سورة طه

مكية • ١٣٥ آية • تبدأ في الصفحة ٣١٢

السابقالجزء ٢ من ٣التالي
  1. الآيات ٥٦–٧٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَٰمُوسَىٰ (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى (٥٩) فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ (٦٠) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ (٦١) فَتَنَٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ (٦٢) قَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ (٦٣) فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ (٦٤) قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (٦٦) فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (٦٩) فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ (٧٠) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ (٧١) قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ (٧٢) إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ (٧٣) ﴾

    {56} يخبر تعالى أنَّه أرى فرعون من الآياتِ والعِبَرِ والقواطع جميعَ أنواعها العيانيَّة والأفقيَّة والنفسيَّة؛ فما استقام ولا ارعوى، وإنَّما كذَّب وتولَّى؛ كذب الخبر وتولَّى عن الأمر والنهي، وجعل الحقَّ باطلاً والباطل حقًّا، وجادل بالباطل ليضلَّ الناس. {57} فقال: {أجئتَنا لِتُخۡرِجَنا من أرضنا بسحرِك}: زعم أنَّ هذه الآيات التي أراه إيَّاها موسى سحرٌ وتمويهٌ، المقصود منها إخراجُهم من أرضهم والاستيلاءُ عليها؛ ليكون كلامه مؤثراً في قلوب قومه؛ فإنَّ الطِّباع تميل إلى أوطانها، ويصعُبُ عليها الخروج منها ومفارقتها، فأخبرهم أنَّ موسى هذا قصده؛ ليبغِضوه ويسعَوْا في محاربته. {58}{فلنأتينَّك بسحرٍ}: مثل سحرك، فأمهِلْنا واجعلْ لنا {موعداً لا نخلِفُه نحن ولا أنت مكاناً سُوى}؛ أي: مستوٍ علمنا وعلمك به، أو مكاناً مستوياً معتدلاً لنتمكَّن من رؤية ما فيه. {59} فقال موسى: {موعدُكم يوم الزينةِ}: وهو عيدُهم الذي يتفرَّغون فيه ويقطعون شواغلهم، {وأن يُحۡشَرَ الناس ضُحىً}؛ أي: يُجمعون كلهم في وقت الضُّحى. وإنَّما سأل موسى ذلك لأنَّ يوم الزينة ووقت الضحى منه يحصُلُ منه كثرة الاجتماع ورؤية الأشياء على حقائقها ما لا يحصُل في غيره. {60}{فتولَّى فرعونُ فجمع كيدَه}؛ أي: جميع ما يقدرُ عليه مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشُرُ السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفراً، وعلمه مرغوباً فيه، فجمع خلقاً كثيراً من السحرة، ثم أتى كلٌّ منهما للموعد، واجتمع الناس للموعدِ، فكان الجمعُ حافلاً، حضره الرجال والنساء والملأ والأشراف والعوامُّ والصغار والكبار، وحضُّوا الناس على الاجتماع، وقالوا {للناس هل أنتم مجتمعون لعلَّنا نتَّبع السحرةَ إن كانوا هم الغالبين}. {61} فحين اجتمعوا من جميع البلدان؛ وَعَظَهم موسى عليه السلام، وأقام عليهم الحجَّة، وقال لهم:{ويلَكم لا تَفۡتَروا على الله كَذِباً فيُسۡحِتَكم بعذابٍ}؛ أي: لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم، وتغالبون الحقَّ، وتفترون على الله الكذبَ، فيستأصِلُكم بعذابٍ من عنده، ويخيب سعيُكم وافتراؤكم؛ فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملئه، ولا تسلموا من عذاب الله. {62} وكلام الحقِّ لا بدَّ أن يؤثِّر في القلوب، لا جرم ارتفع الخصامُ والنزاع بين السحرة لمَّا سمعوا كلام موسى وارتبكوا، ولعلَّ من جملة نزاعهم الاشتباه في موسى هل هو على الحقِّ أم لا؟ ولكنهم إلى الآن ما تمَّ أمرهم؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ ليهلِكَ من هَلَكَ عن بينةٍ ويحيا من حَيَّ عن بينةٍ؛ فحينئذ أسرّوا فيما بينهم النجوى، وأنَّهم يتَّفقون على مقالةٍ واحدةٍ؛ لينجحوا في مقالهم وفعالهم، وليتمسَّك الناس بدينهم. {63} والنجوى التي أسرُّوها فسَّرها بقوله: {قالوا إنۡ هذانِ لساحرانِ يُريدان أن يخرِجاكم من أرضِكم بسحرِهما}؛ كمقالة فرعون السابقة؛ فإمَّا أن يكونَ ذلك توافقاً من فرعون والسحرة على هذه المقالة من غير قصدٍ، وإما أن يكون تلقيناً منه لهم مقالته التي صمَّم عليها وأظهرها للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا:{ويَذۡهَبا بطريقتِكُم المُثلى}؛ أي: طريقة السحر؛ حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم؛ ليكون له الفخرُ والصيتُ والشهرةُ، ويكون هو المقصودُ بهذا العلم الذي شغلتُم زمانَكم فيه ويذهب عنكم ما كنتُم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة. {64} وهذا حضٌّ من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته، ولهذا قالوا:{فأجۡمِعوا كيدَكم}؛ أي: أظهروه دفعةً واحدةً متظاهرين متساعدين فيه متناصرين متفقاً رأيُكم وكلمتُكم، {ثم ائۡتوا صفًّا}: ليكونَ أمكنَ لعملكم وأهيبَ لكم في القلوب، ولئلاَّ يتركَ بعضُكم بعضَ مقدورِهِ من العمل، واعلموا أنَّ مَنْ أفلح اليوم ونجح وغلب غيره؛ فإنَّه المفلح الفائز؛ فهذا يومٌ له ما بعده من الأيام؛ فما أصلبهم في باطلهم وأشدَّهم فيه! حيث أتوا بكل سببٍ ووسيلةٍ وممكنٍ ومكيدةٍ يكيدون بها الحقَّ. {65} ويأبى الله إلاَّ أن يُتِمَّ نورَه ويظهِرَ الحقَّ على الباطل، فلما تمَّتْ مكيدتُهم وانحصر قصدُهم ولم يبقَ إلاَّ العمل؛ {قالوا} لموسى: {إمَّا أن تلقي}: عصاك، {وإمَّا أن نكونَ أولَ من ألقى}: خيَّروه موهمين أنَّهم على جزم من ظهورهم عليه بأيِّ حالة كانت. {66} فقال لهم موسى: {بلۡ ألقوا}: فألْقَوْا حبالهم وعصيهم؛ {فإذا حبالُهم وعصيُّهم يُخَيَّلُ إليه}؛ أي: إلى موسى {من سحرِهم}: البليغ، {أنَّها تسعى}: [أنها حيات تسعى]. {67} فلما خُيِّل إلى موسى ذلك؛ أوجس في نفسِهِ خيفةً كما هو مقتضى الطبيعة البشريَّة، وإلاَّ؛ فهو جازمٌ بوعد الله