سورة النمل

مكية • ٩٣ آية • تبدأ في الصفحة ٣٧٧

السابقالجزء ٢ من ٢
  1. الآية ٦٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾

    {64} أي: من هو الذي يبدأُ الخَلْقَ وينشئ المخلوقاتِ ويبتدي خلقَها ثم يعيدُ الخَلْقَ يوم البعث والنشور؟! {ومن يرزقُكم من السماء والأرض} بالمطر والنبات؟! {أإلهٌ مع الله}: يفعلُ ذلك ويقدر عليه، {قل هاتوا برهانكم}؛ أي: حجَّتكم ودليلكم على ما قلتم: {إن كنتُم صادقين} وإلاَّ؛ فبتقدير أنَّكم تقولون: إنَّ الأصنام لها مشاركة له في شيء من ذلك؛ فذلك مجرَّد دعوى صَدِّقُوهَا بالبرهان، وإلاَّ؛ فاعرفوا أنَّكم مبطلون لا حجَّة لكم، فارجِعوا إلى الأدلَّة اليقينيَّة والبراهين القطعيَّة الدالَّة على أنَّ الله هو المتفرِّد بجميع التصرُّفات وأنَّه المستحقُّ أن يُصْرَفَ له جميع أنواع العبادات.
  2. الآيات ٦٥–٦٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًۭا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ (٦٩) ﴾

    {65} يخبر تعالى أنه المنفردُ بعلم غيب السماواتِ والأرض؛ كقوله تعالى:{وعنده مفاتِحُ الغيبِ لا يَعۡلَمُها إلاَّ هو ويَعۡلَمُ ما في البرِّ والبحرِ وما تسقُطُ من ورقةٍ إلاَّ يعلمُها ولا حبَّةٍ في ظلمات الأرضِ ولا رطبٍ ولا يابس إلاَّ في كتابٍ مبين}، وكقوله:{إنَّ الله عندَه علمُ الساعةِ وينزِّلُ الغيثَ ويعلم ما في الأرحام ... } إلى آخر السورة؛ فهذه الغيوب ونحوها اختصَّ الله بعلمِها، فلم يعلَمْها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسلٌ، وإذا كان هو المنفردُ بعلم ذلك، والمحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا؛ فهو الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له. ثم أخبر تعالى عن ضَعْفِ علم المكذِّبين بالآخرة، منتقلاً من شيء إلى ما هو أبلغ منه، فقال:{وما يشعُرونَ}؛ أي: وما يدرون {أيانَ يُبۡعَثونَ}؛ أي: متى البعث والنشور والقيام من القبور؛ أي: فلذلك لم يستعدوا. {66}{بل ادَّارَكَ علمُهم في الآخرة}؛ أي: بل ضَعُفَ وقلَّ ولم يكن يقيناً ولا علماً واصلاً إلى القلب، وهذا أقلُّ وأدنى درجة للعلم، ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علمٌ ولا ضعيفٌ، وإنما {هم في شكٍّ منها}؛ أي: من الآخرة، والشكُّ زال به العلم؛ لأنَّ العلم بجميع مراتبه لا يُجامِعُ الشكَّ. {بل هم منها}؛ أي: من الآخرة {عَمونَ}: قد عَمِيَتْ عنها بصائِرُهم، ولم يكنْ في قلوبهم من وقوعها، ولا احتمالٌ، بل أنكروها واستبعَدوها. {67} ولهذا قال: {وقال الذين كفروا أإذا كُنَّا تراباً وآباؤنا أإنَّا لَمُخۡرَجونَ}؛ أي: هذا بعيدٌ غير ممكن؛ قاسوا قدرة كامل القدرة بقُدَرِهِم الضعيفة. {68}{لقد وُعِدۡنا هذا}؛ أي: البعث {نحنُ وآباؤنا من قبلُ}؛ أي: فلم يجئنا ولا رأينا منه شيئاً. {إنۡ هذا إلاَّ أساطيرُ الأولينَ}؛ أي: قَصصهم وأخبارهم التي تُقطع بها الأوقات، وليس لها أصل، ولا صِدْقَ فيها. فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذِّبين بالإخبار أنَّهم لا يدرونَ متى وقتُ الآخرة، ثم الإخبار بضَعْفِ علمِهِم فيها، ثم الإخبار بأنَّه شكٌّ، ثم الإخبار بأنه عمىً، ثم الإخبار بإنكارِهم لذلك واستبعادِهم وقوعَه؛ أي: وبسبب هذه الأحوال؛ تَرَحَّلَ خوفُ الآخرة من قلوبهم، فأقدموا على معاصي الله، وسَهُلَ عليهم تكذيب الحقِّ والتصديق بالباطل، واستحلُّوا الشهواتِ على القيام بالعبادات، فخسروا دُنياهم وأخراهم. {69} ثمَّ نبَّههم على صدق ما أخبرت به الرسل، فقال:{قل سيروا في الأرض فانۡظُروا كيف كانَ عاقبةُ المجرمينَ}؛ فلا تجدون مجرماً قد استمرَّ على إجرامه إلاَّ وعاقبتُه شرُّ عاقبة، وقد أحلَّ الله به من الشرِّ والعقوبة ما يَليق بحاله.
  3. الآيات ٧٠–٧٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) ﴾

