سورة الحج

مدنية • ٧٨ آية • تبدأ في الصفحة ٣٣٢

السابقالجزء ٥ من ٨التالي
  1. الآية ٣٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكر الله في هذه الآية وأخبر عباده أنها إلى أجل مسمى، على نحو اختلافهم في معنى الشعائر التي ذكرها جل ثناؤه في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فإِنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ فقال الذين قالوا عنى بالشعائر البدن. معنى ذلك: لكم أيها الناس في البدن منافع. ثم اختلف أيضا الذين قالوا هذه المقالة في الحال التي لهم فيها منافع، وفي الأجل الذي قال عزّ ذكره: ﴿إلى أجَل مُسَمَّى﴾ فقال بعضهم: الحال التي أخبر الله جلّ ثناؤه أن لهم فيها منافع، هي الحال التي لم يوجبها صاحبها ولم يسمها بدنة ولم يقلدها. قالوا: ومنافعها فى هذه الحال: شرب ألبانها، وركوب طهورها، وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها. قالوا: والأجل المسمى الذي أخبر جلّ ثناؤه أن ذلك لعباده المؤمنين منها إليه، هو إلى إيجابهم إياها، فإذا أوجبوها بطل ذلك ولم يكن لهم من ذلك شيء. ذكر من قال ذلك: ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: ما لم يسمّ بدنا. ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب كله. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بُدْنا. ⁕ قال: ثنا ابن عديّ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، بمثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: في أشعارها وأوبارها وألبانها قبل أن تسميها بدنة. ⁕ قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: في البدن لحومها وألبانها وأشعارها وأوبارها وأصوافها قبل أن تسمى هديا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه: وهي الأجل المسمى. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء أنه قال في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق﴾ قال: منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها ﴿إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ إلى أن تقلد. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك. ⁕ حدثني يعقوب، قال: قال ابن علية: سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: إلى أن تُوجِبها بَدنَة. ⁕ قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن قتادة: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ يقول: في ظهورها وألبانها، فإذا قلدت فمحلها إلى البيت العتيق. وقال آخرون ممن قال الشعائر البدن في قوله: ﴿وَمَنْ يَعَظِّمْ شَعِائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ والهاء في قوله: ﴿لَكْمْ فِيها﴾ من ذكر الشعائر، ومعنى قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافُع﴾ لكم في الشعائر التي تعظمونها لله منافع بعد اتخاذكموها لله بدنا أو هدايا، بأن تركبوا ظهورها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها. قالوا: والأجل المسمى الذي قال جلّ ثناؤه: ﴿إلى أجَل مُسَمَّى﴾ إلى أن تنحر. ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: هو ركوب البدن، وشرب لبنها إن احتاج. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: إلى أن تنحر، قال: له أن يحملها عليها المعني والمنقطع به من الضرورة، كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب عند منهوكه. قلت لعطاء: ما؟ قال: الرجل الراجل، والمنقطع به، والمتبع وأن نتجت، أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها، فإن كان في لبنها فضل فليشرب من أهداها ومن لم يهدها. وأما الذين قالوا: معنى الشعائر في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله﴾ . شعائر الحجّ، وهي الأماكن التي يُنْسك عندها لله، فإنهم اختلفوا أيضا في معنى المنافع التي قال الله: ﴿لكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لكم في هذه الشعائر التي تعظمونها منافع بتجارتكم عندها وبيعكم وشرائكم بحضرتها وتسوقكم. والأجل المسمى: الخروج من الشعائر إلى غيرها ومن المواضع التي ينسك عندها إلى ما سواها في قول بعضهم. ⁕ حدثني الحسن بن عليّ الصُّدائَي، قال: ثنا أبو أسامة عن سليمان الضبي، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ قال: أسواقهم، فإنه لم يذكر منافع إلا للدنيا. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: والأجل المسمى: الخروج منه إلى غيره. وقال آخرون منهم: المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع: العمل لله بما أمر من مناسك الحجّ. قالوا: والأجل المسمَّى: هو انقضاء أيام الحجّ التي يُنْسَك لله فيهنّ. ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق﴾ فقرأ قول الله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ لكم في تلك الشعائر منافع إلى أجل مسمى، إذا ذهبت تلك الأيام لم تر أحدا يأتي عرفة يقف فيها يبتغي الأجر، ولا المزدلفة، ولا رمي الجمار، وقد ضربوا من البلدان لهذه الأيام التي فيها المنافع، وإنما منافعها إلى تلك الأيام، وهي الأجل المسمى، ثم محلها حين تنقضي تلك الأيام إلى البيت العتيق. قال أبو جعفر: وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ معنّي به: كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علما لمناسك حج خلقه، إذ لم يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئا في خبر ولا عقل. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بدنا وهديا، فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنا، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التجارة لله عندها والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتا بأن يُطاع الله فيها بعمل أعمال الحجّ وبطلب المعاش فيها بالتجارة، إلى أن يطاف بالبيت في بعض، أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض. وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم في تأويل قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ فقال الذين قالوا عني بالشعائر في هذا الموضع: البُدْن معنى ذلك ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة، وهي التي بها البيت العتيق. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ إلى مكة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ يعني محل البدن حين تسمى إلى البيت العتيق. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ حين تسمى هديا ﴿إلى البيْتِ العتِيق﴾ ، قال: الكعبة أعتقها من الجبابرة. فوجه هؤلاء تأويل ذلك إلى سمي منحر البدن والهدايا التي أوجبتموها إلى أرض الحرم، وقالوا: عنى بالبيت العتيق أرض الحرم كلها. وقالوا: وذلك قوله: ﴿فَلا يَقْربُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ والمراد: الحرم كله. وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق أن تطوفوا به يوم النحر بعد قضائكم ما أوجبه الله عليكم في حجكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ قال: محلّ هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت. وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلّ منافع أيام الحجّ إلى البيت العتيق بانقضائها. ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ حين تنقضي تلك الأيام، أيام الحجّ إلى البيت العتيق. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ثم محلّ الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق، فما كان من ذلك هديا أو بدنا فبموافاته الحرم في الحرم، وما كان من نسك فالطواف بالبيت. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول عندنا في معنى الشعائر.