ونصره. {68}{قلنا له}: تثبيتاً وتطميناً: {لا تخفۡ إنَّك أنت الأعلى}: عليهم؛ أي: ستعلو عليهم، وتقهرهم، ويذلُّوا لك، ويخضعوا. {69}{وألقِ ما في يمينِك}؛ أي: عصاك؛ {تَلۡقَفۡ ما صنعوا إنَّما صنعوا كيدُ ساحرٍ ولا يفلِحُ الساحر حيث أتى}؛ أي: كيدهم ومكرهم ليس بمثمرٍ لهم ولا ناجح؛ فإنَّه من كيد السحرة الذين يموِّهون على الناس ويُلَبِّسون الباطل ويخيِّلون أنهم على الحقِّ. {70} فألقى موسى عصاه، فتلقَّفت ما صنعوا كلَّه وأكلتْه، والناسُ ينظُرون لذلك الصنيع، فعَلِمَ السحرةُ علماً يقيناً أنَّ هذا ليس بسحر، وأنَّه من الله، فبادروا للإيمان، {فأُلۡقي السحرةُ} ساجدينَ، {قالوا آمنَّا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون}، فوقع الحقُّ وظهر وسطع، وبطل السحر والمكر والكيدُ في ذلك المجمع العظيم، فصارتْ بيِّنة ورحمةً للمؤمنين وحجَّة على المعاندين. {71} فقال فرعون للسحرة: {آمنتُم له قبلَ أن آذَنَ لكم}؛ أي: كيف أقدمتُم على الإيمان من دون مراجعة منِّي ولا إذن، استغرب ذلك منهم لأدبهم معه وذلِّهم وانقيادهم له في كلِّ أمر من أمورهم، وجعل هذا من ذاك، ثم استلجَّ فرعونُ في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان، واستخفَّ بقوله قومَهُ، وأظهر لهم أنَّ هذه الغلبة من موسى للسحرة ليس لأنَّ الذي معه الحقُّ، بل لأنَّه تمالأ هو والسحرة ومكروا ودبَّروا أن يخرجوا فرعونَ وقومَه من بلادهم، فقبل قومُه هذا المكرَ منه، وظنُّوه صدقاً، {فاستخفَّ قومَه فأطاعوه إنَّهم كانوا قوماً فاسقين}؛ مع أنَّ هذه المقالة التي قالها لا تدخُلُ عقلَ من له أدنى مُسْكة من عقل ومعرفةٍ بالواقع؛ فإنَّ موسى أتى من مَدْيَنَ وحيداً، وحين أتى؛ لم يجتمع بأحدٍ من السحرة ولا غيرهم، بل بادَرَ إلى دعوة فرعون وقومه، وأراهم الآيات، فأراد فرعونُ أن يعارِضَ ما جاء به موسى، فسعى ما أمكنه، وأرسل في مدائنه من يجمعُ له كلَّ ساحر عليم، فجاؤوا إليه، ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة، وهم حرصوا غاية الحرص وكادوا أشدَّ الكيد على غلبتهم لموسى، وكان منهم ما كان؛ فهل يمكن أو يُتَصَوَّر مع هذا أن يكونوا دبَّروا هم وموسى واتَّفقوا على ما صدر؟! هذا من أمحل المحال. ثم توعَّد فرعونُ السحرة فقال: لأقَطِّعَنَّ {أيدِيَكم وأرجُلَكم من خلافٍ}: كما يفعل بالمحاربِ الساعي بالفساد؛ يَقْطَعُ يده اليمنى ورجله اليسرى. {ولأصَلِّبَنَّكُم في جذوع النخل}؛ أي: لأجل أن تشتهروا وتختزوا. {وَلَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}؛ يعني: بزعمه هو وأمته وأنَّه أشدُّ عذاباً من الله وأبقى؛ قلباً للحقائق، وترهيباً لمن لا عقل له. {72} ولهذا؛ لما عَرَفَ السحرةُ الحقَّ ورزقَهم الله من العقل ما يدرِكون به الحقائق؛ أجابوه بقولهم:{لَن نُؤۡثِرَكَ على ما جاءَنا من البيِّناتِ}[أي لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب على ما أرانا اللَّه من الآيات البينات]: الدالاَّتِ على أنَّ الله هو الربُّ المعبود وحدَه، المعظَّم المبجَّل وحده، وأنَّ ما سواه باطلٌ، ونؤثِرَكَ على الذي فَطَرنا وخَلَقنا، هذا لا يكونُ. {فاقضِ ما أنت قاضٍ}: مما أوْعَدْتنا به من القطع والصلب والعذاب، {إنَّما تقضي هذه الحياةَ الدُّنيا}؛ أي: إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدُّنيا ينقضي ويزولُ ولا يضرُّنا؛ بخلافِ عذاب الله لمن استمرَّ على كفرِهِ؛ فإنَّه دائمٌ عظيمٌ. وهذا كأنَّه جوابٌ منهم لقوله:{وَلَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}. وفي هذا الكلام من السَّحرة دليلٌ على أنَّه ينبغي للعاقل أن يوازنَ بين لَذَّات الدُّنيا ولذَّات الآخرة وبين عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرة. {73}{إنَّا آمنَّا بِرَبِّنا لِيَغۡفِرَ لنا خَطايانا}؛ أي: كُفْرَنا ومعاصينا؛ فإنَّ الإيمان مكفِّر للسيئاتِ، والتوبة تجبُّ ما قبلها. وقولهم:{وما أكۡرَهۡتَنا عليه من السحر}: الذي عارَضْنا به الحقَّ. هذا دليلٌ على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدِّم، وإنما [أكرههم] فرعونُ إكراهاً. والظاهر ـ والله أعلم ـ أنَّ موسى لما وعظهم ـ كما تقدَّم في قوله:{ويلَكُم لا تَفۡتروا على اللهِ كَذِباً فَيُسۡحِتَكُم بعذابٍ} أثَّر معهم ووقع منهم موقعاً كبيراً، ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة. ثمَّ إنَّ فرعونَ ألزمهم ذلك وأكرهَهَم على المكرِ الذي أجْرَوْه، ولهذا تكلَّموا بكلامه السابق قبل إتيانهم؛ حيث قالوا:{إنۡ هذانِ لَساحِرانِ يُريدانِ أن يخرِجاكم من أرضِكُم بسِحۡرِهما}، فَجَرَوا على ما سنَّه لهم وأكرههم عليه. ولعلَّ هذه النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحقِّ بالباطل، وفعلهم ما فعلوا على وجه الإغماضِ هي التي أثَّرت معهم ورحمهم الله بسببها، ووفَّقهم للإيمان والتوبة. {والله خيرٌ}: مما أوعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه، {وأبقى}: ثواباً وإحساناً، لا ما يقول فرعون:{ولَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}؛ يريد أنه أشد عذاباً وأبقى. وجميع ما أتى من قَصَص موسى مع فرعون يَذْكُرُ الله فيه إذا أتى على قصة السحرة أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب ولم يذكر أنَّه فعل ذلك، ولم يأتِ في ذلك حديثٌ صحيح، والجزم بوقوعه أو عدمِهِ يتوقَّف على الدليل. والله أعلم بذلك وغيره، [ولكن توعده إياهم بذلك مع اقتداره، دليل على وقوعه، ولأنه لو لم يقع لذكره اللَّه، ولاتفاق الناقلين على ذلك].
  2. الآيات ٧٤–٧٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ (٧٤) وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلْعُلَىٰ (٧٥) جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ (٧٦) ﴾

