- الآيات ٩٠–٩٥بلّغ عن خطأ
﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) ﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وأدنيت الجنة وقرّبت للمتقين، الذين اتقوا عقاب الله في الآخرة بطاعتهم إياه في الدنيا ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل. ﴿وقيل لِلْغَاوِينَ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأنداد ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ اليوم من الله، فينقذونكم من عذابه ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسهم، فينجونها مما يُرَاد بها؟. * * وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ يقول: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض، وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، ولكن الكاف كرّرت كما قيل: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني به صرّ، ونهنهني يُنهنهَني، يعني به: نههني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال. ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿فكبكبوا﴾ قال: فدهوروا. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يقول: فجمعوا فيها. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ قال: طرحوا فيها. فتأويل الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون. وذُكر عن قَتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع. الشياطين. ذكر الرواية عمن قال ذلك: ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قال: الغاوون: الشياطين. فتأويل الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة. فكبكب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين. * * وقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ يقول: وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده: كل من كان من تباعه، من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم. - الآية ٩٦بلّغ عن خطأ
﴿ قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء الغاوون والأنداد التي كانوا يعبدونها من دون الله وجنود إبليس، وهم في الجحيم يختصمون. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يقول: تالله لقد كنا في ذهاب عن الحقّ، إن كنا لفي ضلال مبين، يبين ذهابنا ذلك عنه عن نفسه، لمن تأمله وتدبره، أنه ضلال وباطل. * * وقوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب عن الحقّ حين نعدلكم برب العالمين فنعبدكم من دونه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: لتلك الآلهة. - الآيات ٩٧–١٠٢بلّغ عن خطأ
﴿ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (٩٨) وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الغاوين في الجحيم: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ﴾ يعني بالمجرمين إبليس، وابن آدم الذي سنّ القتل. كما:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، قوله: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال: إبليس وابن آدم القاتل. * * وقوله ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ يقول: فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد، فيعفو عنا، وينجينا من عقابه. ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ من الأقارب. واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين، وبالصديق الحميم، فقال بعضهم: عني بالشافعين: الملائكة، وبالصديق الحميم: النسيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ قال: من الملائكة ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: من الناس، قال مجاهد: صديق حميم، قال: شقيق. وقال آخرون: كل هؤلاء من بني آدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي، عن أخيه يحيى بن سعيد المسمعي، قال: كان قَتادة إذا قرأ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع. * * وقوله ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: فلو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنؤمن بالله فنكون بإيماننا به من المؤمنين. - الآيات ١٠٣–١١٠بلّغ عن خطأ
﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ (١٠٧) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (١٠٩) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن فيما احتجّ به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة بينة واضحة لمن اعتبر، على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من عبادة الأصنام والآلهة، ويقتدون بهم في ذلك ما سنّ فيهم في الدار الآخرة، من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم، وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه، ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ رسل الله الذين أرسلهم إليهم لما ﴿قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ فتحذروا عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله ﴿أمِينٌ﴾ على وحيه إلي، برسالته إياي إليكم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم باتقائه. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، من ثواب ولا جزاء ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دونكم ودون جميع خلق الله، فاتقوا عقاب الله على كفركم به، وخافوا حلول سخطه بكم على تكذيبكم رسله، وأطيعون: يقول: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم بإخلاص العبادة لخالقكم. - الآيات ١١١–١١٦بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (١١٥) قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ (١١٦) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال قوم نوح له مجيبيه عن قيله لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقرّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال نوح لقومه: وما علمي بما كان أتباعي يعملون، إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه، ولم أكَلَّفْ علم باطنهم، وإنما كلّفت الظاهر، فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا، ومن أظهر سيئا ظننت به سيئا. يقول: إن حساب باطن أمرهم الذي خفي عني إلا على ربي لو تشعرون، فإنه يعلم سرّ أمرهم وعلانيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ قال: هو أعلم بما في نفوسهم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني على التصديق بما جئت به من عند الله. ﴿إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: ما أنا إلا نذير لكم من عند ربكم أنذركم بأسه، وسطوته على كفركم به مبين: يقول: نذير قد أبان لكم إنذاره، ولم يكتمكم نصيحته. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ يقول: قال لنوح قومه: لئن لم تنته يا نوح عما تقول، وتدعو إليه، وتعيب به آلهتنا، لتكوننّ من المشتومين، يقول: لنشتمك. - الآيات ١١٧–١٢٠بلّغ عن خطأ
﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (١١٧) فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًۭا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنجَيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ (١٢٠) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ فيما أتيتهم به من الحقّ من عندك، وردّوا عليّ نصيحتي لهم. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ يقول: فاحكم بيني وبينهم حكما من عندك تهلك به المبطل، وتنتقم به ممن كفر بك وجحد توحيدك، وكذب رسولك. كما:- ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ قال: فاقض بيني وبينهم قضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ قال: يقول: اقض بيني وبينهم. ﴿ونجني﴾ يقول: ونجني من ذلك العذاب الذي تأتي به حكما بيني وبينهم. ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: والذين معي من أهل الإيمان بك والتصديق لي. * * وقوله ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يقول: فأنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين -حين فتحنا بينهم وبين قومهم، وأنزلنا بأسنا بالقوم الكافرين- في الفلك المشحون، يعني في السفينة الموقرة المملوءة. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: يعني الموقر. ⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: ﴿المشحون﴾ : الموقر. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: المفروغ منه المملوء. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: ﴿المشحون﴾ المفروغ منه تحميلا. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قول الله: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: هو المحمل. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ من قومه الذين كذبوه، وردوا عليه النصيحة. - الآيات ١٢١–١٢٧بلّغ عن خطأ
﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ (١٢٥) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (١٢٧) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا يا محمد بنوح ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون، حين أنزلنا بأسنا وسطوتنا، بقومه الذين كذبوه، لآية لك ولقومك المصدّقيك منهم والمكذّبيك، في أن سنتنا تنجية رسلنا وأتباعهم، إذا نزلت نقمتنا بالمكذبين بهم من قومهم، وإهلاك المكذبين بالله، وكذلك سنتي فيك وفي قومك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدّقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به، وخالف أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالتائب منهم، أن يعاقبه بعد توبته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ رسل الله إليهم. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ عقاب الله على كفركم به. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من ربي يأمركم بطاعته، ويحذركم على كفركم بأسه، ﴿أَمِينٌ﴾ على وحيه ورسالته. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم ﴿وأطيعون﴾ فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته. (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) يقول: وما أطلب منكم على أمري إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: ما جزائي وثوابي على نصيحتي إياكم إلا على ربّ العالمين. - الآيات ١٢٨–١٣٠بلّغ عن خطأ
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةًۭ تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ والريع: كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد؛ ومنه قول ذي الرُّمَّة: طِرَاقُ الخَوَافِي مُشْرفٌ فَوْق رِيعَةٍ ... نَدَى لَيْلِه فِي ريشِهِ يَتَرَقْرَقُ وقول الأعشى: وَيهْماءُ قَفْرٍ تَجاوَزْتها ... إذَا خَبَّ فِي رِيعِها آلُهَا وفيه لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتحها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ يقول: بكلّ شرف. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: فجّ. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: بكل طريق. ⁕ حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا مسلم بن خالد، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: الريع: الثنية الصغيرة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عكرمة: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: فجّ وواد، قال: وقال مجاهد ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بين جبلين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: شرف ومنظر. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: بكلّ طريق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بكلّ طريق. ويعني بقوله ﴿آية﴾ بنيانا، علما. وقد بينا في غير موضع من كتابنا هذا، أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: الآية: علم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: آية: بنيان. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿آية﴾ : بنيان. ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: بنيان الحمام. * * وقوله: ﴿تعبثون﴾ قال: تلعبون. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تعبثون﴾ قال: تلعبون. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: ﴿تعبثون﴾ قال: تلعبون. * * وقوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى المصانع، فقال بعضهم: هي قصور مشيدة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ قال: قصور مشيدة، وبنيان مخلد. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿مصانع﴾ : قصور مشيدة وبنيان. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مجاهد، قال: ﴿مصانع﴾ يقول: حصون وقصور. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم، عن رجل، عن مجاهد، قوله: ﴿مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال: أبرجة الحمام. وقال آخرون: بل هي مآخذ للماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مصانع﴾ قال: مآخذ للماء. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه، ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع. * * وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقول: كأنكم تخلدون، فتبقون في الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقول: كأنكم تخلدون. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: قال في بعض الحروف ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ كأنكم تخلدون. وكان ابن زيد يقول: "لعلكم"في هذا الموضع استفهام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال: هذا استفهام، يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟. وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى "كيما". * * وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ يقول: وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف، وضربا بالسياط. كما:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال: القتل بالسيف والسياط. - الآيات ١٣١–١٣٦بلّغ عن خطأ
﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُم بِأَنْعَٰمٍۢ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ (١٣٥) قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ (١٣٦) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، وانتهوا عن اللهو واللعب، وظلم الناس، وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون، وأعانكم به من بين المواشي والبنين، والبساتين والأنهار. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ من الله ﴿عَظِيمٍ﴾ . * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) ﴾ - الآيات ١٣٧–١٣٨بلّغ عن خطأ
﴿ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: قالت عاد لنبيهم هود ﷺ: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ، فلن نؤمن لك ولن نصدّقك على ما جئتنا به. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرّاء المدينة سوى أبي جعفر، وعامة قرّاء الكوفة المتأخرين منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ من قبلنا: وقرأ ذلك أبو جعفر، وأبو عمرو بن العلاء: "إنْ هَذَاإلا خَلْقُ الأوّلينَ"بفتح الخاء وتسكين اللام بمعنى: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوّلين وأحاديثهم. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نحو اختلاف القرَّاء في قراءته، فقال بعضهم: معناه: ما هذا إلا دين الأوّلين وعادتهم وأخلاقهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: دين الأوّلين. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: هكذا خِلْقة الأوّلين، وهكذا كانوا يحيون ويموتون. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كذب الأوّلين وأساطيرهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ قال: أساطير الأوّلين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ قال: كذبهم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ قال: إن هذا إلا أمر الأوّلين وأساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: إن هذا إلا اختلاق الأوّلين. ⁕ قال ثنا يزيد بن هارون، قال. أخبرنا داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان يقرأ ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ويقول شيء اختلقوه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبيّ، قال: قال علقمة: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ قال: اختلاق الأوّلين. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بضم الخاء واللام، بمعنى: إن هذا إلا عادة الأوّلين ودينهم، كما قال ابن عباس، لأنهم إنما عوتبوا على البنيان الذي كانوا يتخذونه، وبطشهم بالناس بطش الجبابرة، وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم عليهم، فأجابوا نبيّهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك، احتذاء منهم سنة من قبلهم من الأمم، واقتفاء منهم آثارهم، فقالوا: ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأوّلين، يعنون بالخلق: عادة الأوّلين. ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة والتأويل، قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنهم لو كانوا لا يقرُّون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ بل كانوا يقولون: إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأوّلين، وما لنا من معذب يعذبنا، ولكنهم كانوا مقرين بالصانع، ويعبدون الآلهة، على نحو ما كان مشركو العرب يعبدونها، ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى، فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم، وما الله معذبنا عليه. كما أخبرنا تعالى ذكره عن الأمم الخالية قبلنا، أنهم كانوا يقولون لرسلهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ . - الآيات ١٣٩–١٤٣بلّغ عن خطأ
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ (١٤٣) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فكذّبت عاد رسول ربهم هودا، والهاء في قوله ﴿فكذبوه﴾ من ذكر هود. ﴿فأهلكناهم﴾ يقول: فأهلكنا عادا بتكذيبهم رسولنا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها، لعبرة وموعظة لقومك يا محمد، المكذّبيك فيما أتيتهم به من عند ربك. يقول: وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين به. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود رسل الله، إذ دعاهم صالح أخوهم إلى الله، فقال لهم: ألا تتقون عقاب الله يا قوم على معصيتكم إياه، وخلافكم أمره، بطاعتكم أمر المفسدين في أرض الله. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته على خلافكم أمره ﴿أمِينٌ﴾ على رسالته التي أرسلها معي إليكم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها القوم، واحذروا عقابه ﴿وأطيعون﴾ في تحذيري إياكم، وأمر ربكم باتباع طاعته. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول: وما أسألكم على نصحي إياكم، وإنذاركم من جزاء ولا ثواب. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إن جزائي وثوابي إلا على ربّ جميع ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما من خلق. - الآيات ١٤٤–١٥٠بلّغ عن خطأ
﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ (١٤٦) فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (١٤٧) وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌۭ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا فَٰرِهِينَ (١٤٩) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا آمنين، لا تخافون شيئا؟. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يقول: في بساتين وعيون ماء. ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يعني بالطلع: الكُفُرَّى. واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿هَضِيمٌ﴾ فقال بعضهم: معناه اليانع النضيج. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يقول: أينع وبلغ فهو هضيم. وقال آخرون: بل هو المتهشم المتفتت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشّما. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الكريم يقول: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: حين تطلع يقبض عليه فيهضمه. قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: إذا مسّ تهشّم وتفتَّت، قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه فتهضمه. وقال آخرون: هو الرطب اللين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: الهضيم: الرطب اللين. وقال آخرون: هو الراكب بعضه بعضا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ إذا كثر حمل النخلة فركب بعضها بعضا، حتى نقص بعضها بعضا، فهو حينئذ هضيم. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع، إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمسّ الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضا، وأصله مفعول صرف إلى فعيل. * * وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا. واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿فارهين﴾ فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: ﴿فارهين﴾ بمعنى: حاذقين بنحتها. وقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: "فَرِهِينَ"بغير ألف، بمعنى: أشرين بطرين. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته، فقال بعضهم: معنى فارهين: حاذقين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح وعبد الله بن شدّاد: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال أحدهما: حاذقين، وقال الآخر: يتجبرون. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال: حاذقين بنحتها. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فارهين﴾ يقول: حاذقين. وقال آخرون: معنى فارهين: مستفرهين متجبرين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن عبد الله بن شداد في قوله: "فَرِهِينَ"قال: يتجبرون. قال أبو جعفر: والصواب: فارهين. وقال آخرون ممن قرأه فارهين: معنى ذلك: كيسين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فارهين﴾ قال: كيسين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك أنه قرأ ﴿فارهين﴾ قال: كيسين. وقال آخرون: فرهين: أشرين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ يقول: أشرين، ويقال: كيسين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "بيوتا فرهين"قال: شرهين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بمثله. وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ"قال: الفره: القويّ. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة، في قوله: "فَرِهِينَ"قال: معجبين بصنيعكم. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها ﴿فارهين﴾ وقراءة من قرأ "فَرِهِينَ"قراءتان معروفتان، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القرّاء، فبأتيهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ ﴿فارهين﴾ : حاذقين بنحتها، متخيرين لمواضع نحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ "فَرِهِينَ": مرحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدا، فيكون فاره مبنيا على بنائه، وأصله من فعل يفعل، ويكون فره صفة، كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر عديّ بن وادع العوفي من الأزد: لا أسْتَكِينُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ ... وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فارِهَ الطَّلَبِ أي مرح الطلب. * * وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم، وخلافكم أمره، وأطيعون في نصيحتي لكم، وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا. - الآيات ١٥١–١٥٣بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ (١٥١) ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم أمر المسرفين على أنفسهم في تماديهم في معصية الله، واجترائهم على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون، يقول: ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعة الله. * * وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: من المسحورين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتاده، في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: إنما أنت من المسحورين. وقال آخرون: معناه: من المخلوقين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عبيد، قال: ثنا موسى بن عمرو، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال: من المخلوقين. واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه، واستشهد على ذلك بقول لبيد: فَإِنْ تَسْأَلينا فِيمَ نَحْنُ فإنَّنا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأنامِ المُسَحَّر وقال بعض نحويي الكوفيين نحو هذا، غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتُسَحَّر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: "من هذا الأنام المسحر": من هذا الأنام المعلل المخدوع. قال: ويُروى أن السحر من ذلك، لأنه كالخديعة. والصواب من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس، أن معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا، ولست ربا ولا ملكا فنطيعك، ونعلم أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة، وهو الذي له سحرة.
تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.