- الآيات ١٥٢–١٥٣بلّغ عن خطأ
﴿ فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ (١٥٣) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَفِيهِ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ فَلِذَلِكَ جُزِمَ. وَأَصْلُ الذِّكْرِ التَّنَبُّهُ بِالْقَلْبِ لِلْمَذْكُورِ وَالتَّيَقُّظُ لَهُ. وَسُمِّيَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ذِكْرًا لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَى الذِّكْرِ الْقَلْبِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ إِطْلَاقُ الذِّكْرِ عَلَى الْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ صَارَ هُوَ السَّابِقَ لِلْفَهْمِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالثَّوَابِ وَالْمَغْفِرَةِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ أَيْضًا: الذِّكْرُ طَاعَةُ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يُطِعْهُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَإِنْ أَكْثَرَ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَإِنْ أَقَلَّ صَلَاتَهُ وَصَوْمَهُ وَصَنِيعَهُ لِلْخَيْرِ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ نَسِيَ اللَّهَ وَإِنْ كَثَّرَ صَلَاتَهُ وَصَوْمَهُ وَصَنِيعَهُ لِلْخَيْرِ)، ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ فِي "أَحْكَامِ الْقُرْآنِ" لَهُ. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: إِنِّي لَأَعْلَمَ السَّاعَةَ الَّتِيِ يَذْكُرُنَا اللَّهُ فِيهَا، قِيلَ لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْلَمُهَا؟ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ". وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَذْكُرُهُ مُؤْمِنٌ إِلَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا يَذْكُرُهُ كَافِرٌ إِلَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ بعذاب. وسيل أَبُو عُثْمَانَ فَقِيلَ لَهُ: نَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا نَجِدُّ فِي قُلُوبِنَا حَلَاوَةً؟ فَقَالَ: احْمَدُوا اللَّهَ تعالى على أن زين جارحة من جواركم بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ نسي في جنب ذكره كل شي، وحفظ الله عليه كل شي، وكان له عوضا من كل شي. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ وَثَوَابِهِ كَثِيرَةٌ خَرَّجَهَا الْأَئِمَّةُ. رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). وَخُرِّجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ). وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً " وَأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ الْقَلْبِ الَّذِي يَجِبُ اسْتِدَامَتُهُ فِي عُمُومِ الْحَالَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ يُقَالُ: شَكَرْتُكَ وَشَكَرْتُ لَكَ، وَنَصَحْتُكَ وَنَصَحْتُ لَكَ، وَالْفَصِيحُ الْأَوَّلُ. وَالشُّكْرُ مَعْرِفَةُ الْإِحْسَانِ وَالتَّحَدُّثُ بِهِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الظُّهُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَشُكْرُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، وَشُكْرُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ لِلْعَبْدِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِطَاعَتِهِ لَهُ، إِلَّا أَنَّ شُكْرَ الْعَبْدِ نُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَإِقْرَارٌ بِالْقَلْبِ بِإِنْعَامِ الرَّبِّ مَعَ الطَّاعَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ، وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ نُونُ الْجَمَاعَةِ، وَهَذِهِ نُونُ الْمُتَكَلِّمِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ، وَإِثْبَاتُهَا أَحْسَنُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، أَيْ لَا تَكْفُرُوا نِعْمَتِي وَأَيَادِيَّ. فَالْكُفْرُ هُنَا سَتْرُ النِّعْمَةِ لَا التَّكْذِيبُ. وَقَدْ مضى القول في الكفر لغة، مضى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا معنى للإعادة. - الآية ١٥٤بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ﴾
هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْكَلَامُ فِي الشُّهَدَاءِ وَأَحْكَامِهِمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُحْيِيهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَرْزُقَهُمْ- عَلَى مَا يَأْتِي- فَيَجُوزُ أَنْ يُحْيِيَ الْكُفَّارَ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ. وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشُّهَدَاءِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ فَرْقٌ إِذْ كُلُّ أَحَدٍ سَيَحْيَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وَالْمُؤْمِنُونَ يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ. وَارْتَفَعَ "أَمْواتٌ" عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، وَكَذَلِكَ "بَلْ أَحْياءٌ" أَيْ هُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَلَا يَصِحُّ إِعْمَالُ الْقَوْلِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَنَاسُبٌ، كَمَا يَصِحُّ فِي قَوْلِكَ: قُلْتُ كَلَامًا وَحُجَّةً. - الآية ١٥٥بلّغ عن خطأ
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ هَذِهِ الْوَاوُ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا ضُمَّتْ إِلَى النُّونِ الثَّقِيلَةِ بُنِيَ الْفِعْلُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَالْبَلَاءُ يَكُونُ حَسَنًا وَيَكُونُ سَيِّئًا. وَأَصْلُهُ الْمِحْنَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. والمعنى لنمتحننكم لِنَعْلَمَ الْمُجَاهِدَ وَالصَّابِرَ عِلْمَ مُعَايَنَةٍ حَتَّى يَقَعَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا ابْتُلُوا بِهَذَا لِيَكُونَ آيَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى هَذَا حِينَ وَضَحَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَقِيلَ: أَعْلَمَهُمْ بِهَذَا لِيَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ أَنَّهُ يُصِيبُهُمْ، فَيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُوا أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الْجَزَعِ، وَفِيهِ تَعْجِيلُ ثَوَابِ الله تعالى على العزم وتوطين النفس. قوله تعالى: "بِشَيْءٍ" لَفْظٌ مُفْرَدٌ وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ "بِأَشْيَاءَ" عَلَى الْجَمْعِ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّوْحِيدِ، أَيْ بِشَيْءٍ من هذا وشئ مِنْ هَذَا، فَاكْتَفَى بِالْأَوَّلِ إِيجَازًا "مِنَ الْخَوْفِ" أَيْ خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالْفَزَعِ فِي الْقِتَالِ، قَالَهُ ابن عباس. وقال الشافعي: هو خوف اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. "وَالْجُوعِ" يَعْنِي الْمَجَاعَةَ بِالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ الْجُوعُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ "وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ" بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: الجوائح الْمُتْلِفَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. "وَالْأَنْفُسِ" قَالَ ابن عباس: بالقتل ولموت فِي الْجِهَادِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي بِالْأَمْرَاضِ. "وَالثَّمَراتِ" قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ مَوْتُ الْأَوْلَادِ، وَوَلَدُ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ قِلَّةُ النَّبَاتِ وَانْقِطَاعُ الْبَرَكَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ بِالثَّوَابِ عَلَى الصَّبْرِ. وَالصَّبْرُ أَصْلُهُ الْحَبْسُ، وَثَوَابُهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. لَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى). وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ، أَيْ إِنَّمَا الصَّبْرُ الشَّاقُّ عَلَى النَّفْسِ الَّذِي يَعْظُمُ الثَّوَابُ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ هُجُومِ الْمُصِيبَةِ وَحَرَارَتِهَا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْقَلْبِ وَتَثَبُّتِهِ فِي مَقَامِ الصَّبْرِ، وَأَمَّا إِذَا بَرَدَتْ حَرَارَةُ الْمُصِيبَةِ فَكُلُّ أَحَدٍ يَصْبِرُ إِذْ ذَاكَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَلْتَزِمَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ مَا لَا بُدَّ لِلْأَحْمَقِ مِنْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: لَمَّا قَالَ تَعَالَى: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" صَارَ الصَّبْرُ عَيْشًا. وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَهَذَا مُجَاهِدٌ، وَصَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَهَذَا عَابِدٌ. فَإِذَا صَبَرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ الرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَعَلَامَةُ الرِّضَا سُكُونُ الْقَلْبِ بِمَا وَرَدَ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَحْبُوبَاتِ. وَقَالَ الْخَوَّاصُ: الصَّبْرُ الثَّبَاتُ عَلَى أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ رُوَيْمٌ: الصَّبْرُ تَرْكُ الشَّكْوَى. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: الصَّبْرُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ: الصَّبْرُ حَدُّهُ أَلَّا تَعْتَرِضَ عَلَى التَّقْدِيرِ، فَأَمَّا إِظْهَارُ الْبَلْوَى عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّكْوَى فَلَا يُنَافِي الصَّبْرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ:" إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ "مَعَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أنه قال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ". - الآيات ١٥٦–١٥٧بلّغ عن خطأ
﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (١٥٦) أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾
فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُصِيبَةٌ﴾ الْمُصِيبَةِ: كُلُّ مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ وَيُصِيبُهُ، يُقَالُ: أَصَابَهُ إِصَابَةً وَمُصَابَةً وَمُصَابًا. وَالْمُصِيبَةُ وَاحِدَةُ الْمَصَائِبِ. وَالْمَصُوبَةُ (بِضَمِ الصَّادِ) مِثْلُ الْمُصِيبَةِ. وَأَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى هَمْزِ الْمَصَائِبِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، كَأَنَّهُمْ شَبَّهُوا الْأَصْلِيَّ بِالزَّائِدِ، وَيُجْمَعُ عَلَى مَصَاوِبَ، وَهُوَ الْأَصْلُ. وَالْمُصَابُ الْإِصَابَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَسُلَيْمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا ... أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ وَصَابَ السَّهْمُ الْقِرْطَاسُ يُصِيبُ صبيا، لُغَةٌ فِي أَصَابَهُ. وَالْمُصِيبَةُ: النَّكْبَةُ يُنْكَبُهَا الْإِنْسَانُ وَإِنْ صَغُرَتْ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ، رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّ مِصْبَاحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْطَفَأَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ" فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ كُلُّ مَا آذَى الْمُؤْمِنِ فَهُوَ مُصِيبَةٌ). قُلْتُ: هَذَا ثَابِتٌ مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحِ، خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ). الثَّانِيَةُ- خَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَ مُصِيبَتَهُ فَأَحْدَثَ اسْتِرْجَاعًا وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجر مثله يوم أصيب). الثَّالِثَةُ- مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ الْمُصِيبَةُ فِي الدِّينِ، ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ مُصِيبَةً فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ). أَخْرَجَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُسْنَدِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا فِطْرٌ ... ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً. وَأَسْنَدَ مِثْلَهُ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَمَاتَتِ النُّبُوَّةُ. وَكَانَ أَوَّلَ ظُهُورِ الشَّرِّ بِارْتِدَادِ الْعَرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلَ انْقِطَاعِ الْخَيْرِ وَأَوَّلَ نُقْصَانِهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنَ التُّرَابِ مِنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي نَظْمِهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ يَقُولُ: اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ أَوَمَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِبَ جَمَّةٌ ... وَتَرَى الْمَنِيَّةَ لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ مَنْ لَمْ يُصَبْ مِمَّنْ تَرَى بِمُصِيبَةٍ؟ ... هَذَا سَبِيلٌ لَسْتَ فِيهِ بِأَوْحَدِ فَإِذَا ذَكَرْتَ مُحَمَّدًا وَمُصَابَهُ ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَلْجَأً لِذَوِي الْمَصَائِبِ، وَعِصْمَةً لِلْمُمْتَحَنِينَ: لِمَا جَمَعَتْ مِنَ الْمَعَانِي الْمُبَارَكَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "إِنَّا لِلَّهِ" تَوْحِيدٌ وَإِقْرَارٌ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمُلْكِ. وَقَوْلُهُ: "وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ" إِقْرَارٌ بِالْهَلْكِ، عَلَى أَنْفُسِنَا وَالْبَعْثِ مِنْ قُبُورِنَا، وَالْيَقِينُ أَنَّ رُجُوعَ الْأَمْرِ كُلِّهِ إِلَيْهِ كَمَا هُوَ لَهُ. قَالَ سَعِيدُ ابن جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَمْ تُعْطَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ نَبِيًّا قَبْلَ نَبِيِّنَا، وَلَوْ عَرَفَهَا يَعْقُوبُ لَمَا قَالَ: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ. الْخَامِسَةُ- قَالَ أَبُو سِنَانٍ: دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا، وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَنْشَطَنِي وَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ فَمَاذَا قال عبدي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ (. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول:) مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا (. فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" إِمَّا بِالْخَلَفِ كَمَا أَخْلَفَ اللَّهُ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ تَزَوَّجَهَا لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ زَوْجُهَا. وَإِمَّا بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ يَكُونُ بِهِمَا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ هَذِهِ نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الصَّابِرِينَ الْمُسْتَرْجِعِينَ. وَصَلَاةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ: عَفْوُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ وَتَشْرِيفُهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغُفْرَانُ وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ. وَمِنْ هَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءُ لَهُ، وَكَرَّرَ الرَّحْمَةَ لَمَّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ تَأْكِيدًا وَإِشْبَاعًا لِلْمَعْنَى، كَمَا قَالَ: "مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى "، وَقَوْلُهُ "أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ". وَقَالَ الشَّاعِرُ: صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ ... رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعْ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ كَشْفَ الْكُرْبَةِ وَقَضَاءَ الْحَاجَةِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ: "الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ". أَرَادَ بِالْعِدْلَيْنِ الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ، وَبِالْعِلَاوَةِ الِاهْتِدَاءَ. قِيلَ: إِلَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَإِجْزَالِ الْأَجْرِ، وَقِيلَ: إِلَى تَسْهِيلِ الْمَصَائِبِ وتخفيف الحزن. - الآية ١٥٨بلّغ عن خطأ
﴿ ۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما". وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَلَّا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي! طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما" وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا". قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ [بِالْبَيْتِ] وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأَرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. قَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ": "قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا"، ثُمَّ أَخْبَرَتْ أَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ- إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ- مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصفا، فهل علينا من حرج أن نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" الْآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذلك بعد ما ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ قَالَ: (سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَالَ: كَانَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما" قَالَ: هُمَا تَطَوُّعٌ، "وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَيَاطِينُ تَعْزِفُ اللَّيْلَ كُلَّهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا آلِهَةٌ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُمَا شِرْكٌ، فَنَزَلَتْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عَلَى الصَّفَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ صَنَمٌ يُسَمَّى "إِسَافًا" وَعَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمٌ يُسَمَّى "نَائِلَةَ" فَكَانُوا يَمْسَحُونَهُمَا إِذَا طَافُوا، فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. الثَّانِيَةُ- أَصْلُ الصَّفَا فِي اللُّغَةِ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ، وَهُوَ هُنَا جَبَلٌ بِمَكَّةَ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ الْمَرْوَةُ جَبَلٌ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ أَخْرَجَهُمَا بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ. وَذَكَرَ الصَّفَا لِأَنَّ آدَمَ الْمُصْطَفَى ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ بِهِ، وَوَقَفَتْ حَوَّاءُ عَلَى الْمَرْوَةِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْمَرْأَةِ، فَأُنِّثَ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عَلَى الصَّفَا صَنَمٌ يُسَمَّى "إِسَافًا" وَعَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعَى "نَائِلَةَ" فَاطُّرِدَ ذَلِكَ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَقُدِّمَ الْمُذَكَّرُ، وَهَذَا حَسَنٌ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَمَا كَانَ كَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ هَذَا، حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ فِي ذَلِكَ. وَزَعَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فَوَضَعَهُمَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالصَّفَا (مَقْصُورٌ): جَمْعُ صَفَاةٍ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُلْسُ. وَقِيلَ: الصَّفَا اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ صُفِيٌّ (بِضَمِ الصَّادِ) وَأَصْفَاءٌ عَلَى مِثْلِ أَرْحَاءٍ. قَالَ الرَّاجِزُ: كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وَقِيلَ: مِنْ شُرُوطِ الصَّفَا الْبَيَاضُ وَالصَّلَابَةُ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ صَفَا يَصْفُو، أَيْ خَلَصَ مِنَ التُّرَابِ وَالطِّينِ. وَالْمَرْوَةُ (وَاحِدَةٌ الْمَرْوِ) وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ الَّتِي فِيهَا لِينٌ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا الصِّلَابُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْوَ الْحِجَارَةُ صَلِيبُهَا وَرَخْوُهَا الَّذِي يَتَشَظَّى وَتَرِقُّ حَاشِيَتُهُ، وَفِي هَذَا يُقَالُ: الْمَرْوُ أَكْثَرُ وَيُقَالُ فِي الصَّلِيبِ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَتَوَلَّى الْأَرْضَ خَفًّا ذَابِلًا ... فَإِذَا مَا صَادَفَ المرو رضخ وقال أبو ذؤيب: حتى كأني لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةً ... بِصَفَا الْمُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا الْحِجَارَةُ السُّودُ. وَقِيلَ: حِجَارَةٌ بيض براقة تكون فيها النار. الثالثة- قوله تعالى: "مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" أَيْ مِنْ مَعَالِمِهِ وَمَوَاضِعِ عِبَادَاتِهِ، وَهِيَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وَالشَّعَائِرُ: الْمُتَعَبَّدَاتُ الَّتِي أَشْعَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ جَعَلَهَا أَعْلَامًا لِلنَّاسِ، مِنَ الْمَوْقِفِ وَالسَّعْيِ وَالنَّحْرِ. وَالشِّعَارُ: الْعَلَامَةُ، يُقَالُ: أَشْعَرَ الْهَدْيَ أَعْلَمَهُ بِغَرْزِ حَدِيدَةٍ فِي سَنَامِهِ، مِنْ قَوْلِكَ: أَشْعَرْتُ أَيْ أَعْلَمْتُ، وَقَالَ الْكُمَيْتُ: نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يتقرب الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أَيْ قَصَدَ. وَأَصْلُ الْحَجِّ الْقَصْدُ، قَالَ الشَّاعِرُ: فَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا» كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا السِّبُّ: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّبُّ (بِالْكَسْرِ) الْكَثِيرُ السِّبَابُ. وَسَبُّكَ أَيْضًا الَّذِي يسابك، قال الشاعر: لَا تَسُبَّنَّنِي فَلَسْتَ بِسِبِّي ... إِنَّ سِبِّي مِنَ الرِّجَالِ الْكَرِيمُ وَالسِّبُّ أَيْضًا الْخِمَارُ، وَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ، قَالَ الْمُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ: يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا وَالسِّبُّ أَيْضًا الْحَبْلُ فِي لُغَةِ هُذَيْلٍ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبٍّ وَخَيْطَةٍ ... بِجَرْدَاءَ مِثْلَ الْوَكْفِ يَكْبُو غُرَابُهَا وَالسُّبُوبُ: الْحِبَالُ. وَالسِّبُّ: شُقَّةُ كَتَّانٍ رَقِيقَةٌ، وَالسَّبِيبَةُ مِثْلُهُ، وَالْجَمْعُ السُّبُوبُ وَالسَّبَائِبُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَحَجَّ الطَّبِيبُ الشَّجَّةَ إذا سبرها بالميل، قال الشاعر: يَحُجُّ مَأْمُومَةً فِي قَعْرِهَا لَجَفٌ اللَّجَفُ: الْخَسْفُ. تَلَجَّفَتِ الْبِئْرُ: انْخَسَفَ أَسْفَلُهَا. ثُمَّ اخْتَصَّ هَذَا الِاسْمُ بِالْقَصْدِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أَيْ زَارَ. والعمرة: الزيارة، قال الشاعر: لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بعيدا من بعيد وضبر السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ لَا إِثْمَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْجُنُوحِ وَهُوَ الْمَيْلُ، وَمِنْهُ الْجَوَانِحُ لِلْأَعْضَاءِ لِاعْوِجَاجِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ عَائِشَةَ لِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ "وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ، إِبَاحَةُ الْفِعْلِ. وَقَوْلُهُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَلَّا تَفْعَلَ، إِبَاحَةٌ لِتَرْكِ الْفِعْلِ، فَلَمَّا سَمِعَ عُرْوَةُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:" فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما "قَالَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الطَّوَافِ جَائِزٌ، ثُمَّ رَأَى الشَّرِيعَةَ مُطْبِقَةً عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ فَطَلَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَيْسَ قَوْلُهُ:" فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما "دَلِيلًا عَلَى تَرْكِ الطَّوَافِ، إِنَّمَا كَانَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهِ لَوْ كَانَ" فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا "فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ لِإِبَاحَةِ تَرْكِ الطَّوَافِ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ لِإِفَادَةِ إِبَاحَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ، فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الطَّائِفُ قَصْدًا بَاطِلًا". فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا" وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيُرْوَى أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ، وَيُرْوَى عَنْ أَنَسٍ مِثْلُ هَذَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَلَا يُتْرَكُ مَا قَدْ ثَبَتَ فِي الْمُصْحَفِ إِلَى قِرَاءَةٍ لَا يُدْرَى أَصَحَّتْ أَمْ لَا، وَكَانَ عَطَاءٌ يُكْثِرُ الْإِرْسَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ. وَالرِّوَايَةُ فِي هَذَا عَنْ أَنَسٍ قَدْ قِيلَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْمَضْبُوطَةِ، أَوْ تَكُونُ "لَا" زَائِدَةَ لِلتَّوْكِيدِ، كَمَا قَالَ: وَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَلَّا تَسْخَرَا ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا السَّابِعَةُ- رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا فَقَرَأَ: "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى" وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) فَبَدَأَ بِالصَّفَا وَقَالَ "إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا لَمْ يُجْزِهِ وَيَبْدَأُ بِالصَّفَا. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ رُكْنٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ). خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَكَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ"، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ). وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِشَيْبَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ يَقُولُ: (لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ إِلَّا شَدًّا) فَمَنْ تَرَكَهُ أَوْ شَوْطًا مِنْهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا رَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى، لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَّصِلًا بِالطَّوَافِ. وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ كَانَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُمْرَةِ فَرْضًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ عِنْدَ مَالِكٍ مَعَ تَمَامِ مَنَاسِكِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَا مَعْنَى لِلْعُمْرَةِ إِذَا رَجَعَ وَطَافَ وَسَعَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَإِنْ تَرَكَهُ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بِلَادِهِ جَبَرَهُ بِالدَّمِ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً". وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "يَطَّوَّعُ" مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ، وَكَذَلِكَ "فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ" الْبَاقُونَ "تَطَوَّعَ" مَاضٍ، وَهُوَ مَا يَأْتِيهِ الْمُؤْمِنُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَمَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ فَإِنَّ اللَّهَ يَشْكُرُهُ. وَشُكْرُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ إِثَابَتُهُ عَلَى الطَّاعَةِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَصَارَ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْحَجِّ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، كَبَيَانِهِ لِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ تَطَوُّعٌ. وَقَالَ طُلَيْبٌ: رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْمًا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَالَ: هَذَا مَا أَوْرَثَتْكُمْ أمكم أم إسماعيل. قُلْتُ: وَهَذَا ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" إِبْرَاهِيمَ ". التَّاسِعَةُ- وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطُوفَ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، فَإِنْ طَافَ مَعْذُورًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ طَافَ غَيْرَ مَعْذُورٍ أَعَادَ إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ، وَإِنْ غَابَ عَنْهُ أَهْدَى. إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ). وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ مِنَ الْعُذْرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ). وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ يَطُوفَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، فَإِنْ طَافَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ طَائِفًا، وَإِنَّمَا الطَّائِفُ الْحَامِلُ. وَإِذَا طَافَ عَلَى بَعِيرٍ يَكُونُ هُوَ الطَّائِفُ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَهَذِهِ تَفْرِقَةُ اخْتِيَارٍ، وَأَمَّا الْإِجْزَاءُ فَيُجْزِئُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَطِيفَ بِهِ مَحْمُولًا، أَوْ وُقِفَ به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه.
تفسير القرطبي — أبو عبد الله القرطبي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.