    {74} يخبر تعالى أنَّ مَن أتاه وقَدِم عليه مجرماً ـ أيْ: وصفه الجرم من كل وجهٍ، وذلك يستلزم الكفر ـ واستمرَّ على ذلك حتى مات؛ فإنَّ له نار جهنم الشديد نَكالها، العظيمة أغلالها، البعيد قعرها، الأليم حرها وقرها، التي فيها من العقاب ما يُذيب الأكباد والقلوب، ومن شدَّة ذلك أنَّ المعذَّب فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة يتلذَّذ بها، وإنَّما حياته محشوَّة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يُقَدَّر قَدْرُه ولا يُفَتَّر عنه ساعة؛ يستغيثُ فلا يُغاث، ويدعو فلا يُستجاب له؛ نعم؛ إذا استغاث؛ أُغيث بماء كالمهل يشوي الوجوه، وإذا دعا؛ أجيب: بأخسؤوا فيها، ولا تكلمون. {75 ـ 76} ومن يأت ربَّه مؤمناً به، مصدقاً لرسله، متَّبعاً لكتبه، قد عمل الصالحات الواجبة والمستحبَّة؛ {فأولئك لهم الدرجات العلى}؛ أي: المنازل العاليات في الغرف المزخرفات، واللَّذَّات المتواصلات، والأنهار السارحات، والخلود الدائم، والسرور العظيم، فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. و {ذلك}: الثواب {جزاء من تزكَّى}؛ أي: تطَهَّر من الشرك والكفر والفسوق والعصيان: إما أنْ لا يفعَلَها بالكلِّية، أو يتوب مما فعله منها، وزكَّى أيضاً نفسه، ونمَّاها بالإيمان والعمل الصالح؛ فإنَّ للتزكية معنيين: التنقية، وإزالة الخبث، والزيادة بحصول الخير، وسمِّيت الزكاة زكاة لهذين الأمرين.
  3. الآيات ٧٧–٧٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ (٧٩) ﴾

    {77 ـ 79} لما ظهر موسى بالبراهين على فرعون وقومه؛ مكث في مصر يدعوهم إلى الإسلام ويسعى في تخليص بني إسرائيل من فرعون وعذابِهِ، وفرعونُ في عتوٍّ ونفور، وأمره شديدٌ على بني إسرائيل، ويريه الله من الآيات والعبر ما قصَّه الله علينا في القرآن، وبنو إسرائيل لا يقدِرون أن يُظْهِروا إيمانَهم ويعلِنوه، قد اتَّخذوا بيوتهم مساجدَ، وصبروا على فرعون وأذاه، فأراد الله تعالى أن ينجِّيهم من عدوِّهم ويمكِّن لهم في الأرض؛ ليعبدوه جَهْراً ويُقيموا أمره، فأوحى إلى نبيِّه موسى أن يواعِدَ بني إسرائيل سرًّا ويسيروا أولَ الليل ليتمادوا في الأرض، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سَيَتَّبعونه، فخرجوا أولَ الليل، جميعُ بني إسرائيل [هم] ونساؤُهم وذرِّيَّتُهم، فلما أصبح أهل مصر، وإذا هم ليس فيهم منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فَحَنَقَ عليهم عدوُّهم فرعون، وأرسل في المدائن من يَجْمَعُ له الناس ويحضُّهم على الخروج في أثر بني إسرائيل، [ليوقع بهم وينفذ غيظه، واللَّه غالب على أمره، فتكاملت جنود فرعون فسار بهم يتبع بني إسرائيل] فاتَّبَعوهم مشرِقين، فلما تراءى الجمعانِ؛ قال أصحابُ موسى: إنَّا لَمدركون، وقلقوا، وخافوا: البحر أمامهم. وفرعون من ورائهم؛ قد امتلأ عليهم غيظاً وحنقاً، وموسى مطمئنُّ القلب ساكنُ البال، قد وَثِقَ بوعد ربِّه فقال:{كلاَّ إنَّ معي ربي سيهدينِ}؛ فأوحى الله إليه أن يَضْرِبَ البحر بعصاه، فضربه، فانفرق اثني عشر طريقاً، وصار الماء كالجبال العالية عن يمين الطرق ويسارها، وأيبس الله طُرُقهم التي انفرق عنها الماء، وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراكِ فرعونَ ولا يَخْشَوا من الغرق في البحر، فسلكوا في تلك الطرق، فجاء فرعونُ وجنودُه، فسلكوا وراءهم، حتَّى تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون داخلين؛ أمر الله البحر، فالتطم عليهم، وغَشِيَهم من اليمِّ ما غَشِيَهم، وغرقوا كلُّهم، ولم ينجُ منهم أحدٌ، وبنو إسرائيل ينظُرون إلى عدوِّهم، قد أقرَّ الله أعيُنَهم بهلاكِهِ ، وهذا عاقبة الكفر والضلال وعدم الاهتداء بهدي الله، ولهذا قال تعالى:{وأضلَّ فرعونُ قومَه}: بما زيَّن لهم من الكفر، وتهجين ما أتى به موسى، واستخفافِهِ إيَّاهم، وما هداهم في وقت من الأوقات، فأوردهم موارد الغيِّ والضَّلال، ثم أوردهم مورد العذاب والنَّكال.
  4. الآيات ٨٠–٨٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ (٨٠) كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ (٨١) وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ (٨٢) ﴾

