سورة الأنبياء

مكية • ١١٢ آية • تبدأ في الصفحة ٣٢٢

السابقالجزء ٦ من ٨التالي
  1. الآيات ٨٥–٨٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (٨٦) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بإسماعيل: إسماعيل بن إبراهيم صادق الوعد، وبإدريس: أخنوخ، وبذي الكفل: رجلا تكفل من بعض الناس، إما من نبيّ وإما من ملك من صالحي الملوك بعمل من الأعمال، فقام به من بعده، فأثنى الله عليه حسن وفائه بما تكفل به، وجعله من المعدودين في عباده، مع من حمد صبره على طاعة الله، وبالذي قلنا في أمره جاءت الأخبار عن سلف العلماء. ذكر الرواية بذلك عنهم: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث: أن نبيا من الأنبياء، قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس: ثم عاد فقال: من تكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من تكفل لي أن يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: تقوم الليل، وتصوم النهار، ولا تغضب فمات ذلك النبيّ، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضربا شديدا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلا فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه فأخذ بيده، فانطلق معه، حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب، فسمي ذا الكفل. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا داود، عن مجاهد، قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت على الناس رجلا يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس، فقال: من يتقبل لي بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب، قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فردّهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال: أنا، فاستخلفه، قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدقّ الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا، فجعل يطوّل عليه، حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة، وقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فجعل يبتغيه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة، فأخذ مضجعه، أتاه فدقّ الباب، فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني، فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فأتني، قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينظر فلا يراه، فشقّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شقّ عليّ النوم، فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل وراءك، فقال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري، قال: والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوّة في البيت، فتسوّر منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقّ الباب، قال: واستيقظ الرجل فقال: يا فلان، ألم آمرك؟ قال: أما من قِبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا هو معه في البيت، فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال رجل صالح غير نبيّ، تكفل لنبيّ قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمه لهم، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ذا الكفل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: ويقضي بينهم بالحق. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: كان في بني إسرائيل ملك صالح، فكبر، فجمع قومه فقال: أيكم يكفل لي بملكي هذا، على أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله، ولا يغضب؟ قال: فلم يقم أحد إلا فتى شاب، فازدراه لحداثة سنه فقال: أيكم يكفل لي بملكي هذا على أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب، ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله؟ فلم يقم إلا ذلك الفتى، قال: فازدراه، فلما كانت الثالثة قال مثل ذلك، فلم يقم إلا ذلك الفتى، فقال: تعال، فخلى بينه وبين ملكه، فقام الفتى ليلة، فلما أصبح جعل يحكم بين بني إسرائيل، فلما انتصف النهار دخل ليقيل، فأتاه الشيطان في صورة رجل من بني آدم، فجذب ثوبه، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ قال: إذا كان العشية فأتني، قال: فانتظره بالعشيّ فلم يأته، فلما انتصف النهار دخل ليقيل، جذب ثوبه، وقال: أتنام والخصوم على بابك؟ قال: قلت لك: ائتني العشيّ فلم تأتني، ائتني بالعشي، فلما كان بالعشيّ انتظره فلم يأت، فلما دخل ليقيل جذب ثوبه، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ قال: أخبرني من أنت، لو كنت من الإنس سمعت ما قلت، قال: هو الشيطان، جئت لأفتنك فعصمك الله مني، فقضى بين بني إسرائيل بما أنزل الله زمانا طويلا وهو ذو الكفل، سمي ذا الكفل لأنه تكفل بالملك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي موسى الأشعري، قال وهو يخطب الناس: إن ذا الكفل لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلي لله كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء في كفالته إياه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو، قال: أما ذو الكفل فإنه كان على بني إسرائيل ملك، فلما حضره الموت، قال: من يكفل لي أن يكفيني بني إسرائيل، ولا يغضب، ويصلي كل يوم مائة صلاة، فقال ذو الكفل: أنا، فجعل ذو الكفل يقضي بين الناس، فإذا فرغ صلى مائة صلاة، فكاده الشيطان، فأمهله حتى إذا قضى بين الناس، وفرغ من صلاته وأخذ مضجعه فنام، أتى الشيطان بابه فجعل يدقه، فخرج إليه، فقال: ظُلمت وصُنع بي، فأعطاه خاتمه وقال: اذهب فأتني بصاحبك، وانتظره، فأبطأ عليه الآخر، حتى إذا عرف أنه قد نام وأخذ مضجعه، أتى الباب أيضا كي يغضبه، فجعل يدقه، وخدش وجه نفسه فسالت الدماء، فخرج إليه فقال: ما لك؟ فقال: لم يتبعني، وضُربت وفعل، فأخذه ذو الكفل، وأنكر أمره، فقال: أخبرني من أنت؟ وأخذه أخذا شديدا، قال: فأخبره من هو. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال: قال أبو موسى الأشعري: لم يكن ذو الكفل نبيا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة، فوفى، فكفل بصلاته، فلذلك سمي ذا الكفل، ونصب إسماعيل وإدريس وذا الكفل، عطفا على أيوب، ثم استؤنف بقوله ﴿كُلّ﴾ فقال ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ومعنى الكلام: كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله. * * وقوله ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل، والهاء والميم عائدتان عليهم ﴿في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾ يقول: إنهم ممن صلح، فأطاع الله، وعمل بما أمره
  2. الآية ٨٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًۭا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد ذا النون، يعني صاحب النون، والنون: الحوت، وإنما عنى بذي النون، يونس بن متى، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع، وقوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ يقول: حين ذهب مغاضبا. واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا، وعمن كان ذهابه، وعلى من كان غضبه، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ يقول: غضب على قومه. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أما غضبه فكان على قومه. وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبا لربه، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه. ذكر من قال ذلك: وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعثه الله، يعني يونس إلى أهل قريته، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وُعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرّقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها، حتى مر به مار، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، وعجُّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم، وأخَّر عنهم العذاب، قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم، ومضى على وجهه مغاضبا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزله الشيطان، ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، في قوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال: مغاضبا لربه. ⁕ حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، فذكر نحو حديث ابن حميد، عن سلمة، وزاد فيه: قال: فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئا، قال: جرّبوا عليّ كذبا، فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن وهب بن منبه اليماني، قال: سمعته يقول: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل، تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها، يقول الله لنبيه ﷺ ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ : أي لا تلق أمري كما ألقاه، وهذا القول، أعني قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبا لربه، أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه، واستعظاما له، وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم ما أنكروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك، فقال بعضهم: إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء، وقال بعض من قال هذا القول: كان من أخلاق قومه الذين فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب، فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سوره يونس، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. وقال آخرون: بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره، ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له: الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا ليلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلا في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا. وممن ذُكر هذا القول عنه: الحسن البصري، حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا الحسن بن موسى، عن أبي هلال، عن شهر بن حوشب، عنه. قال أبو جعفر: وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبا لقومه، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، ويحذّرهم بأسه، وعقوبته على تركهم الإيمان به، والعمل بطاعتك لا شك أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويصفه بالصفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ وَيَقُولُ ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . * * وقوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه من قولهم قدرت على فلان: إذا ضيقت عليه، كما قال الله جلّ ثناؤه ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ . ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يقول: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يقول: ظنّ أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم، وفراره وعقوبته أخذ النون إياه. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال: فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثني شعبة، عن مجاهد، ولم يذكر فيه الحكم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال: يقول: ظنّ أن لن نعاقبه. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبي ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قالا ظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ يقول: ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه، وفراقه إياهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن ابن عباس، في قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال: البلاء الذي أصابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلَّه الشيطان، حتى ظن أن لن نقدر عليه، قال: وكان له سلف وعبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان، فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم، فأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، قال: فقال ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال: فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته، بما كان سلف من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين، قال عوف: وبلغني أنه قال في دعائه: وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وكان له سلف من عبادة وتسبيح، فتداركه الله بها فلم يدعه للشيطان. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن إياس بن معاوية المدني، أنه كان إذا ذكر عنده يونس، وقوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يقول إياس: فلِم فرّ؟ وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام، وإنما تأويله: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟ ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال: هذا استفهام، وفي قوله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ قال: استفهام أيضا. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبة له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوته، ووصفه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، ووصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك، وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلا على أنه مراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد، كان معلوما أنه ليس به وإذا فسد هذان الوجهان، صح الثالث وهو ما قلنا. * * وقوله ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات، فقال بعضهم: عني بها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، وكذلك قال أيضا ابن جريج. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نادى في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا محمد بن رفاعة، قال: سمعت محمد بن كعب يقول في هذه الآية ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقال آخرون: إنما عنى بذلك أنه نادى في ظلمة جوف حوت في جوف حوت آخر في البحر، قالوا: فذلك هو الظلمات. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: أوحى الله إلى الحوت أن لا تضرّ له لحما ولا عظما، ثم ابتلع الحوت حوت آخر، قال ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال: ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت، وبالأخرى: ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائز أن تكون تلك الثالثة: ظلمة الليل، وجائز أن تكون كون الحوت في جوف حوت آخر، ولا دليل يدلّ على أيّ ذلك من أيّ، فلا قول في ذلك أولى بالحقّ من التسليم لظاهر التنزيل. * * وقوله ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ يقول: نادى يونس بهذا القول معترفا بذنبه تائبا من خطيئته ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في معصيتي إياك. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ معترفا بذنبه، تائبا من خطيئته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال، أبو معشر: قال محمد بن قيس: قوله ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ ما صنعتُ من شيء فلم أعبد غيرك، ﴿إني كنت من الظالمين﴾ حين عصيتك. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، قال: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات، ثم حرّك رجله، فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا ربّ اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة زوج النبيّ ﷺ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لَمَّا أَرَادَ اللهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الحُوتِ، أَوْحَى اللهُ إِلَى الحُوتِ: أَنْ خُذْهُ وَلا تَخْدِشْ لَهُ لَحْما وَلا تَكْسِرْ عَظْما، فَأَخَذهُ، ثُمّ هَوَى بِهِ إلى مسْكَنِهِ مِنَ البَحْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إلى أَسْفَلِ البَحْرِ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ قالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِليْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ البَحْرِ، قَالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ، فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقَالُوا: يَا ربَنّا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتا ضَعِيفا بِأَرْضِ غَرِيبَهٍ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِي فَحَبَسْتُه فِي بَطْنِ الحُوتِ فِي البَحْرِ، قَالُوا: العَبْد الصَالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ: نَعَم ْ، قَالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلكَ، فَأَمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَه فِي السَّاحِلِ، كما قالَ اللهُ تَبَارَك َ وَتَعالى: وَهُوَ سَقِيمٌ".