    {70} أي: لا تحزنْ يا محمدُ على هؤلاء المكذِّبين وعدم إيمانهم؛ فإنَّك لو علمتَ ما فيهم من الشرِّ وأنَّهم لا يَصْلُحون للخير؛ لم تأسَ ولم تحزنْ، ولا يضيق صدرك ولا تقلق نفسك بمكرِهِم؛ فإنَّ مكرَهم سيعود عاقبته عليهم، {ويمكُرون ويَمۡكُرُ اللهُ والله خيرُ الماكرينَ}. {71} ويقولُ المكذِّبون بالمَعاد وبالحقِّ الذي جاء به الرسولُ مستعجلينَ للعذاب: {متى هذا الوعدُ إن كنتُم صادقينَ}: وهذا من سفاهة رأيِهِم وجهلِهِم؛ فإنَّ وقوعَه ووقتَه قد أجَّله الله بأجَلِهِ وقَدَّرَه بقدرٍ؛ فلا يدلُّ عدم استعجاله على بعض مطلوبهم، ولكن مع هذا قال تعالى محذِّراً لهم وقوعَ ما يستعجِلون: {72}{قل عسى أن يكونَ رَدِفَ لكم}؛ أي: قرب منكم وأوشك أن يقعَ بكم {بعضُ الذي تستعجِلونَ}: من العذاب.
  4. الآيات ٧٣–٧٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍۢ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ (٧٥) ﴾

    {73} ينبِّه عباده على سَعَةِ جوده وكَثْرَةِ أفضاله، ويحثُّهم على شكرِها، ومع هذا؛ فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر، واشتغلوا بالنعم عن المنعم. {74}{وإنَّ ربَّك لَيعلمُ ما تُكِنُّ}؛ أي: تنطوي عليه {صدورُهم وما يُعۡلِنون}: فليحذروا من عالم السَّرائر والظَّواهر وليراقبوه. {75}{وما من غائبةٍ في السماء والأرض}؛ أي: خفيَّةٍ وسرٍّ من أسرار العالم العلويِّ والسفليِّ {إلاَّ في كتابٍ مبينٍ}: قد أحاط ذلك الكتابُ بجميع ما كان ويكون إلى أن تقومَ الساعةُ؛ فكل حادث يحدث جليٍّ أو خفيٍّ؛ إلاَّ وهو مطابقٌ لما كتب في اللوح المحفوظ.
  5. الآيات ٧٦–٧٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُۥ لَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) ﴾

    {76} وهذا خبر عن هيمنةِ القرآن على الكتبِ السابقةِ وتفصيله وتوضيحه لما كان فيها قد وقع فيه اشتباهٌ واختلافٌ عند بني إسرائيل، فقصَّه هذا القرآن قصًّا زال به الإشكال، وبيَّن الصوابَ من المسائل المختلَف فيها. {77} وإذا كان بهذه المثابة من الجلالة والوضوح وإزالةِ كلِّ خلافٍ وفَصْل كلِّ مشكل؛ كان أعظم نعم الله على العباد، ولكن ما كل أحدٍ يقابِلُ النعمةَ بالشُّكر، ولهذا بيَّن أن نفعه ونورَه وهُداه مختصٌ بالمؤمنين، فقال:{وإنَّه لهدى}: من الضلالة والغيِّ والشبه، {ورحمةٌ}: تنثلج له صدورُهم وتستقيمُ به أمورهم الدينيَّة والدنيويَّة، {للمؤمنين}: به المصدِّقين له المتلقِّين له بالقبول المقبِلين على تدبُّره المتفكِّرين في معانيه؛ فهؤلاء تحصُلُ لهم به الهدايةُ إلى الصراط المستقيم والرحمة المتضمِّنة للسعادةِ والفوزِ والفلاح.
  6. الآية ٧٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴾

    {78} أي: إنَّ الله تعالى سيفصِلُ بين المختصمين وسيحكُم بين المختلفين بحكمِهِ العدل وقضائِهِ القسط؛ فالأمور؛ وإنْ حَصَلَ فيها اشتباهٌ في الدُّنيا بين المختلفين لخفاء الدليل أو لبعض المقاصد؛ فإنَّه سيبين فيها الحقُّ المطابقُ للواقع حين يحكُمُ الله فيها. {وهو العزيزُ}: الذي قهر الخلائق فأذعنوا له. {العليم}: بجميع الأشياء، العليم بأقوال المختلفين، وعن ماذا صدرت، وعن غاياتها ومقاصدها، وسيجازي كلًّا بما علمه فيه.
  7. الآيات ٧٩–٨١بلّغ عن خطأ

    ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (٨١) ﴾

    {79} أي: اعتمدْ على ربِّك في جلب المصالح ودفع المضارِّ وفي تبليغ الرسالة وإقامة الدين وجهاد الأعداء. {إنَّك على الحقِّ المُبين}: الواضح، والذي على الحقِّ يدعو إليه ويقوم بنصرته أحقُّ من غيرِهِ بالتوكُّل؛ فإنَّه يسعى في أمر مجزوم به، معلوم صدقه، لا شكَّ فيه ولامِرْيَةَ، وأيضاً؛ فهو حقٌّ في غاية البيان، لا خفاء به ولا اشتباه. {80} وإذا قمتَ بما حملت وتوكلَّت على الله في ذلك؛ فلا يضرُّك ضلالُ مَن ضلَّ وليس عليك هداهم؛ فلهذا قال:{إنَّك لا تُسۡمِعُ الموتى ولا تُسۡمِعُ الصمَّ الدُّعاء}؛ أي: حين تدعوهم وتناديهم، وخصوصاً:{إذا وَلَّوۡا مُدۡبِرينَ}: فإنه يكون أبلغَ في عدم إسماعهم. {81}{وما أنت بهادي العُمۡي عن ضلالتهم}: كما قال تعالى: {إنَّك لا تَهۡدي مَنۡ أحببتَ ولكنَّ الله يَهۡدي مَن يشاءُ}. {إن تُسۡمِعُ إلاَّ مَن يؤمنُ بآياتنا فهم مسلمونَ}؛ أي: هؤلاء الذين ينقادون لك، الذين يؤمنون بآيات الله وينقادون لها بأعمالهم واستسلامهم؛ كما قال تعالى:{إنَّما يستجيبُ الذين يسمعونَ. والموتى يبعثُهُم اللهُ ثم إليه يُرۡجَعون}.
  8. الآية ٨٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾

    {82} أي: إذا وقع على الناس {القولُ} الذي حَتَّمهُ الله وفرضَ وقته؛ {أخرجنا لهم دابَّةً} خارجةً {من الأرض}، أو دابةً من دوابِّ الأرض، ليست من السماء، وهذه الدابَّة {تكلِّمهم}؛ أي: تكلِّم العباد {أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}؛ أي: لأجل أنَّ الناس ضَعُفَ علمهم ويقينهم بآيات الله؛ فإظهار الله هذه الدابة من آياتِ الله العجيبة؛ ليبيِّن للناس ما كانوا فيه يمترون. وهذه الدابَّة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان، وتكون من أشراط الساعة؛ كما تكاثرت بذلك الأحاديث ، [لم يذكر الله ورسوله كيفيَّة هذه الدابة، وإنَّما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنَّها من آيات الله؛ تكلِّم الناسَ كلاماً خارقاً للعادة حين يقعُ القول على الناس وحين يمترونَ بآياتِ الله، فتكون حجَّة وبرهاناً للمؤمنين، وحجَّة على المعاندين].
  9. الآيات ٨٣–٨٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ فَوْجًۭا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (٨٥) ﴾