    {80 ـ 81} يذكِّر تعالى بني إسرائيل منَّته العظيمة عليهم بإهلاك عدوِّهم، ومواعدته لموسى عليه السلام بجانب الطُّور الأيمن؛ لينزل عليه الكتاب الذي فيه الأحكام الجليلة والأخبار الجميلة، فتتمَّ عليهم النعمة الدينيَّة بعد النعمة الدنيويَّة، ويذكِّر منَّته أيضاً عليهم في التيه بإنزال المنِّ والسلوى والرزق الرَّغَد الهني، الذي يحصُلُ لهم بلا مشقَّة، وأنه قال لهم:{كُلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم}؛ أي: واشكروه على ما أسدى إليكم من النعم. {ولا تَطۡغَوۡا فيه}؛ أي: في رزقه فتستعملونه في معاصيه وتبطرون النعمة فإنكم إن فعلتم ذلك حلَّ عليكم غضبي؛ أي: غضبتُ عليكم ثم عذَّبتكم. {ومَن يَحۡلُلۡ عليه غضبي فقد هوى}؛ أي: ردي وهلك وخاب وخسر؛ لأنه عَدِمَ الرِّضا والإحسان، وحلَّ عليه الغضب والخسران. {82} ومع هذا؛ فالتوبة معروضةٌ، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي، ولهذا قال:{وإنِّي لغفارٌ}؛ أي: كثير المغفرة والرحمة، {لمن تابَ}: من الكفر والبدعة والفسوق، و {آمن}: بالله وملائكته وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر، {وعمل صالحاً}: من أعمال القلب والبدن وأقوال اللسان، {ثمَّ اهتدى}؛ أي: سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدِّين القويم؛ فهذا يغفر الله أوزاره، ويعفو عما تقدَّم من ذنبه وإصراره؛ لأنَّه أتى بالسبب الأكبر للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلُّها منحصرةٌ في هذه الأشياء؛ فإنَّ التوبة تجبُّ ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالحُ الذي هو الحسناتُ يُذْهِبُ السيئاتِ، وسلوكُ طرق الهداية، بجميع أنواعها، من تعلُّم علم وتدبُّر آية أو حديث، حتى يتبيَّن له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى دين الحقِّ وردِّ بدعة أو كفر أو ضلالة وجهاد وهجرةٍ وغير ذلك، من جزئيَّات الهداية كلها مكفِّرات للذنوب محصِّلات لغاية المطلوب.
  5. الآيات ٨٣–٨٦بلّغ عن خطأ

    ﴿ ۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ (٨٣) قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى (٨٦) ﴾

    {83} كان الله تعالى قد واعَدَ موسى أن يأتِيَهُ لِيُنْزِلَ عليه التوراة ثلاثين ليلةً، فأتمَّها بعشرٍ، فلما تمَّ الميقات؛ بادر موسى عليه السلام إلى الحضور للموعد شوقاً لربِّه وحرصاً على موعوده، فقال الله له:{وما أعۡجَلَكَ عن قومك يا موسى}؛ أي: ما الذي قدَّمك عليهم؟ ولِمَ لمْ تصبِرْ حتى تَقْدِمَ أنت وهم؟ {84}{قال هم أولاءِ على أثَري}؛ أي: قريباً مني، وسيصلون في أثَري، والذي عَجَّلَني إليك يا ربِّ الطلبُ لقربك والمسارعة في رضاك والشوق إليك. {85} فقال الله له: {فإنَّا قد فَتَنَّا قومَكَ من بعدِكَ}؛ أي: بعبادتهم للعجل ابتليناهم واختبرناهم فلم يصبِروا، وحين وصلتْ إليهم المحنة كفروا، {وأضلَّهم السامرِيُّ}: فأخرج لهم عجلاً جسداً وصاغَهُ فصار له خُوارٌ، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، فنسِيَه موسى، فافتتن به بنو إسرائيل، فعبدوه، ونهاهم هارونُ، فلم ينتهوا. {86} فلما رجع موسى إلى قومِهِ وهو غضبان أسف؛ أي: ممتلئ غيظاً وحنقاً وغمًّا؛ قال لهم موبِّخاً ومقبحاً لفعلهم:{يا قوم ألمۡ يَعِدۡكُم ربُّكم وعداً حسناً}: وذلك بإنزال التوراة. {أفطالَ عليكُمُ العهدُ}؛ أي: المدة فتطاولتم غيبتي وهي مدة قصيرة؟! هذا قول كثيرٍ من المفسرين، ويُحتمل أنَّ معناه: أفطال عليكُم عهد النبوَّة والرِّسالة، فلم يكن لكم بالنبوَّة علمٌ ولا أثرٌ، واندرستْ آثارُها، فلم تقِفوا منها على خبرٍ، فانمحت آثارُها لبعد العهد بها، فعبدتُم غير الله لغلبة الجهل وعدم العلم بآثار الرسالة؟! أي: ليس الأمر كذلك، بل النبوَّة بين أظهركم، والعلم قائمٌ، والعذر غيرُ مقبول. {أم أردتُم}: بفعلكم {أن يَحِلَّ عليكم غضبٌ من ربِّكم}؛ أي: فتعرَّضتم لأسبابه واقتحمتم موجب عذابه، وهذا هو الواقع. {فأخلفتُم موعدي}: حين أمرتكم بالاستقامة ووصيت بكم هارون فلم ترقُبوا غائباً ولم تحترموا حاضراً.
  6. الآيات ٨٧–٨٩بلّغ عن خطأ