  3. الآية ٨٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿فَاسْتَجَنْاَ﴾ ليونس دعاءه إيانا، إذ دعانا في بطن الحوت، ونجيناه من الغمّ الذي كان فيه بحبْسناه في بطن الحوت وغمه بخطيئته وذنبه ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، يقول جلّ ثناؤه: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس في بطن الحوت في البحر إذ دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر. ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن بكار الكُلاعيّ، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، قال: ثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اسْمُ اللهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، دَعْوَة يُونُسَ بْنِ مَتَّى، قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هِيَ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى خَاصَّةً، وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّة إِذَا دَعَوْا بِهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ " فهو شرط الله لمن دعاه بها. واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقرأت ذلك قراء الأمصار، سوى عاصم، بنونين الثانية منهما ساكنة، من أنجيناه، فنحن ننجيه، وإنما قرءوا ذلك كذلك وكتابته في المصاحف بنون واحدة، لأنه لو قرئ بنون واحدة وتشديد الجيم، بمعنى ما لم يسم فاعله، كان "المؤمنون" رفعا، وهم في المصاحف منصوبون، ولو قرئ بنون واحدة وتخفيف الجيم، كان الفعل للمؤمنين وكانوا رفعا، ووجب مع ذلك أن يكون قوله "نجى" مكتوبا بالألف، لأنه من ذوات الواو، وهو في المصاحف بالياء. فإن قال قائل: فكيف كتب ذلك بنون واحد، وقد علمت أن حكم ذلك إذا قرئ ﴿نُنَجِّي﴾ أن يُكتب بنونين؟ قيل: لأن النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت كما فعلوا ذلك ب "إلا" لا فحذفوا النون من "إنْ" لخفائها، إذ كانت مندغمة في اللام من "لا"، وقرأ ذلك عاصم ﴿نُجِّي المُؤْمِنِينَ﴾ بنون واحدة، وتثقيل الجيم، وتسكين الياء، فإن يكن عاصم وجه قراءته ذلك إلى قول العرب: ضرب الضرب زيدا، فكنى عن المصدر الذي هو النجاء، وجعل الخبر، أعني خبر ما لم يسمّ فاعله المؤمنين، كأنه أراد: وكذلك نَجَّى المؤمنين، فكنى عن النجاء، فهو وجه، وإن كان غيره أصواب، وإلا فإن الذي قرأ من ذلك على ما قرأه لحن، لأن المؤمنين اسم على القراءة التي قرأها ما لم يسم فاعله، والعرب ترفع ما كان من الأسماء كذلك، وإنما حمل عاصما على هذه القراءة أنه وجد المصاحف بنون واحدة وكان في قراءته إياه على ما عليه قراءة القرّاء إلحاق نون أخرى ليست في المصحف، فظنَّ أن ذلك زيادة ما ليس في المصحف، ولم يعرف لحذفها وجها يصرفه إليه. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة التي لا استجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، من قراءته بنونين وتخفيف الجيم، لإجماع الحجة من القرّاء عليها وتخطئتها خلافه.
