرِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُسْتَغْفِرُونَ فَيَسْتَغْفِرُ أُولَئِكَ، وَيَقُومُ آخَرُونَ فَيُصَلُّونَ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ. فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمِ الْغَافِلُونَ فَيَقُومُونَ مِنْ فُرُشِهِمْ كَالْمَوْتَى نُشِرُوا مِنْ قُبُورِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ إِنِّي لَأَهُمُّ بِعَذَابِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى عُمَّارِ بُيُوتِي وَإِلَى الْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَإِلَى الْمُتَهَجِّدِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ صَرَفْتُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بِهِمْ". قَالَ مَكْحُولٌ: إِذَا كَانَ فِي أُمَّةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً لَمْ يُؤَاخِذِ اللَّهُ تِلْكَ الامة بعذاب العامة. ذكره أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الْحِلْيَةِ لَهُ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْلَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُولُ لَا. فَيُعَاوِدُ الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم فهو يَسْتَغْفِرُ. وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ: يَا رَبُّ، أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا [هُوَ] ابْنُ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ. لَا مَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَغْفِرِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا يَكُنِ الدِّيكُ أَكْيَسَ مِنْكَ، يُنَادِي بِالْأَسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِمٌ". وَالْمُخْتَارُ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِغْفَارِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَامِعِ غَيْرُهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوَذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ- قَالَ- وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ الْبَكْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ لَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكَ كَمَدَبِّ النَّمْلِ- أَوْ كَمَدَبِّ الذَّرِّ- لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَكَ عَلَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنت".
تفسير القرطبي — أبو عبد الله القرطبي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.