    ﴿ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا (٨٩) ﴾

    {87 ـ 88} أي: قالوا له: ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمُّدٍ منَّا وملكٍ منَّا لأنفسنا، ولكن السبب الداعي لذلك أنَّنا تأثَّمنا من زينة القوم التي عندنا، وكانوا فيما يَذْكُرون استعاروا حُلِيًّا كثيراً من القبط، فخرجوا وهو معهم، وألقوه وجمعوه حين ذهب موسى ليراجعوه فيه إذا رجع، وكان السامريُّ قد بصر يومَ الغرق بأثر الرسول، فسوَّلت له نفسُه أن يأخُذَ قبضةً من أثرِهِ، وأنَّه إذا ألقاها على شيءٍ حَيِيَ فتنة وامتحاناً، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل، فتحرَّك العجلُ وصار له خُوارٌ وصوتٌ، وقالوا: إنَّ موسى ذهب يطلُبُ ربَّه، وهو هاهنا، فنسِيَه. {89} وهذا من بلادتهم وسخافة عقولهم؛ حيث رأوا هذا الغريب الذي صار له خُوارٌ بعد أن كان جماداً، فظنُّوه إله الأرض والسماوات، أفلا يَرَوْنَ أنَّ العجل لا {يرجِعُ إليهم قولاً}؛ أي: لا يتكلَّم ويراجعهم ويراجعونه، {ولا يملكُ لهم ضرًّا ولا نفعاً}؛ فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحقُّ أن يُعْبَدَ، وهو أنقصُ من عابديه؛ فإنَّهم يتكلَّمون ويقدِرون على بعض الأشياء من النفع والدفع بإقدارِ الله لهم.
  7. الآيات ٩٠–٩٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى (٩٠) قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ (٩١) قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى (٩٤) ﴾

    {90 ـ 91} أي: إنَّهم باتَّخاذهم العجل ليسوا معذورينَ فيه؛ فإنَّه وإنْ كانت عَرَضَتْ لهم الشبهةُ في أصل عبادته؛ فإنَّ هارونَ قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ربَّهم الرحمن الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم، وأنَّه أمرهم أن يتَّبعوه ويعتزلوا العجل، فأبوا وقالوا:{لن نَبۡرَحَ عليه عاكفينَ حتَّى يرجِعَ إلينا موسى}. {92 ـ 93} فأقبل موسى على أخيه لائماً له، وقال:{يا هارونُ ما منعكَ إذۡ رأيتَهم ضَلُّوا. أن لا تَتَّبِعَنِ}: فتخبِرَني لأبادِرَ للرُّجوع إليهم. {أفعصيتَ أمري}: في قولي: {اخلُفني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تَتَّبِع سبيلَ المفسدين}: فأخذ موسى برأسِ هارون ولحيتِهِ يجرُّه من الغضب والعتب عليه. {94} فقال هارون: {يا ابن أمَّ}: ترقيقٌ له، وإلاَّ فهو شقيقه. {لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقتَ بين بني إسرائيلَ ولم تَرۡقُبۡ قَوۡلي}: فإنَّك أمرتني أن أخْلُفَكَ فيهم؛ فلو تبعتُك؛ لتركتُ ما أمرتَني بلزومِهِ، وخشيتُ لائمَتَكَ، وأن تقول: فرَّقْتَ بين بني إسرائيل؛ حيث تركتَهم وليس عندَهم راعٍ ولا خليفةٌ؛ فإنَّ هذا يفرِّقُهم، ويشتِّت شملَهم؛ فلا تَجْعَلْني مع القوم الظالمين، ولا تشمِّتْ فينا الأعداء. فندم موسى على ما صَنَعَ بأخيه وهو غير مستحقٍّ لذلك، فقال:{ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي وأدۡخِلۡنا في رحمتِكَ وأنت أرحم الراحمين}. ثم أقبل على السامريِّ:
  8. الآيات ٩٥–٩٧بلّغ عن خطأ

    ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى (٩٦) قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) ﴾

    {95 ـ 96} أي: ما شأنُك يا سامريُّ حيثُ فعلتَ ما فعلتَ؟ فقال:{بَصُرۡتُ بما لم يَبۡصُروا به}: وهو جبريلُ عليه السلام على فرسٍ، رآه وقتَ خروجهم من البحر وغرِق فرعون وجنوده على ما قاله المفسرون، {فقبضتُ قبضةً من أثر} حافر فرسِهِ، فنبذتُها على العجل، {وكذلك سَوَّلَتۡ لي نفسي}: أنْ أقبِضَها ثمَّ أنبِذَها، فكان ما كان. {97} فقال له موسى: اذهبْ؛ أي: تباعَدْ عنِّي واستأخِرْ منِّي. {فإنَّ لك في الحياة أن تقولَ لا مِساسَ}؛ أي: تعاقَبُ في الحياة عقوبةً، لا يدنو منك أحدٌ ولا يَمَسُّك أحدٌ، حتى إنَّ من أراد القرب منك؛ قلت له: لا تَمَسَّني ولا تَقْرَبْ مني؛ عقوبةً على ذلك؛ حيث مسَّ ما لم يمسَّه غيره وأجرى ما لم يجرِهِ أحدٌ. {وإنَّ لك موعداً لن تُخۡلَفَهُ}: فتُجازى بعملك من خيرٍ وشرٍّ. {وانظُرۡ إلى إلهك الذي ظَلۡتَ عليه عاكفاً}؛ أي: العجل، {لَنُحَرِّقَنَّه ثم لَنَنۡسِفَنَّه في اليمِّ نَسۡفاً}: ففعل موسى ذلك؛ فلو كان إلهاً؛ لامتنع ممَّن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف. وكان قد أشْرِبَ العجلُ في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى عليه السلام إتلافَه وهم ينظُرون على وجهٍ لا تمكن إعادتُه؛ بالإحراق والسَّحْق وذَرْيِهِ في اليمِّ ونسفِهِ؛ ليزول ما في قلوبهم من حبِّه كما زال شخصه، ولأنَّ في إبقائه محنةً؛ لأن في النفوس أقوى داعٍ إلى الباطل. فلما تبيَّن لهم بطلانه؛ أخبرهم بمن يستحقُّ العبادة وحده لا شريك له، فقال:
  9. الآية ٩٨بلّغ عن خطأ

    ﴿ إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ﴾

    {98} أي: لا معبود إلاَّ وجهه الكريم؛ فلا يؤلَّه ولا يُحَبُّ ولا يُرجى ولا يُخاف ولا يُدعى إلاَّ هو؛ لأنَّه الكامل الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، المحيط علمه بجميع الأشياء، الذي ما من نعمة بالعباد إلاَّ منه، ولا يدفع السوء إلاَّ هو؛ فلا إله إلاَّ هو، ولا معبود سواه.
  10. الآيات ٩٩–١٠١بلّغ عن خطأ