  4. الآيات ٨٩–٩٠بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ (٨٩) فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِينَ (٩٠) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي﴾ وحيدا ﴿فَرْدًا﴾ لا ولد لي ولا عقب ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ يقول: فارزقني وارثا من آل يعقوب يرثني، ثم ردّ الأمر إلى الله فقال وأنت خير الوارثين، يقول الله جلّ ثناؤه: فاستجبنا لزكريا دعاءه، ووهبنا له يحيى ولدا ووارثا يرثه، وأصلحنا له زوجه. واختلف أهل التأويل في معنى الصلاح الذي عناه الله جلّ ثناؤه بقوله ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ فقال بعضهم: كانت عقيما فأصلحها بأن جعلها وَلُودا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن عمار، عن سعيد، في قوله ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قال: كانت لا تلد. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿واصلحنا له زوجه﴾ قال: وهبنا له ولدها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ كانت عاقرا، فجعلها الله ولودا، ووهب له منها يحيى. وقال آخرون: كانت سيئة الخلق، فأصلحها الله له بأن رزقها حُسن الخُلُق. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أصلح لزكريا زوجه، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودا حسنة الخُلُق، لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها، ولم يخصُصِ الله جلّ ثناؤه بذلك بعضا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وضع، على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم ما لم يأت ما يجب التسليم له بأن ذلك مراد به بعض دون بعض. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يقول الله: إن الذين سميناهم، يعني زكريا وزوجه ويحيى، كانوا يسارعون في الخيرات في طاعتنا، والعمل بما يقرّبهم إلينا، وقوله ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يقول تعالى ذكره: وكانوا يعبدوننا رغبا ورهبا، وعنى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة، كما قال ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا﴾ ويعنى بقوله ﴿رَغَبا﴾ أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله ﴿وَرَهَبا﴾ يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: رغبا في رحمة الله، ورهبا من عذاب الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفا وطمعا، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ بفتح الغين والهاء من الرغَب والرهَب، واختلف عن الأعمش في ذلك، فرُويت عنه الموافقة في ذلك للقرّاء، ورُوي عنه أنه قرأها رُغْبا ورُهْبا بضم الراء في الحرفين وتسكين الغين والهاء. والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك الفتح في الحرفين كليهما. * * وقوله ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ يقول: وكانوا لنا متواضعين متذللين، ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.
  5. الآية ٩١بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر التي أحصنت فرجها، يعني مريم بنت عمران. ويعني بقوله ﴿أَحْصَنَتْ﴾ : حفظت فرجها ومنعت فرجها مما حرم الله عليها إباحته فيه. واختلف في الفرج الذي عنى الله جلّ ثناؤه أنها أحصنته، فقال بعضهم: عنى بذلك فرج نفسها أنها حفظته من الفاحشة. وقال آخرون: عنى بذلك جيب درعها أنها منعت جبرائيل منه قبل أن تعلم أنه رسول ربها، وقبل أن تثبته معرفة، قالوا: والذي يدلّ على ذلك قوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ ويعقب ذلك قوله ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ قالوا: وكان معلوما بذلك أن معنى الكلام: والتي أحصنت جيبها ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ . قال أبو جعفر: والذي هو أولى القولين عندنا بتأويل ذلك قول من قال: أحصنت فرجها من الفاحشة، لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ يقول: فنفخنا في جيب درعها من روحنا، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ في غير هذا الموضع، والأولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ يقول: وجعلنا مريم وابنها عبرة لعالمي زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون في أمرهما، فيعلمون عظيم سلطاننا وقدرتنا على ما نشاء: وقيل آية ولم يقل آيتين وقد ذكر آيتين، لأن معنى الكلام: جعلناهما عَلَما لنا وحجة، فكل واحدة منهما في معنى الدلالة على الله، وعلى عظيم قدرته يقوم مقام الآخر إذا كان أمرهما في الدلالة على الله واحدا.
  6. الآيات ٩٢–٩٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ (٩٣) ﴾

    القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دوني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: دينكم دين واحد. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، في قوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: دينكم دين واحد، ونصبت الأمة الثانية على القطع، وبالنصب قرأه جماعة قرّاء الأمصار، وهو الصواب عندنا، لأن الأمة الثانية نكرة، والأولى معرفة. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الخبر قبل مجيء النكرة مستغنيا عنها كان وجه الكلام النصب، هذا مع إجماع الحجة من القراء عليه، وقد ذكر عن عبد الله بن أبي إسحاق رفع ذلك أنه قرأه ﴿أُمَّة وَاحِدَةٌ﴾ بنية تكرير الكلام، كأنه أراد: إن هذه أمتكم هذه أمة واحدة. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: وتفرّق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه، فصاروا فيه أحزابا، فَهَودت اليهود، وتنصَّرت النصارى وعُبدت الأوثان، ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هم إليه صائرون، وأن مرجع جميع أهل الأديان إليه، متوعدا بذلك أهل الزيغ منهم والضلال، ومعلمهم أنه لهم بالمرصاد، وأنه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال: تقطَّعوا: اختلفوا، في الدين.
السابقالجزء ٦ من ٨التالي

تفسير الطبري — ابن جرير الطبري. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.