    {83} يخبر تعالى عن حالة المكذِّبين في موقف القيامة، وأنَّ الله يجمَعُهم ويحشُرُ من كلِّ أمةٍ من الأمم فوجاً وطائفةً، {مِمَّن يكذِّبُ بآياتِنا فهم يُوزَعون}: يُجْمَعُ أوَّلُهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم؛ ليعمَّهم السؤال والتوبيخ واللوم. {84}{حتى إذا جاؤوا}: وحضروا؛ قال لهم موبِّخاً ومقرِّعاً:{أكذَّبۡتُم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً}؛ أي: الواجب عليكم التوقف حتى ينكشف لكم الحقُّ، وأن لا تتكلَّموا إلا بعلم؛ فكيف كذبتم بأمر لم تحيطوا به علماً. {أم ماذا كنتم تعملونَ}؛ أي: يسألهم عن علمهم وعن عملهم، فيجد علمهم تكذيباً بالحق وعَمَلَهم لغير الله، أو على غير سنة رسولهم. {85}{ووقع القول عليهم بما ظلموا}؛ أي: حقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم الذي استمرُّوا عليه وتوجهت عليهم الحجة، {فهم لا ينطِقونَ}: لأنه لا حجة لهم.
  10. الآية ٨٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴾

    {86} أي: ألم يشاهِدوا هذه الآية العظيمة والنعمةَ الجسيمةَ، وهو تسخيرُ الله لهم الليل والنهار، هذا بظلمتِهِ لِيَسْكُنوا فيه ويستريحوا من التعب ويستعدُّوا للعمل، وهذا بضيائه لينتَشِروا فيه في معاشهم وتصرُّفاتهم. {إنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنونَ}: على كمالِ وحدانيَّة الله وسبوغ نعمتِهِ.
  11. الآيات ٨٧–٩٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةًۭ وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌۭ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍۢ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ (٨٩) وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) ﴾

    {87} يخوِّفُ تعالى عبادَه ما أمامهم من يوم القيامة وما فيه من المحنِ والكروبِ ومزعجات القلوب، فقال:{ويوم يُنفَخُ في الصور فَفَزِغَ}: بسبب النفخ فيه {مَن في السمواتِ ومن في الأرض}؛ أي: انزعجوا وارتاعوا وماج بعضُهم ببعضٍ خوفاً مما هو مقدِّمة له {إلاَّ مَن شاء الله}: ممَّن أكرمه الله وثبَّته وحَفِظَه من الفزع. {وكلٌّ} من الخلق عند النفخ في الصور {أتَوۡه داخِرينَ}: صاغِرين ذليلينَ؛ كما قال تعالى:{إن كلُّ مَن في السمواتِ والأرضِ إلاَّ آتي الرحمن عبداً}. ففي ذلك اليوم يتساوى الرؤساءُ والمرؤوسون في الذُّلِّ والخضوع لمالك الملك. {88} ومن هَوْلِهِ أنَّك {ترى الجبال تَحۡسَبُها جامدةً}: لا تفقد شيئاً منها ، وتظنُّها باقية على الحال المعهودة، وهي قد بلغت منها الشدائدُ والأهوالُ كلَّ مبلغ، وقد تفتَّت، ثم تضمحلُّ وتكون هباءً منبثًّا، ولهذا قال:{وهي تَمُرُّ مَرَّ السحاب}: من خفَّتها وشدَّة ذلك الخوف، وذلك {صُنۡعَ اللهِ الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ إنه خبيرٌ بما [تفعلونَ] }: فيجازيكم بأعمالكم. {89} ثم بيَّن كيفيَّة جزائِهِ، فقال:{من جاء بالحسنةِ}: اسم جنس، يشملُ كلَّ حسنةٍ قوليةٍ أو فعليةٍ أو قلبيةٍ، [فله عشر أمثالها]: هذا أقلُّ التفضيل. {وهم من فزع يومئذٍ آمنونَ}؛ أي: من الأمر الذي فَزِعَ الخلقُ لأجله آمنون، وإنْ كانوا يفزعون معهم. {90}{ومن جاء بالسيِّئةِ}: اسم جنس يشمل كلَّ سيئةٍ، {فكُبَّتۡ وجوهُهُم في النارِ}؛ أي: أُلقوا في النار على وجوههم، ويُقالُ لهم:{هل تُجۡزَوۡنَ إلاَّ ما كُنتُم تَعۡمَلونَ}.
  12. الآيات ٩١–٩٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَىْءٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) ﴾