    ﴿ كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا (٩٩) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ حِمْلًۭا (١٠١) ﴾

    {99} يمتنُّ الله تعالى على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بما قصَّه عليه من أنباء السابقين وأخبار السالفين؛ كهذه القصَّة العظيمة، وما فيها من الأحكام وغيرها، التي لا ينكرها أحدٌ من أهل الكتاب؛ فأنت لم تدرُسْ أخبار الأولين، ولم تتعلَّمْ ممَّن دراها؛ فإخبارُك بالحقِّ اليقين من أخبارهم دليلٌ على أنَّك رسولُ الله حقًّا، وما جئت به صدقٌ، ولهذا قال:{وقد آتَيۡناك مِن لَدُنَّا}؛ أي: عطيَّة نفيسة ومِنْحة جزيلة من عندنا، {ذِكۡراً}: وهو هذا القرآن الكريم؛ ذِكْرٌ للأخبار السابقة واللاحقة، وذِكْرٌ يُتَذَكَّرُ به ما لله تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويُتَذَكَّرُ به أحكام الأمرِ والنهي وأحكام الجزاء، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ القرآن مشتملٌ على أحسن ما يكونُ من الأحكام، التي تشهد العقولُ والفِطَرُ بحسنها وكمالها، ويذكُرُ هذا القرآن ما أودَعَ الله فيها، وإذا كان القرآنُ ذكراً للرسول ولأمَّته؛ فيجبُ تلقِّيه بالقَبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأنْ يُهْتَدَى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأنْ يُقْبِلوا عليه بالتعلُّم والتعليم. {100} وأما مقابلته بالإعراض أو ما هو أعظم منه من الإنكار؛ فإنَّه كفرٌ لهذه النعمة، ومن فعل ذلك؛ فهو مستحقٌّ للعقوبة، ولهذا قال:{مَنۡ أعۡرَضَ عنه}: فلم يؤمنْ به أو تهاونَ بأوامرِهِ ونواهيهِ أو بتعلُّم معانيه الواجبة، {فإنَّه يَحۡمِلُ يوم القيامةِ وِزۡراً}: وهو ذنبُه الذي بسببه أعرض عن القرآن، وأولاه الكفر والهجران. {101}{خالدين فيه}؛ أي: في وِزْرهم؛ لأنَّ العذاب هو نفس الأعمال، تنقلب عذاباً على أصحابها بحسب صغرها وكبرها، {وساءَ لهم يومَ القيامةِ حِمۡلاً}؛ أي: بئس الحملُ الذي يحمِلونه والعذابُ الذي يعذَّبونه يوم القيامة. ثم استطرد فذكر أحوال يوم القيامة وأهواله فقال:
  11. الآيات ١٠٢–١٠٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا (١٠٢) يَتَخَٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا (١٠٣) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا (١٠٤) ﴾

    {102 ـ 104} أي: إذا نُفِخَ في الصور، وخرج الناس من قبورهم؛ كل على حسب حاله؛ فالمتَّقون يُحْشَرون إلى الرحمن وفداً، والمجرِمون يُحْشَرون زُرقاً ألوانُهم من الخوف والقلق والعطش؛ يتناجَوْن بينَهم ويَتَخافَتون في قِصَرِ مدَّة الدُّنيا وسرعة الآخرة، فيقول بعضُهُم ما لبثتُم إلاَّ عشرة أيَّام، ويقول بعضُهم غير ذلك، والله يعلمُ تخافُتَهم ويسمعُ ما يقولون:{إذۡ يقولُ أمثلُهم طريقةً}؛ أي: أعدلهم وأقربهم إلى التقدير: {إنۡ لَبِثۡتُم إلاَّ يوماً}: والمقصود من هذا الندم العظيم؛ كيف ضيَّعوا الأوقات القصيرة وقطعوها ساهين لاهين معرضين عما ينفعُهم مقبِلين على ما يضرُّهم؛ فها قد حضر الجزاءُ، وحقَّ الوعيد، فلم يبق إلاَّ الندمُ والدُّعاء بالويل والثبور؛ كما قال تعالى:{قال كم لَبِثۡتُم في الأرضِ عَدَدَ سنين. قالوا لَبِثۡنا يوماً أو بعضَ يوم فاسۡألِ العادِّينَ قالَ إن لَبِثۡتُم إلاَّ قليلاً لو أنَّكم كنتُم تعلمونَ}.
  12. الآيات ١٠٥–١١٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا (١٠٦) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا (١٠٧) يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا (١٠٨) يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا (١١٠) ۞ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا (١١١) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا (١١٢) ﴾