  2. الآية ٣٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ﴾ ولكلّ جماعة سلف فيكم من أهل الإيمان بالله أيها الناس، جعلنا ذبحا يُهَرِيقون دمه (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعام) بذلك لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل: إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿جَعَلْنا مَنْسَكا﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا﴾ قال: إهراق الدماء ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال. ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. * * وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إلَهُ وَاحِدٌ﴾ يقول تعالى ذكره: فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، فإلهكم إله واحد لا شريك له، فإياه فاعبدوا وله أخلصوا الألوهة. * * وقوله: ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ يقول: فلإلهكم فاخضعوا بالطاعة، وله فذلوا بالإقرار بالعبودية. * * وقوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وبشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة. وقد بيَّنا معنى الإخبات بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا. وقد اختلف أهل التأويل في المراد به في هذا الموضع، فقال بعضهم: أريد به: وبشِّر المطمئنين إلى الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين. ⁕ حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ المطمئنين إلى الله. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين. ⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المتواضعين. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن مسلم، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس، قال: المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. ⁕ حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا حفص، بن عمر، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: ثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس مثله.
  3. الآيات ٣٥–٣٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣٥) وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) ﴾ فهذا من نعت المخبتين؛ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته وجلا من عقابه وخوفا من سخطه. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: لا تقسو قلوبهم. ﴿والصَّابِرينَ عَلى ما أصَابَهُمْ﴾ من شدّة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه ﴿والمُقِيمي الصَّلاةِ﴾ المفروضة ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في الواجب عليهم إنفاقها فيه، في زكاه ونفقة عيال ومن وجبت عليه نفقته وفي سبيل الله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: والبُدن وهي جمع بدنة، وقد يقال لواحدها: بدن، وإذا قيل بدن احتمل أن يكون جمعا وواحدا، يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز: عَليَّ حِينَ نَمْلِكُ الأمُورَا ... صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورا وَحَلْقَ راسِي وَافِيا مَضْفُورَا ... وَبَدَنا مُدَرَّعا مُوْفُورَا والبدن: هو الضخم من كلّ شيء، ولذلك قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق، والسدير البَدَن: لضخمه واسترخاء لحمه، فإنه يقال: قد بَدَّن تبدينا. فمعنى الكلام. والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله: يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها، علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر. كما:- ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء: ﴿والبُدْنَ جَعَلنْاها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ قال: البقرة والبعير. * * وقوله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: أجر ومنافع في البدن. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال. حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: اللبن والركوب إذا احتاج. ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ من احتاج إلى ظهر البدنة ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب. * * وقوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها. ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك. "صَوَافِيَ" بالياء منصوبة، بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له. وقرأ بعضهم ذلك: "صَوَاف" بإسقاط الياء وتنوين الحرف، على مثال: عوار وعواد. وروي عن ابن مسعود أنه قرأه: "صَوَافِنّ" بمعنى: معقلة. والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها، لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك. ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ: قياما على ثلاث أرجل. فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟ قال: تصدّقوا بها، واستمتعوا بها. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: قائمة، قال: يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهمّ منك ولك. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله، اللهم أكبر، اللهمّ منك ولك. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة إحدى يديها، قال: قائمة على ثلاث قوائم. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ يقول: قياما. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ والصواف: أن تعقل قائمة واحدة، وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك. ⁕ حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، قال: أخبرنا بجير بن سالم، قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، قال: فقال: ﴿صَوَافَّ﴾ كما قال الله، قال: فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد، قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث. ⁕ قال: ثنا ليث، عن مجاهد، في قوْله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: صوافّ بين أوظافها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿صَوَافّ﴾ قال: قيام صواف على ثلاث قوائم. - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: بين وظائفها قياما. ⁕ حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود، قال: هي التي ذكر الله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثني جرير، عن منصور، عن رجل، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: قلت له: قول الله ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها، وقل: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، ثم سم ثم انحرها. قلت: فأقول ذلك للأضحية، قال: وللأضحية. ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه: "صَوَافِيَ" بالياء: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن أنه قال: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: مخلصين. ⁕ قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن شقيق الضبي: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة. ⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أيمن بن نابل، قال: سألت طاوسا عن قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصا. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون، يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى. ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه "صَوَافِنَ": حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ": أي معقلة قياما. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ" قال: أي معقلة قياما. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأها "صَوَافِنَ" قال: معقولة. قال: ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: تصفُّ بين يديها. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ" يعني صوافن، والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر. قال أبو جعفر: وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها. * * وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب، ومنه قول أوس بن حجر: ألَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ والبَدْرُ ... والْكَواكِبُ للْجَبَلِ الوِّاجِبِ يعني بالواجب: الواقع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا فرغت ونُحِرت. ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ نحرت. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا نحرت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: فإذا ماتت. * * وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق؛ يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حل لكم أكلها، وليس بأمر إيجاب. وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما:- حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فهي بمنزلة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: يأكل منها ويطعم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن. وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا حجاج، عن عطاء. وأخبرنا حصين، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، قال مجاهد: هي رخصة، هي كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: فأطعموا منها القانع. واختلف أهل التأويل في المعنّي بالقانع والمعترّ، فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل. ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل. وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسألك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، والمعترّ: الذي يمرّ بجانبك لا يسأل شيئا؛ فذلك المعترّ. وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك. ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: القانع المتعفف؛ ﴿والمعترّ﴾ يقول: السائل. ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مجاهدا يقول: القانع: أهل مكة؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا عطاء، عن خصيف، عن مجاهد مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثني كعب بن فروخ، قال: سمعت قَتادة يحدث، عن عكرمة، في قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقعد في بيته، والمعترّ: الذي يسأل. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: القانع: والمعترّ، قال: القانع: الطامع بما قِبلك ولا يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك ويسألك. ⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم قالا القانع: الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يسألك. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في القانع والمعترّ، قال: القانع: الذي يقنع بما في يديه؛ والمعترّ: الذي يعتريك، ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع الذي يجلس في بيته. والمعترّ: الذي يعتريك. وقال آخرون: القانع: هو السائل، والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: القانع: الذي يقنع إليك ويسألك؛ والمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك. قال: وقال الكلبي: القانع: الذي يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك، يتعرّض ولا يسألك. ⁕ حدثني نصر عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يسألك، والمعترّ: الذي يتعرّض لك. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، قال: قال سعيد بن جُبير: القانع: السائل. ⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب، قال: ثني شريك، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال هو السائل، ثم قال. أما سمعت قول الشماخ. لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فيُغْني ... مَفاقرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوع قال: من السؤال. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع إليك يسألك، والمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا منصور ويونس، عن الحسن. قال: القانع: السائل، والمعترّ: الذي يتعرض ولا يسأل. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم: القانع: الذي يسأل الناس. وقال آخرون: القانع: الجار، والمعترّ: الذي يعتريك من الناس. ذكر من قال ذلك:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبنا إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: القانع: جارك وإن كان غنيا، والمعترّ: الذي يعتريك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، قال: قال مجاهد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: جارك الغنيّ، والمعترّ: من اعتراك من الناس. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنه قال: أحدهما السائل، والآخر الجار. وقال آخرون: القانع: الطوّاف، والمعترّ: الصديق الزائر. ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم، في قول الله تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فالقانع: المسكين الذي يطوف، والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور. وقال آخرون: القانع: الطامع، والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن. ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال: الطامع؛ والمعترّ: من يعترّ بالبدن من غنيّ أو فقير. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: القانع: الطامع. وقال آخرون: القانع: هو المسكين، والمعتر: الذي يتعرّض للحم. ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المسكين، والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين، ولا تكون له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم، والبائس الفقير: هو القانع. وقال آخرون بما:- حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فرات، عن سعيد بن جُبير، قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن بمثله. ⁕ قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك. وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل؛ لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع، المكتفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ. وفي إتباع ذلك قوله: والمعترّ، الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى سأله وخضع إليه، فهو يقنع قنوعا؛ ومنه قول لبيد: وأعْطانِي المَوْلى عَلى حِينَ فَقْرِهِ ... إذَا قالَ أبْصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعي وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قنِعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا. وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس. يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.
  4. الآيات ٣٧–٣٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ (٣٧) ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ (٣٨) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: [لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: ما أريد به وجه الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قال: وجعلته طيبا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ يقول: هكذا سخر لكم البُدن. يقول: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يقول: كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم. كما:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ : يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كل خوّان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها. وقيل: إنه عنى بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
السابقالجزء ٥ من ٨التالي

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.