    {91} أي: قل لهم يا محمدُ: {إنَّما أمرتُ أن أعۡبُدَ ربَّ هذه البلدةِ}؛ أي: مكةَ المكرمةَ {الذي حرَّمها} وأنعم على أهلِها؛ فيجبُ أن يقابِلوا ذلك بالشكر والقبول، {وله كلُّ شيءٍ}: من العلويَّات والسفليَّات؛ أتى به لئلاَّ يُتَوَهَّم اختصاصُ ربوبيَّتِهِ بالبيت وحدَه. وأمِرْتُ لأن {أكونَ من المسلمينَ} ؛ أي: أبادر إلى الإسلام. وقد فعل - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّه أول هذه الأمة إسلاماً، وأعظمها استسلاماً. {92}{و} أُمِرْتُ أيضاً {أنۡ أتۡلُوَ} عليكم {القرآنَ}: لِتَهْتَدوا به وتَقْتَدوا وتعلموا ألفاظَه ومعانِيَه؛ فهذا الذي عليَّ، وقد أدَّيته، {فَمَنِ اهۡتَدى فإنَّما يهتدي لنفسِهِ}: نفعُهُ يعود عليه، وثمرتُهُ عائدةٌ إليه، {ومَن ضلَّ فقُل إنَّما أنا من المنذِرينَ}: وليس بيدي من الهداية شيءٌ. {93}{وقل الحمدُ لله}: الذي له الحمد في الأولى والآخرة، ومن جميع الخلق، خصوصاً أهل الاختصاص والصفوةِ من عباده؛ فإنَّ الذي وقع والذي ينبغي أن يَقَعَ منهم من الحمدِ والثناءِ على ربِّهم أعظمُ مما يقعُ من غيرهم؛ لرفعةِ درجاتهم وكمال قُربهم منه وكثرةِ خيراتِهِ عليهم، {سيريكم آياتِهِ فتعرِفونها}: معرفةً تدلُّكم على الحق والباطل؛ فلا بدَّ أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات؛ ليهلك من هَلَك عن بيِّنة ويحيا مَنْ حَيَّ عن بيِّنة. {وما ربُّك بغافل عما تعملون}: بل قد علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال، وعلم مقدارَ جزاء تلك الأعمال، وسيحكم بينكم حكماً تحمَدونه عليه، ولا يكون لكم حجَّةٌ بوجه من الوجوهِ عليه. تم تفسير سورة النمل بفضل الله وإعانته وتيسيره، ونسأله تعالى أن لا تزال ألطافه ومعونته مستمرة علينا وواصلة منه إلينا، فهو أكرم الأكرمين، وخير الراحمين، وموصل المنقطعين، ومجيب السائلين، ميسر الأمور العسيرة، وفاتح أبواب بركاته، ومجزل في جميع الأوقات هباته، ميسر القرآن للمتذكِّرين، ومسهِّل طرقه وأبوابه للمقبلين، ويمد مائدة خيراته ومَبَرَّاته للمتفكِّرين. والحمد لله ربِّ العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. على يد جامعه وممليه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. وذلك في 22 رمضان سنة 1343. وتمَّ تحريره من خط مؤلفه في 29 ذي الحجة سنة 1346. * * * تم الجزء الخامس من «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»، ويليه الجزء السادس، أوله تفسير سورة القصص. ويليه في النشر عقب هذا أصول من أصول التفسير وتفسير ألفاظ عامَّة يكثُرُ في القرآن مرورها، ويحتاجُ الناس إلى معرفتها.
السابقالجزء ٢ من ٢

تفسير السعدي — عبد الرحمن بن ناصر السعدي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.