    {105 ـ 107} يخبر تعالى عن أهوال القيامة وما فيها من الزلازل والقلاقل، فقال:{ويسألونك عن الجبال}؛ أي: ماذا يُصنعُ بها يوم القيامة؟ وهل تبقى بحالها أم لا؟ {فقل ينسِفُها ربِّي نسفاً}؛ أي: يزيلُها ويقلعُها من أماكنها، فتكون كالعهن وكالرمل، ثم يدكُّها فيجعلها هباءً منبثًّا، فتضمحِلُّ وتتلاشى، ويسوِّيها بالأرض، ويجعل الأرض {قاعاً صفصفاً}: مستوياً، {لا ترى فيها}: أيُّها الناظر، {عِوَجاً}: هذا من تمام استوائها، {ولا أمۡتاً}؛ أي: أودية وأماكن منخفضة أو مرتفعة، فتبرز الأرض وتتَّسع للخلائق ويمدُّها الله مدَّ الأديم، فيكونون في موقف واحدٍ، يسمعُهم الداعي، وينفذُهُم البصرُ. {108 ـ 110} ولهذا قال: {يومئذٍ يتَّبعونَ الداعيَ}: وذلك حين يبُعثون من قبورهم ويقومون منها؛ يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف، فيتَّبِعونه مهطعينَ إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرُجون يمنةً ولا يسرةً. وقوله:{لا عِوَجَ له}؛ أي: لا عوج لدعوة الداعي، بل تكون دعوته حقًّا وصدقاً لجميع الخلق، يُسمِعُهم جميعَهم، ويصيح لهم أجمعين، فيحضُرون لموقف القيامة خاشعةً أصواتُهم للرحمن. {فلا تسمعُ إلاَّ همساً}؛ أي: إلا وطء الأقدام أو المخافتة سرًّا بتحريك الشفتين فقط؛ يملكُهم الخشوعُ والسكوتُ والإنصاتُ؛ انتظاراً لحكم الرحمن فيهم، وتعنوا وجوهُهم؛ أي: تذِلُّ وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والأحرار والأرقاء والملوك والسوقة، ساكتين منصتين خاشعةً أبصارُهم خاضعةً رقابُهم جاثين على رُكَبِهِم عانيةً وجوهُهم، لا يدرون ماذا ينفصِلُ كلٌّ منهم به ولا ماذا يفعلُ به، قد اشتغل كلٌّ بنفسِهِ وشأنه عن أبيه وأخيه وصديقه وحبيبه، لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه، [فحينئذ] يحكم فيه الحاكمُ العدلُ الديَّانُ، ويجازي المحسنَ بإحسانِهِ والمسيءَ بالحرمان. والأمل بالربِّ الكريم الرحمن الرحيم أن يُري الخلائقَ منه من الفضل والإحسان والعَفْو والصَّفْح والغُفْران ما لا تعبِّرُ عنه الألسنةُ ولا تتصوَّره الأفكارُ، ويتطلَّع لرحمتِهِ إذ ذاك جميعُ الخلق؛ لما يشاهدونه، فيختصُّ المؤمنون به وبرسله بالرحمةِ. فإنْ قيل من أين لكم هذا الأمل؟ وإن شئت قلتَ: من أين لكم هذا العلم بما ذُكِرَ؟ قلنا: لما نعلمُهُ من غلبةِ رحمتِهِ لغضبِهِ، ومن سَعَةِ جودِهِ الذي عمَّ جميع البرايا، ومما نشاهده في أنفسنا وفي غيرنا من النعم المتواترة في هذه الدار، وخصوصاً في فضل القيامة؛ فإنَّ قوله:{وخشعتِ الأصواتُ للرحمن}{إلاَّ مَنۡ أذِنَ له الرحمنُ}، مع قوله:{الملكُ يومئذٍ الحقُّ للرحمن}، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لله مائةَ رحمةٍ، أنزل لعباده رحمةً بها يتراحمون ويتعاطفون، حتى إن البهيمةَ ترفعُ حافِرَها عن ولدها خشيةَ أن تطأه»، [أي]: من الرحمة المودَعة في قلبها؛ فإذا كان يومُ القيامةِ؛ ضمَّ هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمةً، فرحم بها العباد، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «للهُ أرحمُ بعبادِهِ من الوالدة بولدِها» ؛ فقل ما شئتَ عن رحمتِهِ؛ فإنَّها فوق ما تقولُ، وتصوَّرْ فوق ما شئتَ؛ فإنَّها فوق ذلك؛ فسبحان من رحم في عدله وعقوبته، كما رحم في فضله وإحسانه ومثوبته، وتعالى مَنْ وسعت رحمتُهُ كلَّ شيء، وعمَّ كرمُهُ كلَّ حيٍّ، وجلَّ من غنيٍّ عن عبادِهِ رحيم بهم، وهم مفتقرونَ إليه على الدوام في جميع أحوالهم؛ فلا غنى لهم عنه طرفةَ عين. وقوله:{يومئذٍ لا تنفعُ الشفاعةُ إلاَّ مَن أذِنَ له الرحمن ورضي له قَوۡلاً}؛ أي: لا يشفع أحدٌ عنده من الخلق إلاَّ مَنْ أذِنَ له في الشفاعة، ولا يأذنُ إلاَّ لمن رَضِيَ قوله؛ أي: شفاعته؛ من الأنبياء والمرسلين وعباده المقرَّبين فيمن ارتضى قوله وعمله، وهو المؤمن المخلص؛ فإذا اختلَّ واحدٌ من هذه الأمور؛ فلا سبيلَ لأحدٍ إلى شفاعة من أحد. {111 ـ 112} وينقسم الناسُ في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرِهم وشرِّهم؛ فهؤلاء لا ينالُهم إلاَّ الخيبة والحرمان والعذاب الأليم في جهنَّم وسخطُ الدَّيَّان. والقسم الثاني: مَنْ آمَنَ الإيمان المأمور به، وعمل صالحاً من واجب ومسنون؛ {فلا يخافُ ظلماً}؛ أي: زيادة في سيئاتِهِ. {ولا هَضۡماً}؛ أي: نقصاً من حسناته، بل تُغْفَرُ ذنوبُهُ وتُطَهَّرُ عيوبه وتضاعَفُ حسناتُهُ، {وإن تَكُ حسنةً يضاعِفۡها ويؤتِ من لَدُنۡه أجراً عظيماً}.
  13. الآية ١١٣بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ﴾

    {113} أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب باللِّسان الفاضل العربيِّ الذي تفهمونه وتفقهونه ولا يخفى عليكم لفظُهُ ولا معناه. {وصرَّفنا فيه من الوعيدِ}؛ أي: نوعناها أنواعاً كثيرةً؛ تارةً بذكر أسمائِهِ الدالَّة على العدل والانتقام، وتارةً بذكر المَثُلاتِ التي أحلَّها بالأمم السابقة، وأمر أن تَعْتَبِرَ بها الأممُ اللاحقةُ، وتارةً بذكرِ آثار الذُّنوب وما تُكْسِبُه من العيوب، وتارةً بذِكْر أهوال القيامة وما فيها من المزعجاتِ والمقلقاتِ، وتارةً بذكر جهنَّم وما فيها من أنواع العقابِ وأصناف العذابِ؛ كل هذا رحمةً بالعباد؛ {لعلَّهم يتَّقون}: الله، فيترُكون من الشرِّ والمعاصي ما يضرُّهم، {أو يحدِثُ لهم ذِكۡراً}: فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم، فكونه عربيًّا وكونه مصرفاً فيه من الوعيد أكبرُ سبب وأعظمُ داعٍ للتقوى والعمل الصالح؛ فلو كان غير عربيِّ أو غير مصرَّفٍ فيه؛ لم يكن له هذا الأثر.
  14. الآية ١١٤بلّغ عن خطأ

