- الآية ١٢٧بلّغ عن خطأ
﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ﴾الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ الْجُدُرُ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهَا الْأَسَاسُ. وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ الْبَيْتَ لَمَّا هُدِمَ أُخْرِجَتْ مِنْهُ حِجَارَةٌ عِظَامٌ) فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الْقَوَاعِدُ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوَاعِدَ كَانَتْ قَدِ انْدَرَسَتْ فَأَطْلَعَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهَا. ابْنُ عَبَّاسٍ: وَضَعَ الْبَيْتَ عَلَى أَرْكَانٍ رَآهَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ. وَالْقَوَاعِدُ وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ. وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ وَاحِدهَا قَاعِدٌ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ بَنَى الْبَيْتَ أَوَّلًا وَأَسَّسَهُ، فَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ. رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سُئِلَ أَبِي وَأَنَا حَاضِرٌ عَنْ بَدْءِ خَلْقِ الْبَيْتِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا قَالَ:" إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ:" أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، فَعَاذُوا بِعَرْشِهِ وَطَافُوا حَوْلَهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ حَتَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ لَهُمُ: ابْنُوا لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ يَتَعَوَّذُ بِهِ مَنْ سَخِطْتُ عَلَيْهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَطُوفُ حَوْلَهُ كَمَا طُفْتُمْ حَوْلَ عَرْشِي، فَأَرْضَى عَنْهُ كَمَا رَضِيَتْ عَنْكُمْ، فَبَنَوْا هَذَا الْبَيْتَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى آدَمَ: إِذَا هَبَطْتَ ابْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِعَرْشِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ عَطَاءٌ: فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ حِرَاءٍ، وَمِنْ طُورِ سِينَا، وَمِنْ لُبْنَانَ، وَمِنْ الْجُودِيِّ، وَمِنْ طُورِ زَيْتًا، وَكَانَ رُبْضُهُ مِنْ حِرَاءٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالرُّبُضُ هَا هُنَا الْأَسَاسُ الْمُسْتَدِيرُ بِالْبَيْتِ مِنَ الصَّخْرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ: رَبُضٌ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ لَهُ: يَا آدَمُ، اذْهَبْ فَابْنِ لِي بَيْتًا وَطُفْ بِهِ وَاذْكُرْنِي عِنْدَهُ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَأَقْبَلَ آدَمُ يَتَخَطَّى وَطُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، وَقُبِضَتْ لَهُ المفازة، فلا يقع قدمه على شي مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا صَارَ عُمْرَانًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ الْأَرْضَ فَأَبْرَزَ عَنْ أُسٍّ ثَابِتٍ عَلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِالصَّخْرِ، فَمَا يُطِيقُ الصَّخْرَةَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَأَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: أَنَّهُ أُهْبِطَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيْمَةٌ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ، فَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا وَيَطُوفَ حَوْلَهَا، فَلَمْ تَزَلْ بَاقِيَةً حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ ثُمَّ رُفِعَتْ. وَهَذَا مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَهُ بَيْتٌ فَكَانَ يَطُوفُ بِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ وَلَدِهِ كَذَلِكَ إِلَى زَمَانِ الْغَرَقِ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ فَصَارَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ. رُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي كِتَابِ "مِنْهَاجِ الدِّينِ" لَهُ، وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَا قَالَ قَتَادَةُ مِنْ أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ بَيْتٌ، أَيْ أُهْبِطَ مَعَهُ مِقْدَارُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ابْنِ بِقَدْرِهِ، وَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ بِحِيَالِهِ، فَكَانَ حِيَالَهُ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، فَبَنَاهَا فِيهِ. وَأَمَّا الْخَيْمَةُ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُنْزِلَتْ وَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِبِنَائِهَا فَبَنَاهَا كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ طُمَأْنِينَةٌ لِقَلْبِ آدَمَ ﷺ مَا عَاشَ ثُمَّ رُفِعَتْ، فَتَتَّفِقُ هَذِهِ الْأَخْبَارُ. فَهَذَا بِنَاءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بناه إبراهيم عليه السلام. قال ابن جريح وَقَالَ نَاسٌ: أَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فِيهَا رَأْسٌ، فَقَالَ الرَّأْسُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْخُذَ بِقَدْرِ هَذِهِ السَّحَابَةِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَخُطُّ قَدْرَهَا، ثُمَّ قَالَ الرَّأْسُ: إِنَّهُ قَدْ فَعَلْتَ، فَحَفَرَ فَأُبْرِزَ عَنْ أَسَاسٍ ثَابِتٍ في الأرض. وروي عن علي بن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِعِمَارَةِ الْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ الشَّامِ وَمَعَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ وَأُمُّهُ هَاجَرُ، وَبَعَثَ مَعَهُ السَّكِينَةَ لَهَا لِسَانٌ تَتَكَلَّمُ بِهِ يَغْدُو مَعَهَا إِبْرَاهِيمُ إِذَا غَدَتْ، وَيَرُوحُ مَعَهَا إِذَا رَاحَتْ، حَتَّى انْتَهَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ: ابْنِ عَلَى مَوْضِعِي الْأَسَاسَ، فَرَفَعَ الْبَيْتَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الرُّكْنِ، فَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، ابْغِنِي حَجَرًا أَجْعَلُهُ عَلَمًا لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَرْضَهُ، وَقَالَ: ابْغِنِي غَيْرَهُ، فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ، فَجَاءَهُ وَقَدْ أَتَى بِالرُّكْنِ فَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَةِ، مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يكلني إليك. ابن عباس: صالح أَبُو قُبَيْسٍ: يَا إِبْرَاهِيمُ، يَا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ فَخُذْهَا، فَإِذَا هُوَ بِحَجَرٍ أَبْيَضَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ كَانَ آدَمُ قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ جَاءَتْ سَحَابَةٌ مُرَبَّعَةٌ فِيهَا رَأْسٌ فَنَادَتْ: أَنِ ارْفَعَا عَلَى تَرْبِيعِيَّ. فَهَذَا بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لَمَّا فَرَغَا مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَعْطَاهُمَا اللَّهُ الْخَيْلَ جَزَاءً عَنْ رَفْعِ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هَمَّامِ أَخُو عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كانت الخبيل وَحْشًا كَسَائِرِ الْوَحْشِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمَهُ: (إِنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُمَا) ثُمَّ أَوْحَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ أَنِ اخْرُجْ إِلَى أَجْيَادٍ فَادْعُ يَأْتِكَ الْكَنْزُ. فَخَرَجَ إِلَى أَجْيَادٍ- وَكَانَتْ وَطَنًا- وَلَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَلَا الْكَنْزُ، فَأَلْهَمَهُ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ إِلَّا جَاءَتْهُ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَوَاصِيهَا وَذَلَّلَهَا لَهُ، فَارْكَبُوهَا وَاعْلِفُوهَا فَإِنَّهَا مَيَامِينُ، وَهِيَ مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَرَسُ عَرَبِيًّا لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أُمِرَ بِالدُّعَاءِ وَإِيَّاهُ أَتَى. وَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبَيْتَ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ شِيثٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَمَّا بُنْيَانُ قُرَيْشٍ لَهُ فَمَشْهُورٌ، وَخَبَرُ الْحَيَّةِ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٌ، وَكَانَتْ تَمْنَعُهُمْ مِنْ هَدْمِهِ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْمَقَامِ فَعَجُّوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالُوا: رَبَّنَا، لَمْ تُرَعْ! أَرَدْنَا تَشْرِيفَ بَيْتِكَ وَتَزْيِينَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَرْضَى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا بَدَا لك فافعل، فسمعوا خَوَاتًا مِنَ السَّمَاءِ- وَالْخَوَاتُ: حَفِيفُ جَنَاحِ الطَّيْرِ الضَّخْمِ- فَإِذَا هُوَ بِطَائِرٍ أَعْظَمَ مِنَ النَّسْرِ، أَسْوَدَ الظَّهْرِ أَبْيَضَ الْبَطْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَغَرَزَ مَخَالِيبَهُ فِي قَفَا الْحَيَّةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا تَجُرُّ ذَنَبهَا أَعْظَمَ مِنْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى انْطَلَقَ بِهَا نَحْوَ أَجْيَادٍ، فَهَدَمَتْهَا قُرَيْشٌ وَجَعَلُوا يَبْنُونَهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي تَحْمِلُهَا قُرَيْشٌ عَلَى رِقَابِهَا، فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاءِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَحْمِلُ حِجَارَةً مِنْ أَجْيَادٍ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ فَضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّمِرَةُ فَذَهَبَ يَرْفَعُ النَّمِرَةَ عَلَى عَاتِقِهِ، فَتُرَى عَوْرَتُهُ مِنْ صِغَرِ النَّمِرَةِ، فَنُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ، خَمِّرْ عَوْرَتَكَ، فَلَمْ يُرَ عُرْيَانًا بَعْدُ. وَكَانَ بَيْنَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ خَمْسُ سِنِينَ، وَبَيْنَ مَخْرَجِهِ وَبِنَائِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ. وَذُكِرَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: حَتَّى إِذَا بَنَوْهَا وَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ، أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ؟ حَتَّى شَجَرَ بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحُ نَمِرَةٍ، فَحَكَّمُوهُ فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةً مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْتَقَى هُوَ فَرَفَعُوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ، فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ ﷺ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَلَمْ يُدْرِ مَا هُوَ، حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ، فَإِذَا فِيهِ:" أَنَا اللَّهُ ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات وَالْأَرْضَ وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ لَا تَزُولُ حَتَّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ". وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ عَلَى عَهْدِ الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمُ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَرْضِ حَتَّى بَنَتْهُ قُرَيْشٌ. خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ [فِي الْبَيْتِ]؟ قَالَ: (إِنَّ قَوْمَكِ قصرت بهم النفقة). قلت: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: (فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافَ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ (. وَخُرِّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي (يَعْنِي عَائِشَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتْ الْكَعْبَةَ (. وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ [أَبِيهِ عَنْ] عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) لَوْلَا حَدَاثَةُ [عَهْدِ] قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتْ الْكَعْبَةَ اسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا (. وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: يَعْنِي بَابًا. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا:) لَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفَيْنِ) يَعْنِي بَابَيْنِ، فَهَذَا بِنَاءُ قُرَيْشٍ. ثُمَّ لَمَّا غَزَا أَهْلُ الشَّامِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَوَهَتْ الْكَعْبَةُ مِنْ حَرِيقِهِمْ، هَدَمَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَنَاهَا عَلَى مَا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ، كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَأَلْفَاظُ الْحَدِيثِ تَخْتَلِفُ. وَذَكَرَ سُفْيَانُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَهْدِمَ الْكَعْبَةَ وَيَبْنِيَهُ قَالَ لِلنَّاسِ: اهْدِمُوا، قَالَ: فَأَبَوْا أَنْ يَهْدِمُوا وَخَافُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَخَرَجْنَا إِلَى مِنًى فَأَقَمْنَا بِهَا ثَلَاثًا نَنْتَظِرُ الْعَذَابَ. قَالَ: وَارْتَقَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ هُوَ بِنَفْسِهِ، فلما رأوا أنه لم يصبه شي اجْتَرَءُوا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَهَدَمُوا. فَلَمَّا بَنَاهَا جَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، وَزَادَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، وَزَادَ فِي طُولِهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ. قَالَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك ابن مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ العدول من أهل مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا من تلطيخ ابن الزبير في شي، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابُ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ. فِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ (يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ) سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَلَى، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ من بعدي أن يبنوه فهلمي لأربك مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ (. فِي أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ. فَهَذَا مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مِنَ الْآثَارِ. وَرُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ ذَكَرَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ مَا بَنَى الْحَجَّاجُ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَامْتَثَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَّا تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا نَقْضَ الْبَيْتَ وَبِنَاهُ، فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ الناس. وذكر الوافدي: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ،: نَهَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ، وَهُوَ تُبَّعٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَهُوَ تُبَّعُ الْآخَرُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ ثُمَّ كُسِيَتِ الْبُرُدَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يَنْبَغِي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شي، فإنه مهدي إليها، ولا ينقص منها شي. رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ يُسْتَشْفَى بِهِ، وَكَانَ إِذَا رَأَى الْخَادِمَ يَأْخُذُ مِنْهُ قَفَدَهَا قَفْدَةً لَا يَأْلُو أَنْ يُوجِعَهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ أَحَدُنَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ جَاءَ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَ بِهِ الحجر ثم أخذه. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ الْمَعْنَى: وَيَقُولَانِ "رَبَّنا"، فَحَذَفَ. وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا". وَتَفْسِيرُ إِسْمَاعِيلَ: اسْمَعْ يَا أَللَّهُ، لِأَنَّ "إِيلَ" بِالسُّرْيَانِيَّةِ هُوَ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا دَعَا رَبَّهُ قَالَ: اسْمَعْ يَا إِيلُ، فَلَمَّا أَجَابَهُ رَبُّهُ وَرَزَقَهُ الْوَلَدَ سَمَّاهُ بِمَا دَعَاهُ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْكِتَابِ "الأسنى في شرج أسماء الله الحسنى". - الآية ١٢٨بلّغ عن خطأ
﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي صيرنا، و "مُسْلِمَيْنِ" مَفْعُولٌ ثَانٍ، سَأَلَا التَّثْبِيتَ وَالدَّوَامَ. وَالْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِيمَانُ وَالْأَعْمَالُ جَمِيعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ "فَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شي وَاحِدٌ، وَعَضَّدُوا هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:" فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ "مُسْلِمِينَ" عَلَى الْجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا فَاجْعَلْ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إِلَّا لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ دَعَا مَعَ دُعَائِهِ لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ ولهذه الامة. و "من" فِي قَوْلِهِ: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا" لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّ مِنْهُمْ ظَالِمِينَ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا" العرب خاصة. قال السهيلي: وذريتهما الْعَرَبُ، لِأَنَّهُمْ بَنُو نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَوْ بَنُو تَيْمَنَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَيُقَالُ: قِيدَرَ بْنُ نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. أَمَّا الْعَدْنَانِيَّةُ فَمِنْ نَبِتِ، وَأَمَّا الْقَحْطَانِيَّةُ فَمِنْ قَيدَرَ بْنِ نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَوْ تَيْمَنَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ فِي الْعَرَبِ وَفِيمَنْ آمَنَ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ هُنَا، وَتَكُونُ وَاحِدًا إِذَا كَانَ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ"، وَقَالَ ﷺ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: (يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ فِي دِينِهِ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ "أَيْ عَلَى دِينٍ وَمِلَّةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ". وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْحِينَ وَالزَّمَانَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ " أَيْ بَعْدَ حِينٍ وَزَمَانٍ. وَيُقَالُ: هَذِهِ أُمَّةُ زَيْدٍ، أَيْ أُمُّ زَيْدٍ. وَالْأُمَّةُ أَيْضًا: الْقَامَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْأُمَّةِ، أي حسن القامة، قال: وإن معاوية الاكرمي ... ن حِسَانُ الْوُجُوهِ طِوَالُ الْأُمَمِ وَقِيلَ: الْأُمَّةُ الشَّجَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الدِّمَاغِ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَأْمُومٌ وَأَمِيمٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ "أَرِنَا" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، فَتَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقِيلَ: مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، وَيَلْزَمُ قَائِلُهُ أَنْ يَتَعَدَّى الْفِعْلُ مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَفَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَنْفَصِلُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالْهَمْزَةِ مِنْ رُؤْيَةِ القلب إلى مفعولين [كغير المعدي]، قال حطايط بْنُ يَعْفُرَ أَخُو الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لِأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالسُّدِّيُّ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَرُوَيْسٍ وَالسُّوسِيِّ "أَرْنَا" بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي الْقُرْآنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَرَأَ أبو عمرو باختلاس كسرة الرَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَأَصْلُهُ أرينا بِالْهَمْزِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالسُّكُونِ قَالَ: ذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ وَذَهَبَتْ حَرَكَتُهَا وَبَقِيَتِ الرَّاءُ سَاكِنَةً عَلَى حَالِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُهَا ... مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وَمَنْ كَسَرَ فَإِنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ الْمَحْذُوفَةِ إِلَى الرَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو طَلَبَ الْخِفَّةَ. وَعَنْ شُجَاعِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ وَكَانَ أَمِينًا صَادِقًا أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَذَاكَرَهُ أَشْيَاءَ مِنْ حُرُوفِ أَبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَرُدْ عَلَيْهِ إِلَّا حَرْفَيْنِ: هَذَا، وَالْآخَرُ "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا" مَهْمُوزًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَناسِكَنا﴾ يُقَالُ: إِنَّ أَصْلَ النُّسُكِ فِي اللُّغَةِ الْغَسْلُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ إِذَا غَسَلَهُ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبَادَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ نَاسِكٌ إِذَا كَانَ عَابِدًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْمَنَاسِكِ هُنَا، فَقِيلَ: مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَنَاسِكُ الْمَذَابِحُ، أَيْ مَوَاضِعُ الذَّبْحِ. وَقِيلَ: جَمِيعُ الْمُتَعَبَّدَاتِ. وَكُلُّ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يقال له منسك ومسك. وَالنَّاسِكُ: الْعَابِدُ. قَالَ النَّحَّاسُ: يُقَالُ نَسَكَ يَنْسُكُ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا: مَنْسُكٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَفْعُلٌ. وَعَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَالَ: أَيْ رَبِّ، قَدْ فَرَغْتُ فَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ، حَتَّى إِذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَجَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُ: أَحْصِبْهُ، فَحَصَبَهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ الْغَدَ ثُمَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، ثُمَّ عَلَا ثَبِيرًا فَقَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَجِيبُوا، فَسَمِعَ دَعْوَتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَبْحُرِ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ سَبْعَةُ مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَأُهْلِكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ الْبَيْتِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فأراه الطواف بِالْبَيْتِ- قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ:" وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ- ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى وَكَبَّرَ، وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَيَا الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَيَا الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا فَقَالَ: هَا هُنَا يَجْمَعُ النَّاسُ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَاتٍ فَقَالَ: عَرَفْتَ؟ فَقَالَ نَعَمْ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ عَرَفَاتٍ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: عَرَفْتَ، عَرَفْتَ، عَرَفْتَ؟ أَيْ مِنًى وَالْجَمْعَ وَهَذَا، فَقَالَ نَعَمْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ. وَعَنْ خُصَيْفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُجَاهِدًا حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "وَأَرِنا مَناسِكَنا" أَيِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ بِنَصِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ جِبْرِيلُ، فَلَمَّا مَرَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِذَا إِبْلِيسُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَارْتَفَعَ إِبْلِيسُ إِلَى الْوُسْطَى، فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، ثُمَّ فِي الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى كَذَلِكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَرَفْتَ مَا أَرَيْتُكَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ لِذَلِكَ فِيمَا قِيلَ، قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، ثلاث مرار، فَفَعَلَ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قَالَ: فَمَنْ أَجَابَ يَوْمئِذٍ فَهُوَ حَاجٌّ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ حِينَ نَادَى اسْتَدَارَ فَدَعَا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَلَبَّى النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَشْرِقٍ وَمَغْرِبٍ، وَتَطَأْطَأَتِ الْجِبَالُ حَتَّى بَعُدَ صَوْتُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: طُفْ بِهِ سَبْعًا، فَطَافَ بِهِ سَبْعًا هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فِي كُلِّ طَوَافٍ، فَلَمَّا أَكْمَلَا سَبْعًا صَلَّيَا خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَقَامَ جِبْرِيلُ فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا: الصفا والمروة ومنى والمزدلفة. قال: فَلَمَّا دَخَلَ مِنًى وَهَبَطَ مِنْ الْعَقَبَةِ تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ ... ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ: حَجَّ إِسْحَاقُ وَسَارَةُ مِنْ الشَّامِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحُجُّهُ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى الْبُرَاقِ، وَحَجَّتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأُمَمُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ مَكَّةَ فَتَعَبَّدَ بِهَا هُوَ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتُوا فَمَاتَ بِهَا نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَقُبُورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحِجْرِ (. وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ شُعَيْبًا مَاتَ بِمَكَّةَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهُمْ فِي غَرْبِيِّ مَكَّةَ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَبَيْنَ بَنِي سَهْمٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْرَانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمَا، قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ وَقَبْرُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فقبر إسماعيل في الجحر، وَقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقَابِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا جَاءُوا حُجَّاجًا فَقُبِرُوا هُنَالِكَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: "وَتُبْ عَلَيْنا" وَهُمْ أَنْبِيَاءٌ مَعْصُومُونَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: طَلَبَا التَّثْبِيتِ وَالدَّوَامِ، لَا أَنَّهُمَا كَانَ لَهُمَا ذَنْبٌ. قُلْتُ: وَهَذَا حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَمَّا عَرَفَا الْمَنَاسِكَ وَبَنَيَا الْبَيْتَ أَرَادَا أَنْ يُبَيِّنَا لِلنَّاسِ وَيُعَرِّفَاهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ وَتِلْكَ الْمَوَاضِعَ مَكَانَ التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ وَطَلَبِ التَّوْبَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَةِ مِنَّا. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: "إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" فَأَغْنَى عن إعادته. - الآية ١٢٩بلّغ عن خطأ
﴿ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ "وَابْعَثْ فِي آخِرِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ". وَقَدْ رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ، قَالَ: (نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وبشرى عيسى). و "رَسُولًا" أَيْ مُرْسَلًا، وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ الرِّسَالَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ مِرْسَالٌ وَرَسْلَةٌ، إِذَا كَانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ مَاضِيَةً أَمَامَ النُّوقِ. وَيُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ الْمُهْمَلَةِ المرسلة: رسل، وجمه أَرْسَالٌ. يُقَالُ: جَاءَ الْقَوْمُ أَرْسَالًا، أَيْ بَعْضُهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلَّبَنِ رِسْلٌ، لِأَنَّهُ يُرْسَلُ مِنَ الضَّرْعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ "الكتاب" القرآن و "الحكمة": الْمَعْرِفَةَ بِالدِّينِ، وَالْفِقْهِ فِي التَّأْوِيلِ، وَالْفَهْمِ الَّذِي هُوَ سَجِيَّةٌ وَنُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَهُ مَالِكٌ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: "الْحِكْمَةُ" السُّنَّةُ وَبَيَانُ الشَّرَائِعِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ خَاصَّةً، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَنُسِبَ التَّعْلِيمُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَيْثُ هُوَ يُعْطِي الْأُمُورَ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا، وَيَعْلَمُ طَرِيقَ النَّظَرِ بِمَا يُلْقِيهِ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ. "وَيُزَكِّيهِمْ" أَيْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ وَضَرِ الشِّرْكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ. وَالزَّكَاةُ: التَّطْهِيرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَاتِ تِلَاوَةُ ظَاهِرِ الْأَلْفَاظِ. وَالْكِتَابُ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ. وَالْحِكْمَةُ الْحُكْمُ، وَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ بِالْخِطَابِ مِنْ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ، وَمُفَسَّرٍ وَمُجْمَلٍ، وَعُمُومٍ وَخُصُوصٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا تقدم، والله تعالى أعلم. "وَالْعَزِيزُ" مَعْنَاهُ الْمَنِيعُ الَّذِي لَا يُنَالُ وَلَا يُغَالَبُ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يعجزه شي، دَلِيلُهُ:" وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ". الْكِسَائِيُّ: "الْعَزِيزُ" الْغَالِبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ". وَفِي الْمَثَلِ: "مَنْ عَزَّ بَزَّ" أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ. وَقِيلَ: "الْعَزِيزُ" الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ، بَيَانُهُ" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ". وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي اسْمِهِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى" وقد تقدم معنى" الحكيم " والحمد الله.
تفسير القرطبي — أبو عبد الله القرطبي. النص من نسخة quran.com، مقسّمًا على الآيات.