    ﴿ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ﴾

    {114} لما ذكر تعالى حكمَهُ الجزائيَّ في عبادِهِ، وحكمه الأمريَّ الدينيَّ الذي أنزله في الكتاب وكان هذا من آثار ملكه؛ قال:{فتعالى اللهُ}؛ أي: جلَّ وارتفع وتقدَّس عن كلِّ نقص وآفة. {الملكُ}: الذي المُلْكُ وصفُه، والخلق كلُّهم مماليك له، وأحكام المُلْك القدريَّة والشرعيَّة نافذة فيهم. {الحقُّ}؛ أي: وجوده ومُلكه وكمالُه حقٌّ؛ فصفات الكمال لا تكون حقيقةً إلا لذي الجلال، ومن ذلك الملك؛ فإنَّ غيره من الخلق، وإنْ كان له ملكٌ في بعض الأوقات على بعض الأشياء؛ فإنَّه ملكٌ قاصرٌ باطلٌ يزولُ، وأما الربُّ؛ فلا يزال ولا يزول ملكاً حيًّا قيوماً جليلاً. {ولا تَعۡجَلۡ بالقرآنِ من قبلِ أن يُقۡضى إليك وحيُهُ}؛ أي: لا تبادِرْ بتلقُّف القرآن حين يتلوه عليك جبريلُ، واصبرْ حتى يفرغ منه؛ فإذا فَرَغَ منه؛ فاقرأهُ؛ فإنَّ الله قد ضَمِنَ لك جمعَه في صدرك وقراءتك إيَّاه؛ كما قال تعالى:{لا تُحَرِّكۡ به لِسانَكَ لِتَعۡجَلَ به إنَّ عَلَيۡنا جَمۡعَه وقرآنَهُ. فإذا قَرَأناه فاتَّبِعۡ قرآنَهُ. ثم إنَّ عَلَيۡنا بيانَهُ}. ولما كانت عَجَلَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - على تلقُّف الوحي ومبادرتُهُ إليه يدلُّ على محبَّته التامَّة للعلم وحرصه عليه؛ أمره تعالى أن يسألَهُ زيادةَ العلم؛ فإنَّ العلم خيرٌ، وكثرةُ الخير مطلوبةٌ، وهي من الله، والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤالُ الله والاستعانةُ به والافتقارُ إليه في كل وقت. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة الأدب في تلقِّي العلم، وأنَّ المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنَّى ويصبِرَ حتى يفرغ المملي والمعلِّم من كلامه المتَّصل بعضه ببعض؛ فإذا فَرَغَ منه؛ سأل إن كان عنده سؤالٌ، ولا يبادِرُ بالسؤال وقطع كلام مُلقي العلم؛ فإنَّه سببٌ للحرمان، وكذلك المسؤول ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ويعرف المقصودَ منه قبل الجواب؛ فإنَّ ذلك سببٌ لإصابة الصواب.
  15. الآية ١١٥بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ﴾

    {115} أي: ولقد وصَّينا آدم وأمرناه وعَهِدْنا إليه عهداً ليقوم به، فالتزَمَه وأذعن له وانقادَ وعزمَ على القيام به، ومع ذلك نَسِيَ ما أُمِرَ به، وانتقضت عزيمتُه المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرةً لذرِّيَّته، وصارت طبائعُهم مثل طبيعة آدم؛ نسي فنسيت ذُرِّيَّتُه، وخَطِئ فخطئوا، ولم يثبت على العزم المؤكَّد وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقرَّ بها، واعترفَ فغُفِرَتْ له، ومن يشابِهْ أباه فما ظلم. ثم ذكر تفصيل ما أجمله، فقال:
  16. الآيات ١١٦–١٢٢بلّغ عن خطأ

    ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ (١١٦) فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (١٢١) ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (١٢٢) ﴾

    {116} أي: لما أكمل خلقَ آدم بيدِهِ، وعلَّمه الأسماء، وفضَّله وكرَّمه؛ أمر الملائكة بالسجود له إكراماً وتعظيماً وإجلالاً، فبادروا بالسُّجود ممتثلين، وكان بينهم إبليسُ، فاستكبر عن أمرِ ربِّه، وامتنع من السجود لآدم، وقال:{أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَه من طينٍ}. {117 ـ 118} فتبينتْ حينئذٍ عداوتُه البليغةُ لآدم وزوجِهِ لما كان عدوًّا لله، وظهر من حسده ما كان سبب العداوة، فحذَّر الله آدم وزوجه منه، وقال: لا {يُخۡرِجَنَّكُما من الجنَّةِ فَتَشۡقى}: إذا أخرِجْتَ منها؛ فإنَّ لك فيها الرزق الهني والراحة التامة، {إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعۡرَى. وأنَّك لا تَظمَأُ فِيهَا ولا تَضۡحَى}؛ أي: تصيبُك الشمس بحرِّها، فضَمِنَ له استمرار الطعام والشراب والكسوة والماء وعدم التعب والنَّصَب، ولكنَّه نهاه عن أكل شجرةٍ معيَّنة، فقال:{ولا تَقۡرَبا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين}. {120} فلم يزل الشيطانُ يوسوسُ لهما ويُزيِّن أكل الشجرة ويقولُ: {هل أدُلُّك على شجرةِ الخُلۡدِ}؛ أي:[الشجرة] التي مَنْ أكل منها خَلَدَ في الجنة، {ومُلۡكٍ لا يَبۡلى}؛ أي: لا ينقطع إذا أكلتَ منها. {121} فأتاه بصورة ناصح، وتلطَّف له في الكلام؛ فاغترَّ به آدمُ، فأكلا من الشجرةِ، فسُقِطَ في أيديهما وسَقَطَتْ كسوتُهما، واتَّضحت معصيتُهما، وبدا لكلٍّ منهما سوأة الآخر بعد أن كانا مستورَيْن، وجعلا يَخْصِفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنَّة؛ ليستَتِر بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم. {وعصى آدم ربه فغوى}: فبادرا إلى التوبة والإنابة وقالا: {122}{ربَّنا ظَلَمۡنا أنفُسنا وإن لم تَغۡفِرۡ لنا وترحَمۡنا لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: فاجتباه ربُّه واختاره ويَسَّرَ له التوبة، فتاب عليه وهدى، فكان بعد التوبة أحسنَ منه قبلَها، ورجع كيدُ العدوِّ عليه، وبَطَلَ مكرُهُ، فتمَّت النعمة عليه وعلى ذُرِّيَّته، ووجب عليهم القيام بها والاعتراف وأنْ يكونوا على حَذَرٍ من هذا العدوِّ المرابط الملازم لهم ليلاً ونهاراً، {يا بني آدمَ لا يَفۡتِنَنَّكُم الشيطانُ كما أخرجَ أبَوَيۡكُم من الجنَّة ينزعُ عنۡهما لباسَهما ليُرِيَهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيلُهُ [من حيث لا ترونهم] إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}.
السابقالجزء ٢ من ٣التالي

تفسير السعدي — عبد الرحمن بن ناصر السعدي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.